بدأت مراسم الاحتفال من تقديم الطعام والمشروبات، وتوافد النساء ذات الطبقة العالية، وكما كل حفلة بدأ القيل والقال وقول الشائعات وغيرها من الأقوال التي تحدث بمجالس النساء….
تجلس كالصنم, تقف تسلم ثم تعود وتجلس بمكانها، ووجهها جامد بابتسامه باهته، وعينيها كساهما البرود وشيء آخر لم يستطع أحدا رؤيته.
لم تذق الطعام ولم تشرب الماء، فقط تلك القهوة المرة التي تركت مرارتها على لسانها كما حال قلبها الفتي الذي يرغب بالمعرفة لما يكرهها الناس؟ وهي لم تؤذي أحدا بحياتها..لم يسخرون منها؟؟..لما هي بالذات؟!! فلم تكن الوحيدة التي تعاني من البدانة، فهناك في عائلتها الكثير من هن يعانون من السمنة بل أكثر منها بكثير.
مرت عليها الساعات طويلة وبطيئة، وملل تسرب لداخلها، فتململت بجلستها وزفرت عدة مرات، فنهرتها جدتها:
” كفي عن التأفف يا مريم!! “.
” لقد مللت يا أمي، وأريد العودة للمنزل “.
” لكن لم يمضي الكثير من الوقت؟؟ حتى أننا لم نرى العروس؟؟ “.
قاطع حديثهم اقتراب أم سلمى، وابتسامتها تكاد تصل لأذنيها،وعيونها تلمع بنظرة غريبة لم ينتبه لها أحد سوى مريم التي خمنت أن وراها مصيبة.
” أنا سعيدة يا أم أحمد لقدومك لحفلنا المتواضع “.
رفعت مريم حاجبيها بتعجب وعيونها تتجول بين الحضور وهي تتساءل إذا كان هذا التواضع فأين البذخ؟؟؟
شاهدت أم سلمى استنكار مريم لما قالته، فضحكت وهي ترحب وتهلل بأم أحمد ثم قالت:
” عقبال مريم إن شاء الله “.
فأعادت الجدة خلفها بكل براءة:
” إن شاء الله “.
” لكن عليها التخفيف من وزنها إن أرادت الزواج، وهذا خطؤك يا أم أحمد كان عليك منعها من الطعام وضربها إن لزم الأمر لمنعها، انظري إلى أين وصل بها الحال لتساهلك معها، لكن لا عليك فقد جاء من يتزوجها، هو متزوج ولديه أربع أطفال، وهو أحد أقاربنا ويرغب بالزواج مرة أخرى، وأنت تعرفين مريم ما شاء الله بدينة ولن يقبل بها أي رجل وهي بهذا الشكل، لكن هو وافق عليها ويريدها زوجة له كما هي….”.
واصلت بحديثها والتغني بفضائل قريبها دون أن تنتبه لما يجري مع البركان الذي يوشك على الانفجار، والذي سيحرق كل ما هو أمامه، والجدة صامتة وتحدجها بنظرات مبهمة وهي تنتظر أن تنتهي المرأة من مديحها للرجل.
وقفت الجدة بسرعة تخالف سنين عمرها.
” مريم أظن أننا قمنا بالواجب وانتهت مهمتنا “
لم تستطع التفوه بحرف واحد وجسدها ينتفض، وقلبها يضرب بقوة بين أضلاعها، تحركت من مكانها وأم سلمى تطالعهم ببلاهة، ثم انتبهت لمغادرتهم، فعلمت بأنها أخطأت، كانت تريد فقط أن تحط من قدر تلك الفتاة ولم تعرف بأنها تحفر القبر بيدها، فسارعت خلفهما توقفهما عن المغادرة:
” أم أحمد…أم أحمد، لما تغادرين فالوقت ما يزال مبكرا؟! “.
رفعت الجدة كفها بعلامة الصمت، فجحظت عينيها للخارج لما فعلته الجدة.
” عندما تكونين أنت من يدفع مصاريف طعام ابنتي، فلك الحق بأن تطلبي منها التخفيف من وزنها!! “.
” أنا… أنا.”..
” لم أنهي حديثي بعد!! “.
“وسأخبرك بشيء واحد…ابنتي عندما ستتزوج سيكون سيد الرجال وأحسنهم ونحن لا نقبل بالحسنة نحن من نقدمها ولا نأخذها، وإذا كان قريبك هذا رجل جيد وهو بهذه الصفات لما لا تزوجينه لابنتك سلمى؟!! “.
شهقة عالية ندت منها واستنكرت قول الجدة وقالت بجرأة:
” لكن يا أم أحمد شتان ما بين ابنتي ومريم “.
” أجل أنت محقة شتان بينهما “.
ابتسمت المرأة بحبور لمديح الجدة لابنتها
” فابنتي شيخة البنات، وابنتك لن تطال ظفر واحد من أظفارها، والآن ابتعدي عن طريقنا “.
ابتعدت المرأة دون إرادة وتحركت الجدة وهي تمسك بيد مريم الباردة كبرودة الثلج، تحركتا للخارج ووقفتا عند الباب, فأخرجت الجدة هاتفها لتتصل بأحد أحفادها أو سائقها الخاص لإعادتهم للمنزل فتزامن خروج سلطان وشاهدهما تقفان عند رصيف الشارع، تلامس حاجبيه بتقطيبة واتجه ناحيتهما
” جدتي ما الأمر؟؟ الحفل لم يبدأ بعد؟؟ هل أنت بخير؟؟ “.
