رواية عديل الروح الفصل السابع 7 بقلم الكاتبة ام حمدة – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

*****************

حل اليوم المنشود الذي انتظرته لسنوات تجني فيه ثمار مجهودها وسهرها لنيل درجات العلم التي كانت تصبوا لها كما وعدت والدها منذ زمن, بأن تجتهد بدراستها وأن تنال أعلى الدرجات وأن ترفع رأس عائلتهم عاليا وبفخر.
جلست جدتها بمكانها المعتاد وبجانبها مذياعها تضعه على تردد ( إمارات اف ام ) تنتظر من خلاله سماع اسم ابنتها لإعلان نتيجة حصولها على شهادتها في الثانوية العامة، ومحمد يجلس بجانبها ينتظر هو الآخر بشوق لسماع نسبتها، أما هي فكانت بالمطبخ تعد أشهى المأكولات وألذها، وعلى ثغرها ابتسامه مطمئنة فهي اجتهدت وثابرت وقامت بما عليها فعله ووكلت أمرها لله تعالى، وما ستكون عليه نتيجتها هي راضية بها.
أصوات محببة على قلبها وصلت لمسامعها أعمامها وزوجاتهم جاءوا ليشاركوها فرحتها، همست بشكر لله بأنه سخر لها أعماما لم يتخلوا عنهما بل ظلوا بجانبهما كما عاهدوها.
دخل محمد كما الصاروخ واتجه بسرعة ناحية أحد الصحون ليستل منها قطعة من البيتزا الصغيرة ويلتهمها دفعة واحدة وهمهم بكلمات غير مفهومة.
لتهز رأسها بأنه لا فائدة ترجى منه فهو أمام الطعام ينسى ما طلب منه، واصلت عملها دون أن تلتفت ناحيته تجهز صواني الطعام، فهي تشعر بأن جميع عائلتها ستكون متواجدة بهذا اليوم، لهذا باشرت منذ صلاة الفجر بإعداد وجبات خفيفة ترحب بهم
انتهت من رص الطعام بالصواني ثم رفعت عيناها لشقيقها الجالس على كرسي وعلى ذراعيه صحن ممتلئ بأصناف متنوعة.
” هل جاء الجميع؟؟ “.
ابتلع لقمته وقال وهو يحمل أخرى ينوي التهامها:
” لقد أخبرتك بأنهم قد وصلوا ويريدون رؤيتك؟؟ “.
هزت رأسها مرة أخرى والتفتت منادية الخادمة لتقدم الطعام لعائلتها، خرجت هي أيضا محملة بكل ما لذ وطاب وتحركت ناحية غرفة الجلوس التي تتصاعد منها الأصوات السعيدة والفرحة بهذا التجمع.
ألقت التحية ثم وضعت ما بيدها وأخذت تسلم على الجميع.
أعمامها مع زوجاتهم وبناتهم جاءوا ليستمتعوا بهذا الجمع السعيد، مرت ساعات وبعدها عم المكان الهدوء والصمت، يصغون بانتباه لصوت المذياع ( فبالسابق كانت نتائج نسب الثانوية العامة تذاع بالمذياع وبعدها بسنوات أصدر مدير وزارة التربية والتعليم بأن تنشر الأسماء بالجرائد و الإنترنيت )
بدأ المذيع بالتحية والتبريكات مقدمة للناجحين وبعدها بدأ بإعلان الأسماء…
ليضج المنزل بالصراخ والصفير والتهليل والصراخ باسمها، فقد كانت أول اسم ينطقه المقدم لنجاحها على مستوى الدولة كلها، فهي الوحيدة الحاصلة على نسبة عالية جدا من بين جميع المدارس.
هطلت الدموع، وعلت الزغاريد المكان، وبدأت الأحضان وهي جامدة تنتقل من حضن لآخر دون أن تشعر بما يقال لها، إلى أن وصلت لمكان جدتها ووقفت أمامها تنظر إليها وجدتها تتأملها بسعادة ووجهها يحمل أكبر ابتسامة رأتها بحياتها وهنا لم تستطع كتمانها، عاد إليها شعورها فتركتها تنهمر بكل أريحية لتنزل بغزارة.
