وبعيد عن الصخب والفرح، كانت هناك تجلس على كرسيها الهزاز، تغوص بعالم آخر، لا تصدق ما حصل اليوم، كأنها تتابع أحد المسلسلات التركية التي تتابعها بين الحين والآخر في وقت فراغها، بالرغم أنها لا تعجبها للمبالغة التي تأخذها مجريات الأحداث، إلا أنها تتابعها لتوافدها بعدة قنوات تلفزيونية، لكنها الآن تشعر بنفسها بأنها تعيش أجواء تلك المسلسلات، لا تصدق بأنه استطاع الفوز والانتصار عليها!!..
كيف حدث هذا؟!!…. كانت قد شارفت على الفوز عليه، لم يتبقى الكثير لتصل لخط النهاية وتكون نهاية تحقيق حلمها بابتعاده عنها للأبد .
شاهدت أمانيها تنتظرها هناك، تقف عند خط النهاية، أحلامها، أشواقها، حبها وقلبها، يقفون وينظرون إليها بترقب، فسعادتها مرتبطة بخسارتها لهذا السباق، لكن كبريائها، قناعاتها، تقف بوجهها وتأمرها بالعدو بأقصى سرعة وتخطي خط النهاية.
عادت من رحلة الرثاء وتنهدت بضيق، لا تصدق بأنها خسرت السباق، واستطاع تخطيها، كان الفارق بينهما صغيرا جدا، لا تعرف كيف استطاع اللحاق بها بعد أن كانت متقدمة عنه، حسنا هذا لا يهم بعد الآن، فهي أصبحت زوجته، هو أصبح ينتمي إليها كما تمنت دوما.
ترقرقت الدموع بعينيها، فأسدلت رموشها تمنعها من أن تنسكب فخذلتها دمعة واحدة، تبكي تلك السعادة المتغلغلة بقيود تحبسها، ترغمها على عدم تذوق لذة تحقيق الأمنيات.
أجل اكتمل حلمها لكن كان مبتورا، فاقد لذلك الشعور الجميل، الذي وجب أن تشعر به كل عروس ارتبطت بفارس أحلامها، وتساءلت…لما لا تشعر بالفرح؟!! لما لا تشعر بالإثارة لزواجها من حبيب قلبها؟!!… لما تشعر بسعادتها منقوصة كأن أحدهم قد سلبها بهجتها؟!! لما…لما؟!!
ضربت مسند كرسيها بيأس، وعضت على شفتيها بقهر، وزفرت بغصة علقت ببلعومها، نعم.. هي تعلم عن ذلك الجدار الذي يقف حاجز بينها وبين وصولها لترتقي سلم الفرح، بل هناك الكثير من الحواجز التي تمنعها من الشعور بهذا اليوم الجميل .
تنهدت بضيق، وارْتَدْت عيناها تطالع الطبيعة الخلابة التي زرعتها بيديها بعيون غائمة، بأحاسيس متضاربة تموج بها من جانب لآخر، لا تعرف كيف ترسي سفينتها على بر الأمان؟؟
طرقات الباب أخرست عقلها الملتاع، لم ترد سماع التهاني لزواجها، لا تريد رؤية أي شخص، تريد البقاء لوحدها تنعي ما ستؤول لها حياتها معه.
ارتجف جسدها بالرغم منها بالترقب للعيش معه، وهنا جحظت عيناها تكاد تخرج من محجرها، هي ستعيش معه تحت سقف واحد، وتجمعهما غرفة واحدة!!.
قشعريرة غريبة سرت بأوردتها لتحتضن جسدها بذراعيها كأنها تحميه من الطوفان الذي سيجرفها بدهاليز لن تستطيع الخروج منه ما أن تختبر تلك المشاعر والعواطف التي سمعت عنها، فكيف إذا خاضتها مع من تحبه، ستكون نهايتها، ولن تستطيع البعد عنه ما أن تغوص ببحور عشقهما.
ثارت أنفاسها لجنوح أفكارها، وهزت رأسها تنفض ما يعتملها من أحاسيس، وكرهت نفسها لأنها بالرغم من حزنها لطريقة زواجها منه، إلا أنها تتوق لاختبار مشاعرها معه كزوجين .
