لمحتها عيناه تقف بعيدة، تنظر إليهم بابتسامة مشرقة، تأملها من طرف عينيه بلباسها المحتشم والواسع ( مخور ذات نقوش ملونه بحسب لون القماش الذي ترتديه بلون أخضر ممزوج مع اللون الأبيض بورود صغيرة ) وشيلتها تزين رأسها مربوطة بإحكام كي لا تفلت ويظهر شلال شعرها الأسود الطويل والناعم كما يحبه أن يكون عندما شاهده بالصدفة.. فبغير صدفة يستحيل أن يراه!!
أشاح بعينيه بعيدا كي لا يكتشف أحدهم تأمله لها، لكنه كان متأخرا.
تقدمت مريم تقطع وصلة ضحكهم، سلمت على ابن عمها ثم وضعت صحون الإفطار بما تحتويه من كل ما لذ وطاب من المأكولات الشعبية. ساعدتها الخادمة بإحضار باقي الفطور ليسيل لعاب الجالسين وتصدر معدتهم أصوات تدل على عدم تمكنها من الانتظار، نظر بإعجاب لما يراه، أصناف بأشكال وألوان تنادي بأكلها مغمض العينين تعرف دون أن تتذوق بأنها لذيذة.
باشروا بتناول الطعام وجلست هي بجانب جدتها وأخذت تأكل بخجل من وجود ابن عمها، فتناولت القليل مما أمامها، رفعت عينيها تنظر إليه عندما بدأ بإبداء إعجابه بطعامها فهذه لم تكن المرة الأولى التي يتناول طعامه في منزل جدته فهو يحاول قدر الإمكان أن يأتي ليتناول ما تعده مريم من وجبات فهي فاقت الشيفات بالطبخ، رفع نظراته إليها فتشابكت عينيهما واتسعت شفتيه بابتسامة وقحة بمن أمسك بالجرم، فقالت بصوت هامس:
” شكرا يا ابن العم “.
أشاحت بوجهها مرتبكة من اتساع ابتسامته، فاحمرت وجنتيها بحمرة الخجل ولعنت نفسها لتحديقها فيه.
انسحبت ابتسامته فجأة وظل يحدق بملامحها البريئة وتأمل تألق وجهها، بتخضب وجنتيها وخجل فطري ولدت عليه النساء، أخفض رأسه مجبرا نفسه بأن يتوقف عما يفعله!!
بحق السماء إنها مريم، مريم التي تشاكسها وتسخر منها وتنتظرها لترى ردة فعلها، تتركها تتغلب عليك بل تفوز عليك وبجدارة!! هي الوحيدة القادرة على هزمك!! إنها مريم ابنة العم الصغيرة.
اختلس نظراته نحوها وتجولت عليها فازدرد ريقه بصعوبة وهمس لنفسه:
” لا هي لم تعد صغيرة، لقد أصبحت شابة وكبيرة، والرجال يتهافتون لخطبتها “.
نهض واقفا وهو يردد:
” الحمد الله، نعمة دائمة إن شاء الله “.
” لم تأكل شيء يا بني؟ “.
” جدتي!! لقد أكلت نصف الطعام وذلك المفجوع أكل النصف الآخر “
غص محمد بطعامه وسعل فناولته مريم الماء وهي تمسد ظهره بحنان وأمومة وتسمي عليه، تسمر سلطان بمكانه واقشعر جسده بلذة غريبة وعيونه تتابع يدها ترتفع وتنزل بنعومة ورقه على ظهر شقيقها, شعر بيدها البيضاء على جلده الأسمر تتحرك وأنفاسها المشتعلة قريبة من وجهه وعيونها تنظر إليه بحب.
اجترح أنفاسا عميقة يسحبها كما يسحب تلك العواطف التي هزت كيانه، وصورة له ولها بين أحضانه أشعلت جسده بنار حارقة رغبها وبنفس اللحظة أخافته.
تراجع للخلف ومشى بخطوات سريعة ليدلف للحمام ويغلق الباب خلفه يتنفس بصعوبة.