رفعت الجدة ذراعيها تناديها لتنطلق غارسة نفسها بين أحضانها باكية شاكية فراقهما، مشتاقة لرؤيتهما، لترى سعادتهما لنجاحها, أرادت أن ترى نظرة الفخر بعينيه كما قال، أرادت.. وأرادت ولكن ( ليس كل ما يتمناه المرؤ يدركه )
عانقتها الجدة بقوة أدخلتها بين حنايا أضلاعها، تعرفها وتعرف ما تريده, فهي ابنتها هي ابنة الغالي مهما كابرت وعاندت وأخفت، تعرف ما بداخلها.
أفاضت من دموع حزنها على صدر جدتها تبكيهم، شعرت بذراع قوية تحيط بها فرفعت عيناها الغارقتان ببركة من الدموع لترى خلفهما شقيقها المبتسم بابتسامة حزينة، حركت رأسها ناحية جدتها وشاهدت نفس الابتسامة وحدثت نفسها قائلة:
” لا.. لست وحيدة، معي عائلتي تشهد نجاحاتي “.
مسحت دموعها لتضحك بصوت أجش وقالت:
” أعتذر.. لم أستطع السيطرة على دموعي، كم أنا غبية “.
اقترب شقيقها ومسح دموعها الباقية وقال ليبعد الجو الحزين:
” نعم أنت محقة، أنت غبية، تبكين لأنك نجحت بتفوق!! ماذا إن رسبت هل ستضحكين؟؟ “.
قهقه الجميع من كلمات محمد فاستطاع بروحه المرحة أن يبعد الحزن من عينيها. عاد الجو السعيد والجميع يهنئ ويبارك وتلقت هي مكالمات من صديقاتها يباركن لها نجاحها وتفوقها.
لحظات وسمعت صوته الرخيم مسلما على الجميع، لتتجمد لثواني ثم التفتت ناحيته وسرحت بملامحه مشتاقة، فهي لم تره منذ يومان وكان هذا شيء غريب من ناحيته، فزيارته لهم يومية ولم تنقطع أبدا.
تأملت ملامحه الوسيمة بلحيته، وأنفه، وعيونه الحادة والآسرة، والتي تحدق بها تكاد تخترقها، لم تستطع أن تبعد أنظارها عنه كأن جاذبية من الموجات المغناطيسية تجذبها ناحيته، لم يكسر هذا التلاحم سوى اتساع ابتسامته التي انزوت بأطراف شفتيه بمكر، لترتد مخفضة رأسها بخجل ولاعنة نفسها لانجرافها بمطالعته.
توتر لاحظه بارتجاف يدها التي كانت تعدل ( شيلتها ) التي لم تحتج لتثبيتها، وعيونها تتحرك على الجميع دونه، أعجبه توترها وأحب لونه المفضل على وجنتيها، شعر بطرقات بين جنباته وعيونه لم تحد عنها، شاهد هروبها ورغبتها بالخروج من تحديقه لها، فلم يرد أن تنتهي لعبة المطاردة فاستوقفها قائلا:
” مبروك يا ابنة العم “.
توقفت بمكانها وشاهد شفتيها تتحركان كأنها تلعن نفسها بأنها لم تسرع بالخروج، ليبتسم وتظهر أسنانه البيضاء.
استدارت بعد أن أخذت نفسا عميقا ورفعت رأسها وصوبت نظراتها ناحية صدره تنظر للقلم الذهبي، وقالت:
” الله يبارك فيك يا ابن العم “.
وبعدها صمت… لترغب أذنيه بالمزيد من صوتها الرنان فقال مشاكسا لها:
” ماذا!! هل أعجبك قلمي لدرجة أنك لم تستطيعي إبعاد أنظارك عنه؟؟ “.