طرقة أخرى للباب ثم فتح، فصرخت دون أن تعلم عن ضيفها:
” ألم أقل بأنني لا أريد رؤية أي أحد؟؟ “.
” لكني لست أي شخص!!”
حركت رأسها بقوة ناحية الصوت الجهوري الذي اقتحم خلوتها ليبدد أحلامها ويحولها لواقع ملموس أمامها، كأنه يخبرها بأنه سيكون معها أينما كانت!!
تقابلت النظرات وتاهت الأفكار، وغرقت العيون ببحر لهيبها، مشاعر طفقت بالهواء محملة بذرات من الحب والاشتياق، ناجت القلوب بقرب اتحاد نبضات خافقها، وحلقت العواطف تلفهم بسحابة من الأحاسيس التي أجاشت بكيانهم وألهبت مشاعرهم.
تأملها بنظرات مختلفة، مشتعلة، تواقة لأنثى رغبها دائما وحلم بامتلاكها، هي له، ملكه، خاصته، لم يسبقه رجل قبله.
تقافزت نبضات قلبه تعلن عدم قدرتها للسيطرة على نفسها، وهاجت أنفاسه بزوابع ساخنة، ارتجف جسده بسلسلة من الإثارة، وثارت دماءه كبركان هائج.
تلك هي أنثاه تقف بجمالها الخلاب الذي كان غافلا عنه بالماضي، بالرغم من تحولها وتغيرها إلا أن بداخلها تظل هي مريم القديمة التي لم ولن تتغير أبدا.
تأملتها عسليتاه بشبق، بشعرها الأسود الطويل المنسدل بكل أريحية على ظهرها وأكتافها، ووجهها متوهج بحمرة خجل أو غضب لا يهم زادته جمالا، أخفض عيناه لملابسها لم تختلف عن ملابسها القديمة سوى بأنها صارت أضيق، صار جسدها منبع للهلاك، بصدرها النافر كجبلين شامخين، وخصرها النحيل الذي زاد جسدها فتنه، وأوراكها مدورة وممتلئة .
ازدرد ريقه وتحركت تفاحته، وغامت عيناه بنار تأججت بمقلتيه.
اقترب يهفو إليها، وطار يدنو منها، وهمس يرتجي حبها، رفع ذراعيه وأمسك كفيها الباردين ورفعهما ناحية شفتيه وقلبه ينتفض لتلك اللمسة، وعيناه لم تترك عينيها ولا للحظة، وضع شفتيه على بشرتها ليشعر بصاعقة تسري بأوردته تثير بخلاياه الجنون، فتأوه برغبة عارمة للمزيد منها…
رفع رأسه ليراها وهاله شكلها المثير عن قرب، عيونها التي تحولت ببريق أخاذ سلب عقله.
اقترب أكثر يبغي الاحتراق بين ثنايا جسدها، ترك كفيها وأحاط خصرها بتملك، أنفاسه تلهب وجهها، وعيونه تنطق بما يجيل بفكره لكنها لا تعرف ما يريد؟!! ولا تعرف ما يحدث لها؟!!…. يراها تتخبط بمشاعرها الجديدة بذهول، فهذه المرة الأولى التي تختبرها معه، يرى خجلها، يرى توترها، وتوقها له لكنها لا تعرف ما الذي عليها فعله؟!!
جنحت مشاعره لرؤية ما تجيش بها من أحاسيس وعواطف ناحيته هو فقط، هي تختبر عواطفها لأول مرة.
أغمض عينيه ما أن أخذها لأحضانه بإرادة مسلوبة، متعطش لدفء جسدها يعتصرها بذراعيه ولسان حاله يردد باسمها دون أن يشعر:
” مريم…مريم….مليكتي “.
شدد يحاول إدخالها لأضلاعه لتتخذ مقعدها هناك وتتربع بعرش قلبه، وهنا فقد كل سيطرته وأبعدها عنه بمقدار صغير…صغير جدا فقط، فقد عاهد نفسه بأن لا يبعدها عنه أبدا.
