نار، نار تحرق أوردتها، تستعر بداخلها، كيف استطاع اهانتها؟؟.. لقد أذلها هو وزوجته، هي بتحقيرها وهو بطلبه كأنه يرمي إليها بصدقة.
فزت من جلستها ولم تأبه للدوار الذي أصابها ونظرت بغل ناحية جدتها التي تنظر إليها بقوة فتلاقت نظراتهما بتحدي ومعرفة بما يدور بداخل كل منهما.
” وأنت موافقة على ما يريد؟؟ “..
” لا يهم رأي أنا، بل رأيك أنت ما يهم!! “..
” هل كان طلبه حقيقي؟! “..
” مريم!!.. ما هذا السؤال؟!.. بالطبع حقيقي، لقد قاله أمام، الجميع ثم أعاد طلبه مني أنا في اليوم التالي!! “.
” وأنت موافقة بالطبع!! “.
” ولما لا أوافق؟!.. فأنا لن أجد رجل يحافظ عليك مثله “.
” هل أصاب عقلك مس ما!! “.
” مريم… هل جننت؟! “.
صرخ فيها محمد متعجبا من قولها، لكنها لم تهتم وواصلت حديثها مع جدتها:
” لما هذا الطلب؟!… لما يريد الزواج مني؟!… لقد كنت أمامه طوال حياتي ولم ينظر، لم يتحدث، كأنني غير موجودة أبدا، فقط وقت حاجته للطعام ورغبته بالضحك يعلم أين يجدهم!! “.
تحدثت، وتحدثت تخرج كل ما بداخل صدرها تخبر بها جدتها من آلام عدم اهتمامه بها، تحدثت كل ما يختلجها وكتمته بداخلها لسنوات دون أن تشعر بما تقوله، ولكنها لم تهتم فقد طفح كيلها من اهانته المتكررة ناحيتها وبطلبه هذا الأخير قد فتح أبواب جهنم لها.
” ماذا… أيريد أن أكون مهرجته وطوع بنانه؟!… بأن أكون حاضرة بدوام كامل لأسري عن ضيقه هو وزوجته المصون؟! “..
لم تشعر بدموعها المنسكبة على خدها تحرق بشرتها الصافية بدموع تبكي حبها الضائع، بحب لم ولن يكون لها سوى بخيالها، وأحلام نسجتها برأسها الغبي الذي يَتَطلع للأعلى…
” أم يريد طباخة وزوجته لا تستطيع أن تفسد طلاء أظافرها، وليس هناك طريقة سوى الزواج مني لأكون متوفرة لخدمتهم!! “.
اقتربت منها دون أن تشعر بذلك وأمسكت بذراعها تهزها دون إرادة.
” أتحبينه أكثر مني لدرجة أنه لا يهم طلبه الحقير!!…. أتحبينه لدرجة لا يهمك من أنه يسخر مني ويمني علي بالشفقة!!…. قولي… تحدثي!! “…..
هزتها بعيون غشتها دموع القهر، ولوعة القلب الذي تشعر به يتفتت وينصهر بنار حارقة ملتهبة كحمم بركانية سرت فوقه لتحوله لرماد.
يد قوية أبعدتها ودفعتها عن الجدة التي وقفت بهدوء تنظر للانفجار الذي حدث أمامها، أغمضت عينيها بألم وحسرة لابنتها التي كانت تكتم بداخلها حزن لحب رجل اختار غيرها لتكون له زوجة، وهي كانت بالنسبة له ابنة العم الطفلة الصغيرة.
أبعدت محمد عنها واقتربت من حفيدتها ورفعت ذراعها تدعوها إلى أحضانها التي آوتها منذ الصغر ولن تبخل عليها الآن بوقت حاجتها.
شاهدت دعوتها فأغرورقت عيونها بدموع أحرقت قلبها الملتاع بطلب كانت لطارت من الفرح من أجله، لصرخت بصوت عالي لتخبر الجميع عن سعادتها لحصولها على حب حياتها لو كانت الأولى بحياته.. وبقلبه، لكنها كانت الثانية وكم تكره الرقم الثاني…
اندفعت لأحضان جدتها وأدخلت جسدها بين ذراعيها تبحث عن أمانها وحب تعرف بأنه لن ينقطع من هذا الحضن وبكت… عشق أضعفها، وحب قتلها، ووله تملكها بعيون طاقت لصاحبها وقلب أطرق لصوته.
وقف محمد بعيدا ينظر إلى شقيقته الباكية، لم يعرف ماذا يقول من هول ما سمعه…لم يدرك من قبل بأنها تحب سلطان وأنه دائم السخرية منها!!… كانت تحمل الكثير بداخلها ولم يشعر به أحد، وكان طلب سلطان
( كالشعرة التي قسمت ظهر البعير )
وأخرجت كل ما تكتمه، وسأل نفسه بحقيقة كانت غائبة عن الجميع…لما طلبها الآن ولما لم يطلبها من قبل؟!… هل ما قالته شقيقته صحيح عن أنه يشفق عليها؟!
اشتعلت نار الغيرة بداخله وتوهجت الحمية على عائلته…شقيقته الوحيدة…فأبدا لن يسمح لأي مخلوق بأن يشمت بشقيقته، فهي كنز لن يعرف قيمته أحد.