رفع رأسه وطالعته صورته المنعكسة في المرآة، عيون عاصفة بالمشاعر، ورغبة عنيفة هزت جسده، أزاح الحمدانية من على رأسه ورماها فوق الطاولة وفتح صنبور الماء البارد وأدخل رأسه لتهدئ من ارتعاشه جسمه الراغب بطفلة!!
” إنها طفله يا سلطان!! ماذا دهاك لترغب فيها إنها فـ 19 فقط؟! “.
نهر صورته المنعكسة بالمرآة بعجز، ودون إرادة انخفضت أنظاره ناحية الخاتم المتوسد اصبعه فأغمض عينيه.
استأذن سلطان وخرج من منزل الجدة بعد أن جلس معها لوحدهما لدقائق، واستقل سيارته شاردا محدقا للأمام دون أن يرى ما أمام ناظريه، فعقله سرح بكلماتها القوية التي بزقتها دون تردد كما شخصيتها الفذة التي دائما ما تبهره وتفاجئه بأشياء لا تخطر على بال، فتذكر الحديث الذي دار بينها وبين أخيها فبعد أن خرج من الحمام أراد أن يودع جدته ويرحل فبقائه معها بنفس المكان وبأفكاره المجنونة خشي أن يرتكب حماقة ما، لكن كلمات محمد أجلسته وجعلته ينصت لما سيقال ولا ينكر بأن كلماتها أراحته، فصورتها مع رجل آخر تقتله وتجعله يشعر بالرغبة بالقتل!!
محمد:
” أختي حبيبتي أنت لن تتخلي عني بعد زواجك، أليس كذلك؟ “.
” ما هذا الكلام يا محمد؟ “.
نهرته الجدة.
” ما أقوله صحيح يا أمي، فالفتاة ما أن تتزوج تنسى عائلتها، ويغدوا زوجها هو عالمها، وتأتي فقط مرة كل شهر “.
” من قال لك هذا؟ “.
سألته مريم متعجبة من حديثه.
” أنا لست بغبي ولست بطفل فأنا أرى وأشاهد وأسمع…”.
قاطعته مريم بإمساكه يده ونظرت إليه بنظرات قوية ومصممة.
” أنا لن أتخلى عنك يا محمد أبدا، حتى لو تزوجت فلن يمنعني أحد من زيارتي لك وثانيا…”.
تركت يده ورفعت رأسها بشموخ وثقة تألقت بوجهها، وقالت:
” أنا لن أتزوج أبدا “.
” مريم!! “.
قالتها الجدة بصدمة، التفتت نحوها وقالت بجرأة اعتادتها الجدة وعيونها تتألق بتصميم:
” نعم جدتي، فلا رغبة لي بالزواج في الوقت الحالي “.
تنهدت الجدة براحة ولم تدعها تكملها، لتنظر إليها عاجزة أمام رغبتها.
” فأنا أمامي مستقبل أفكر فيه والزواج ليس من ضمنها، دراستي أهم بكثير من رجل يتحكم بحياتي وبمصيري، وربما يدمر مستقبلي “.
شاهدت فم الجدة يتحرك بالرفض فبادرتها:
” هذا قراري النهائي ولا رجعة فيه!! “.
نهضت من مكانها ودخلت للداخل، وتطلع الجميع ناحيتها منهم بإعجاب ومنهم بخوف من حياة تخشى الرحيل عنها، تاركتا خلفها فتاة وحيدة تكون عرضة للذئاب التي تنتظر الفتاك بها.
وصل لمنزل عائلته وترجل منها ودخل للمنزل ونادى بصوت عالي لينبه الجميع بدخوله، لأن اثنين من أشقائه المتزوجون يسكنون بنفس المنزل مع زوجاتهم وأطفالهم، كانت تلك هي رغبته أيضا بعدم الابتعاد من منزل العائلة، لكن والدته من ألحت عليه بالسكن هو وزوجته لوحدهما كي ينعما بالراحة دون أي إزعاج، رفض في البداية لكنها أصرت وغضبت منه، فهذه ابنة أختها وترغب لها بالراحة فرضخ لأمرها مجبرا.