تطلعت عيناه لذلك الهاجس الذي صعقه بلحظة إدراك غفل عنه، ولا حقه بصحوه ومنامه ليراها بكل ركن وزاوية يتخيلها بين أحضانه وعلى فراشه….
خوف من أنها وهم ولكن هذه المرة كان حقيقة وليس بخيال، وليس من نسج أحلام اليقظة، فحرارة جسدها تخبره بوجودها، وارتعاش جسدها تنبهه بإحساسها، وعطر أنفاسها يضرب صفحة وجهه ليدرك الواقع بأنها بين يديه.
أسند جبهته لجبهتها ونطق بصوت أجش حمل نيران حارقة ورغبة عارمة يكبتها بأقصى ما يستطيع:
“نعم…نعم أنت حقيقة ولست بخيال “.
ليحيط وجهها بكفيه وينظر بعيون مظلمة لتلك الشفاه التي أرقت منامه وحيرة بكيف يكون مذاقها؟!
لم يعد يتيق الانتظار ليحط برحاله الذي دام العمر كله يبحث عن نبع مائه ليسقيه ويروي عطش السنين.
ارتوى من شهدها كأن لم يرتوي من قبل، انهل يرتشف رحيقها بشغف لم يختبره قط كأنه لم يكن مع امرأة من قبل وهي الأولى بحياته!!!
لم تعد تشعر بجسدها من قوة ذلك الطوفان الجارف الذي اخترقها بشدة، ولو لم يكن يمسك بها لوقعت عند قدميه.
كان يسحقها بشفتيه…لم تكن تتوقع أن تكون القبلة هكذا، لطالما تخيلت كيف تكون، وكيف ستشعر بها ولكن لم تصل بمقدار صغير بكيف ستشعلها وتحرقها كبركان انفجرت حممه؟!
تركها مجبرا فقط لحاجتها للهواء ونظر إليها بنظرات جريئة راغبة مشتعلة بآتون متفجر، كانت مغمضة العينين، صدرها يرتفع وينخفض من شدة عواطفها، وجهها محمر، وشفتيها….تنهد بحرارة وشوق ليعود ويقطف تلك الفراولة الشهية التي لن يشبع منها أبدا.
مال ناحيتها دون القدرة على مقاومة شفتيها المتورمتين من أثر قبلته الجامحة التي لم ترحم براءة شفتيها.
” سلطان!! “.
توقف على بضع انشات من ثغرها وأغمض عينيه بانتعاش، فأسند جبهته بجبهتها وأنفه بأنفها لتتمازج أنفاسهما وهمس بسعادة سماعه لاسم تاق ليسمعه من ثغرها:
” وأخيرا يا مريم…وأخيرا نطقت اسمي “.
ابتعدت عنه وناظرته بضياع اخترقها منذ فوزه عليها وبمطالبته بوعده، وما زاد بتشتتها أكثر قبلته التي اكتسحتها وأضاع البقية الباقية من عقلها.
وضعت كفيها على صدره بوهن وحاولت دفعه عنها فتركها بعد أن شاهد الفزع والإدراك لما حدث قبل قليل، يعلم بأنه فاجأها ولم يعطها المجال لتفكر أو تعترض فتركها وانتظر انفجار غضبها لما فعله ولكن يا للعجب لم تفعل، بل ابتعدت عنه واتجهت للنافذة تنظر إليها بعيون لا ترى، فجل تفكيرها ماذا الآن؟!!
التفتت إليه بعد فترة وفتحت ذراعيها على وسعهما وقالت متسائلة:
” ها قد تزوجتني ووفيت بعهدك، ماذا سيحدث الآن؟!! “.
ما أن هم بالحديث حتى قاطعته:
“لا أرجوك لا تقل شيء، فابن عمي دائما يفي بوعوده وها قد انتصرت علي وتزوجتني كما تريد أنت دون الالتفاف برغبات الباقيين، فهذا هو الأهم وكل ما يريده ابن العم يجب أن يتحقق مهما كان الثمن، حتى لو داس على كل من يقف أمامه!! “.
يستمع إليها دون أن يفقه ما تقوله وكأن موجة قد شوشت الرؤية أمامه وتساءل… أين ذهبت تلك الفتاة التي كانت تذوب بين ذراعيه قبل قليل؟!!