رفعت عيناها مصدومة من سؤاله، ورأت حاجبيه يرتفعان وابتسامته الخبيثة تتألق بوجهه يخبرها بأنه بدأ المعركة وأنه الفائز هنا، شعرت بروح المنافسة تجري بأوردتها أبدا لن تجعله يفوز عليها.
ابتسمت هي الأخرى وقالت باستهزاء:
” في الحقيقة يا ابن العم لم يعجبني قلمك فهو يبدوا رخيص الثمن!! “.
حك لحيته بأصابعه وهو يفكر ثم قال:
” في الحقيقة لا أعرف كم هي قيمته!!.. لكنه بالنسبة لي هو غالي الثمن لأنه هدية من والدي “.
توسعت عيناها بفزع ودارت حولها لتتوقف على عمها الذي كان يجلس ويبتسم لما يراه أمامه من أحداث، فلطالما تمتع بمعارك هذين الاثنين وبداخله كانت رغبة وحيدة بأن يحققها، لكن للقدر تصاريف أخرى.
اتسعت عيناها بادراك بأنهم ليسوا لوحدهم فهناك جمهور ينظر إليهم بحبور وينتظر بلهفة من هو الفائز بهذا التحدي، نسيتهم بخضم حربها الدائرة معه، فمعه هو بالذات تنسى نفسها.
أخفضت عينيها بخجل لما قالته فتحدثت موجه كلامها لعمها بتوتر ظهر جليا بكلماتها:
” أنا… أنا.. لم أعرف..أقصد أنا….”.
رج المنزل بقهقهات الجميع وصراخ باسم سلطان يعلن بأنه الفائز.
تراجعت للخلف راغبة بالاختفاء عن أعين الجميع وخصوصا هو، فقد استطاع الانتصار عليها بهذه الجولة وقبل أن تخرج استوقفها قائلا:
” ألا تريدين فتح هدية نجاحك؟؟ “.
التفتت إليه غير مصدقة ما يقوله فقالت متفاجئة:
” هدية!! أنت أحضرت لي هدية؟؟ “.
” في الحقيقة الجميع ساهم فيها، وأنا قمت باختيارها “.
طغى عليها طوفان جارف من المشاعر الجميلة وإحساس بأنها ليست يتيمة، نظرت للجميع واحدا واحدا وعيونها تماوجت بدموع السعادة وابتسامة صغيرة زارت شفتيها توجهت أنظارها لشقيقها يحدثها بعيون ضيقة:
” أنت لن تبكي صحيح!! “.
ضحكت بخفوت وهزت رأسها بنفي، رفرفت برموشها الكثيفة تبعد دموعها.
لا تريده أن يراها ضعيفة مهزوزة، استرقت ناحيته نظرة لترى عيونه الحنونة موجهة ناحيتها، فارتبكت وأخذت تمسد ملابسها بتوتر، رحم حالها فقال بصوت يعصف دفئا وحنانا:
” ألا تريدين مشاهدتها؟؟ “.
فاستبقه والده محدثا إياها:
” تعالي يا ابنتي للخارج لتري هديتك “.
عقدت حاجبيها بعدم فهم ولكنها انقادت خلفه متسائلة عن الهدية التي تركت بالخارج؟!!.
خرج الجميع أيضا ليشاهدوا الهدية فهم لا يعرفون ما هي سوى بأن الجميع اشتركوا بهدية من أجل مريم.
تعالى التصفيق بينهم وكلمات الإعجاب انطلقت بينهم ووقفت هي تنظر لهديتها
{ سيارة من نوع رينج روفر سوداء } كما تمنت أن تكون سيارتها.
وقفت مذهولة…كيف علموا برغبتها وأمنيتها؟؟.
التفتت دون إرادة ناحيته بعيون غشيتها المشاعر وتساؤل؟! تشابكت عيونهما وتألقت بنظرات غريبة ارتجفت أجسادهما على أثرها، فأشاح كل منهما برأسه خوفا من أن يلاحظ ويشاهد ما بداخلهما فتنكشف أرواحهم وتتعرى دواخلهم.
