أرادت أن تقول: مش عارفة.
لكنها اكتفت بـ: — «لا… بس تعبانة شوية.»
مدّ يده، وضعها فوق يدها: — «لو في أي وقت حابة تتكلمي… أنا موجود.»
ابتسمت له، ابتسامة امتنان ممزوجة بثقل لا يُقال.
في تلك الليلة، لم تنم سريعًا.
ظلت تحدّق في السقف، تتقلب بين صورتين:
رجل يمنحها الأمان دون شروط،
ورجل يوقظ بداخلها أسئلة لم تكن مستعدة لها.
وفي مكان آخر، كان آدم يجلس وحده، يفكر.
لماذا هذه المرأة تحديدًا؟
ولماذا يشعر أن الاقتراب منها سيكون خطأ… لكنه خطأ يصعب تجنبه؟
قال لنفسه بصرامة: هي متزوجة. والنهاية معروفة.
لكن قلبه، ولأول مرة منذ زمن،
لم يكن مقتنعًا بالمنطق وحده.
في الأيام التالية، بدأت التفاصيل الصغيرة تفعل فعلها البطيء والخطير، لم تكن هناك قفزات مفاجئة، ولا اعترافات، ولا اقتراب صريح، كان كل شيء يحدث في المساحات الرمادية… حيث لا ذنب واضح، ولا براءة كاملة. مريم صارت أكثر صمتًا، ليس صمت الانسحاب، بل صمت المراقبة، تراقب نفسها قبل أن تراقب آدم، تراقب كيف يتغيّر إيقاع قلبها حين تسمع صوته في الممر، وكيف تنتبه لوجوده قبل أن تراه، وكيف يختفي يوسف من أفكارها أحيانًا دون قصد، ثم يعود بثقله حين تشعر بالذنب. كانت تكره هذا الشعور، تكره أن تكون زوجة صالحة على الورق، ومضطربة في الداخل، تكره أن تشعر أن الأمان الذي اختارته بعقلها، بدأ يُطالبها بثمن لم تكن مستعدة لدفعه. أما آدم، فكان يخوض صراعًا من نوع آخر، لم يحاول الاقتراب خطوة واحدة خارج الإطار المهني، لكنه وجد نفسه يعيد قراءة كلماتها، نبرتها، صمتها، كان يشعر أنها تضع حدودًا لا لأنها لا تريد، بل لأنها تريد أكثر مما ينبغي. وفي أحد الأيام، حدث ما لم يكن في الحسبان، طُلب من الفريقين السفر ليومين خارج المدينة لإتمام المرحلة الأخيرة من المشروع، اجتماعات مكثفة، مبيت واحد، جدول صارم. حين وصل البريد الرسمي، شعرت مريم ببرودة في أطرافها، قرأت التفاصيل مرة، ثم مرة أخرى، حاولت أن تقنع نفسها أن الأمر طبيعي، مهني، لا يحمل أي تهديد، لكن قلبها لم يكن هادئًا. في المساء، أخبرت يوسف، قالت الأمر كما لو كان تفصيلًا عابرًا: «في شغل يومين بره… شركة المشروع»، نظر إليها، ابتسم ابتسامة خفيفة: «تمام… ربنا يوفقك»، توقفت لحظة، كانت تنتظر سؤالًا، اعتراضًا، أي شيء، فقالت دون تفكير: «مش هتسأل مع مين؟»، نظر إليها باستغراب بسيط: «ما هو شغل… مش كده؟»، أومأت، لكن قلبها انقبض. في تلك الليلة، شعرت لأول مرة أن المسافة بينهما لم تعد فقط صمتًا… بل اختلافًا في الإحساس. جاء يوم السفر، في الحافلة جلست مريم قرب النافذة، حاولت أن تشغل نفسها بالمنظر الخارجي، لكنها شعرت بوجوده قبل أن يجلس، آدم جلس على المقعد المقابل، بمسافة محترمة، دون كلمة واحدة، تبادلوا التحية الرسمية، ثم ساد الصمت، وطوال الطريق كان كل شيء محكومًا بالصمت، لكن الصمت هذه المرة لم يكن مريحًا. في الفندق، انقسم الفريقان إلى مجموعات، غرف منفصلة، تعليمات واضحة، لا مجال للخطأ، ومريم التزمت بكل شيء بحرفية شديدة، وكأنها تحتمي بالقواعد. في إحدى الجلسات المسائية، احتدم النقاش، آدم كان حادًا، مريم كانت دقيقة، وكل منهما يدافع عن وجهة نظره بقوة، لم يكن الخلاف شخصيًا، لكنه كان مشحونًا على نحو غير مريح، قالت بثبات: «الطريقة دي فيها مخاطرة كبيرة»، فرد بنبرة حاسمة: «وأحيانًا المخاطرة هي الحل الوحيد»، التقت أعينهما، لم يكن في النظرة تحدٍ فقط… كان شيء أعمق، أخطر. انتهى الاجتماع متوترًا، خرج الجميع، وبقيت مريم تجمع أوراقها بيد مرتعشة، شعرت به يقف خلفها، نطق اسمها دون ألقاب لأول مرة: «مريم»، التفتت ببطء وقالت: «لو سمحت… خليك في إطار الشغل»، تنفّس بعمق: «أنا بحاول… بس واضح إننا مش بنضحك على نفسنا»، شعرت بدقات قلبها تعلو وقالت: «إحنا الاتنين عارفين إن الكلام ده لازم يقف هنا»، اقترب خطوة ثم توقّف: «وأنا عارف كمان إنك مش مرتاحة… زيّي بالضبط»، صمت، ثوانٍ مشدودة كوتر، ثم قالت أخيرًا وكأنها تضع حاجزًا أخيرًا بينهما: «أنا متجوزة»، نظر إليها طويلًا ثم قال بصوت منخفض: «وعلشان كده… أنا خايف»، هذه الكلمة كانت أخطر من أي اعتراف. انسحبت مريم بسرعة، دخلت غرفتها، أغلقت الباب، وأسندت ظهرها إليه، وضعت يدها على فمها كي لا يخرج صوت لم تكن مستعدة له، كانت تعلم الآن أن ما يحدث لم يعد مجرد ارتباك عابر. وفي تلك الليلة، لم يغمض لآدم جفن، جلس على حافة السرير، يفكر في امرأة ليست له، وفي طريق بدأ يتشعّب أكثر مما ينبغي. في صباح اليوم التالي، وقفت مريم أمام المرآة، وجهها هادئ، لكن عينيها كانتا مختلفتين، قالت لنفسها بصوت خافت: «لازم أوقف ده… قبل ما يكبر»، لكن بعض الأشياء، حين نحاول إيقافها، تكون قد تجاوزت نقطة السيطرة بالفعل. وقبل أن تغادر الغرفة، رنّ هاتفها، رسالة واحدة فقط من رقم غير مسجّل: «مريم… محتاج أكلمك قبل ما نرجع»، تجمّدت في مكانها، شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها، رفعت رأسها ببطء، نظرت إلى المرآة مرة أخيرة، وسألت نفسها السؤال الذي كانت تهرب منه منذ البداية: هل الخطر الحقيقي هو أن نحب؟ أم أن نكتشف متأخرين أننا لم نكن نعيش أصلًا؟ —