سلم على الجميع وعانق والديه وطبع قبلة على رؤوسهم، وجلس يشرب القهوة، أرادت والدته إحضار الافطار له، لكنه رفض وأخبرها بأنه قد أكل عند جدته وبعدها سألته عن زوجته، فابتسم بتهكم وقال:
” عند والدتها أين ستكون!! “.
” كيف حال والدتي؟ “.
سأله الأب مغيرا الحديث عندما شاهد زوجته على وشك قول شيء ما.
” إنها بخير أبي، لا تخشى شيئا، تعرف أن مريم لن تغفل عن صحتها “.
” نعم أعرف، فمريم فتاة يعتمد عليها “.
هز سلطان رأسه موافقا
” هل سمعت بما حدث بالأمس مع النساء؟ “.
” نعم، أخبرتني الجدة بما حصل “.
قالت الأم غاضبة:
” هم لا يستحقون مريم، وما فعلته والدة الفتى شيئا لا يصدق أبدا، لكن ما يفرح بالموضوع هو ما قالته مريم لهم ليصعقوا ويرحلوا وهم صاغرين “.
فتذكرت ما حدث بالتفصيل….
عندما دخلت مريم بأناقة بجلابيتها الزيتونية الواسعة المطرزة بألوان ذهبية وفضية وترتدي ( شيلتها ) السوداء مطرزة من الأمام بلون ذهبي، ووجهها صافي وخالي من مساحيق التجميل، فقط عينيها هي من تجملت بكحل عربي أعطى لوجهها حدة ورونقا وفتنة ( كانت جميلة ), ووضعت القليل من ملمع الشفاه.
سلمت على الحضور وجلست بجانب جدتها، فشاهدت الامتعاض على وجه والدة العريس ما أن رأتها، فعلمت بأنها لم تعجبها.
حزنت عليها فهم يرون شكلها ولا يرون أخلاقها وطيبتها، ففاجأتهم المرأة بقولها فهي لم تنتظر لليوم التالي لتقول رأيها بل قالته بوجههم وبصراحة.
بأن مريم سمينة جدا، وهي تريد لابنها الطبيب فتاة جميلة ورشيقة تناسب مكانته العالية ووضعه كطبيب مشهور بالجراحة، ومريم لا تتوافق بها هذه الشروط.
بهت الجميع من صراحتها إلا مريم التي ظلت تنظر إليها بسخرية، واشترطت عليها إن كانت تريد الزواج من ولدها أن تخفف من وزنها
فوقفت ونظرت إليها من عليائها وبشموخ لم تره قط سوى في تلك الفتاة الصغيرة
” وأنا ولدك لا يشرفني الزواج به، ولا يشرفني أن أمتنع عن اسم عائلتي لأحمل اسم غير ذي شأن مثل عائلتكم المتواضعة، فأنا لم أسمع بحياتي كلها عن اسم قبيلتكم “.
” كيف….”.
رفعت كفها بعلامة الصمت وأكملت:
” أنتم من أتيتم لتسعوا لضم اسمكم لاسم عائلتي العريق، وأنا أرفض أن يزحف شخص غريب ويلوث اسم قبيلتي “.
ثم رحلت وتركتهم يتلظون بنار حارقة من كلامها الساحق والحقيقي، حملوا أنفسهم وغادروا.
عادت لحاضرها وهي تنظر لأولادها وتمنت لو كان لديها ولد آخر ما كانت ستختار له سوى مريم زوجة له.
غادر منزل عائلته متوجها لمنزله بعد أن أمسكت به والدته وأمرته بالبقاء ليتغدى معهم، فلم تكن لديه فرصة للرفض.
دخل منزله فأستقبله جسد ناعم الملمس تفوح منه أرقى العطور وكلمات قيلت بدلال وغنج لا تصدر سوى منها هي، نظر إليها للحظات ليحملها بذراعيه القويتين وسار بها لغرفته ليغلق الباب خلفه.