انزوت شفتيه بابتسامه متهكمة وهمس يحادث نفسه…
” بأنها قد طارت واختفت، وحلت مكانها المرأة الحديدية”.
فرد هامته الضخمة وتسلح بأسلحته فقد عادت ابنة عمه ورحلت تلك الفتاة، فعاهد نفسه بأن يعيد المرأة التي كانت بين يديه للحظات .
قاطع ذراعيه وقال ينوي إحراجها:
” يبدوا أن قبلتي لم تقم بمفعولها السحري سوى لدقائق، فقد عاد لسانك السليط لعمله المعتاد. لكن لا يهم، فأنا على استعداد تام لمعاودة الكرة كي أقوم بإخراس لسانك وهذه المرة لفترة أطول!! “.
شهقت بصوت عالي ووضعت أصابعها على شفتيها كأنها تحميها من أي هجوم ينوي مباغتة عليها، واحمر وجهها خجلا وكادت أن تغرق بملابسها.
قهقه بصوت عالي على ارتباكها ورغبتها ربما بقتله والتخلص منه، وتحرك من مكانه وجلس على كرسيها الهزاز محتلا مكانها المفضل وتطلع إليها وهو يتأرجح للخلف والأمام وعلى شفتيه بقايا ابتسامته.
أرادت ضربه ومسح تلك البسمة من على شفتيه الشهوانيتين التي قبلتهما للتو، لم تعرف مقدار روعة الإحساس بهما على شفتيها…أرادت المزيد، أرادت أن يجتاحها من جديد، أن يأخذها لعوالم أخرى تكون لهما وحدهما دون أن يشاركهما أي مخلوق، وعندما وصلت لكلمة المشاركة كأنها توقظها من أحلامها المستحيلة، فهو ليس بوحيد!!… فهناك أخرى ستشاركها بزوجها!!
تأملها بشغف وهو يطالع وجهها المفضوح بأفكارها، فقال يقاطع هواجسها ومخاوفها:
” أنا زوجك يا مريم حتى لو كانت تشاركك أخرى، فما أن أكون معك سأكون لك وحدك فقط كأن ليس بيننا أحد، فلا تخشي شيء فأنا لن أنقص بحقك، وسألبي كل ما تريدينه، وسيكون لكل واحدة منكن منزلها الخاص “.
وهنا شعر بأنه قد اخطأ بقول شيء ما أن شاهد ابتسامتها الساخرة، فانزوى حاجبيه بعقدة وتساءل….
” ما الأمر؟؟”
ولم تتأخر بإجابته؟!… فقالت تخرجه من حيرته:
” يا إلهي يا ابن العم!!… أنت غير معقول بالمرة، سأخبرك أين أخطأت بقولك، قلت بأنك ما أن تكون مع إحدى زوجاتك ستنسى الأخرى فكل همك تلك التي معك!!… لكن ماذا إن احتاجتك الأخرى بشيء ما؟!!…. ماذا إن أرادت شيء مهم وضروري؟!!…. هل تبحث عن شخص آخر ليساعدها؟!!… لأن ليس هذا بيومها، ولأنك غير متوفر من أجلها، وأنه عليها الانتظار ليكون دورها!! “.
هزت رأسها بغم وحزن وقالت وهي ترفع كتفيها بقلة حيلة:
” لا أعرف لما إصرارك على الزواج مني؟!…. هل أردت أن تريني بأنك قادر على فعل ما تريده؟!… أم أنك تشفق علي لعدم تقدم رجل للزواج مني!!… كما ترى لم يعد لشفقتك أي مكان، فأنا قد تغيرت وأستطيع الزواج من أي رجل كما باقي الفتيات “.
استمع إليها بذهول كيف حولت كلماته المطمئنة لحياتها معه إلى كلمات قاسية وغير مسئولة، ثم رفع حاجبه باندهاش وهمس لنفسه..
” عن أي شفقة تتحدث هي؟!!”
وما انفك ذهوله ليتحول لتوجس ما أن أنهت حديثها فتساءل بحذر وبوجه جامد:
” وما هو الحل برأيك؟؟ “.
” ننفصل “.