اقترب محمد من سلطان سعيدا وفرحا للسيارة ففرد كفه ناحيته وحرك أصابعه للأمام والخلف، لم يفهم سلطان ما يريده فتحدث معه وخرج صوته صلبا كما أراد:
” ماذا تريد محمد؟؟ “.
رفع حاجبيه للأعلى والأسفل بحركة مستفزة وهو يقول:
” مفاتيح السيارة “.
ضرب سلطان يد محمد وأبعدها من أمامه ليقول ساخرا منه:
” ولكنك لست بصاحب السيارة!! “.
تحرك متقدما ناحيتها وعيونه الحادة تحدق بها تخترقها فتحرقها، وتشلها عن الحركة والابتعاد، لتتصلب بمكانها تنتظره، فيخفق قلبها ويقفز قفزاته المشهورة عند رؤيته، توقف على مسافة قريبة منها لتلفحها رائحة عطره القوية وتتسلل لرئتيها تتنفس رائحته وتخزنها بداخلها، اقشعر جلدها لقربه منها وللحرارة التي شعرت بها تضرب ببشرتها مخترقا قماشها الحريري.
ابتلعت لعابها ومازالت عيناها تناظره تغوص بأعماقه وتبحر بسحرها، وصلها صوته الأجش ليصيب قلبها بمقتل.
” أعطني يدك!! “.
فتحت كفها دون إرادة ومدتها ناحيته ليكسر نظراته ليتطلع لمدى بياض بشرتها، مد يده لجيب دشداشته وأخرج المفاتيح ووضعها على كفها فتلامست أصابعهما وسرت كهرباء قوية على كامل جسدها، فتراجعت للخلف مصعوقة لهذا التلامس، أما هو فلم تكن هذه المرة الأولى التي يشعر فيها بهذه الصاعقة، يتذكر ذلك اليوم الذي وقعت فيه مريضة وحملها بين ذراعيه، سرت أمواج من الكهرباء ارتج له جسده على أثرها، فشعر بقلبه يطرق بشدة يكاد يخرج من بين أضلاعه، شعر بشيء غريب يسري بأحشائه لم يعرفه من قبل، فسافر في بحر ذاكرته يتصفح الصورة المطبوعة بأعماق رأسه، كان منجذبا لتلك الأنثى القابعة بين يديه جميلة بل رائعة الجمال بشعرها الأسود كسواد الليل بغرتها المتساقطة على جبهتها بكثافة، وعيونها!! آه من عيونها الكحيلة التي سلبت النوم من عينيه، كانت بلون أسود أظهر مدى اتساع عينيها، وثغرها الوردي الممتلئ، ازدرد ريقه بصعوبة وهو يعود لواقعه وعيناه تتابعها متجهة ناحية أعمامها تهرب منه لأحضانهم، سعادة كبيرة زلزلت روحه من أن تلك الحديدية تمتلك مشاعر ناحيته.
احتضنت كل واحد منهم وهمست لهم بشكر لهذه الهدية الثمينة وبقي هو، فحرك شفتيه ناحيتها بغفلة من الجميع الذي انشغل برؤية السيارة.
” ماذا عن شكري أنا؟؟ “.
جحظت عيناها للخارج من كلامه الجريء وطلبه منها بأن تشكره كما الجميع، هزت رأسها دون إرادة منها بالرفض لما يطلبه، فاتسعت ابتسامته بادراك لما فهمته من طلبه لم يعتقد بأنها ستسيئ الفهم، بأنه يريد أن تحتضنه وتقبله كما فعلت معهم، لا ينكر بأنه تمنى هذا بداخله لكن هذا من سابع المستحيلات.
عاد الجميع لمنازلهم سعداء مسرورين على أمل اللقاء بالحفل الذي سيقام على شرف نجاح مريم بنسبة عالية على جميع إمارات الدولة.

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  مدونة كامو - رواية ثمن أخطائي الفصل الرابع 4 بقلم آلاء محمد حجازي - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top