” نعم يا بني أنا بخير, لكنك تعرف لا أحب جو الاحتفالات وسني لا يسمح لي بالسهر،لهذا أريد الذهاب للنوم “.
” أجل يا جدتي، لكن لما لم تتركي مريم بالداخل لتشاهد الحفل فهي ليست كبيرة بالسن لتعاني مثلك؟!! “.
أراد استفزازها ومشاكستها والتفت ينظر إليها ليرى وقع كلامه عليها…نظر وللحظات شاهد شيء لم يره فيها سوى مرة واحدة وكان قبل 10 سنوات.
اختفت تلك النظرة وحل مكانها الصقيع والجمود، فاستشعر بفطنته بأن شيء ما قد حدث بالداخل،شيء لم تستطع احتماله الجدة أيضا فخرجتا.
” أنا لا أستطيع النوم ومريم ليست بجواري، وأيضا غدا علينا أن نستيقظ للذهاب للمزرعة وعليها النوم مبكرا “.
” حسنا يا جدتي كما تريدين، انتظريني هنا وسأحضر السيارة “.
هزت الجدة رأسها بالموافقة ويدها ما تزال بيد مريم تضغط عليها، ولم تغفل هذه الحركة لذكي مثل سلطان وساورته الشكوك ورغبة بالمعرفة لتصل لدرجة عدم استطاعة مريم الرد على تهكمه ناحيتها!!
قاد سيارته وتوقف بجانبهما, وترجل منها وتقدم ناحية جدته يفتح لها الباب المجاور لمكانه، لكنها رفضت وقالت له بأنها ترغب بالجلوس مع ابنتها في الخلف.
انتفض شيء ما بداخله فمهما كانت مشاكسته معها فهو أبدا لن يرحم من يتعدى حدوده مع أحد أقاربه، وخصوصا هي وشقيقها فهما يتيمان ولن يسمح لأحد بالتعدي عليهما.
فتح الباب لهما وسمع جدته تهمس لها بشيء ما، لترفع رأسها بشموخ وتوحشت نظراتها بشكل مخيف ولكن أسره.
تقدمت ناحية الباب فانتبهت للسيارة كانت مختلفة عن الأولى صغيرة من نوع ليكزس، فرفعت أنظارها ناحيته وتشابكت عينيهما بحوار واستفهام، فتغلغلت أنظاره الحادة لأعماقها فشعرت بأسوارها تنهد قطعة…قطعة، فكسرت قراءته لأفكارها وأشاحت بوجهها بعيدا خشية أن يفهم ما يدور بداخلها من ألم، فاستقلت السيارة وجلست بهدوء، ركبت الجدة خلفها بعد أن انتهت من محادثتها مع محمد تخبره بعودتهما للمنزل وأن يعود بسرعة وأن لا يتأخر كثيرا.
تحدثت الجدة مع حفيدها عن كل شيء تلهيه عن السؤال الذي رأته بعينيه، لم يمنعه مشاغلة الجدة له بحديث آخر وهو بين الفينة والأخرى ينظر إليها من مرآة سيارته، فهذه المرة الأولى التي تجلس خلف مقعده فدائما ما كانت تجلس في المقعد البعيد، أراد رؤية عينيها فلعله يعرف ما بها، فلم يستطع بسبب ستار الظلام.
وصلوا للمنزل وترجل من سيارته بسرعة واتجه ناحية الجدة وفتح لها الباب ونزلت بمساعدته فانتظر للحظات كي تخرج مريم خلف جدتها، لكنها فتحت الباب الآخر ومشت دون الشعور بما حولها، وأخرجت مفتاح الباب من حقيبتها وفتحته، ودلفت للداخل وأضاءت النور ليضيء المكان.
” أدخل يا سلطان البيت بيتك ولا تخجل “
” شكرا يا جدتي، لكن علي العودة للحفل فأنا لا أستطيع تركهم “.
” نعم يا بني، بارك الله فيك وأعطاك الله الصحة والعافية “.
” شكرا يا جدتي وأكثري من دعواتك لي فهذا ما أريده بهذه الدنيا رضاك, هل ستحتاجان لشيء ما؟؟ “.
” لا يا بني، أشكرك. لقد أتعبناك معنا “.
” ما الذي تقولينه يا جدتي؟!! سأغضب منك، متى ما احتجت لشيء اتصلي وسترينني أمامك تماما “.
” شكرا يا بني، وأطال الله بعمرك وعمري، وأرى ذريتك حولي قبل موتي “.
” لا تقولي هذا أطال الله بعمرك، ربما سترينهم قريبا؟؟ “.
” حقا!! هل هناك مشروع زواج؟؟ “.
” أجل يا جدتي، فأنا قررت إكمال نصف ديني “.
تهلل وجه الجدة بالفرح والسرور واغتمت عيناها بدموع السعادة، فهذا الفتى يذكرها بابنها خالد،فهو طبق الأصل منه بتصرفاته وقوته وعطفه ومن ستكون زوجته أسعد امرأة, وبداخلها أمنية تريد تحقيقها قبل موتها.
اقترب منها ومسح دمعتها:
” لما الدموع يا جدة؟؟ “.
” إنها دموع الفرح يا بني، لا عليك مني، والآن أخبرني من هي سعيدة الحظ هل أعرفها؟؟ “.
” أجل أنت تعرفينها “.
” نعم لا بد وأني أعرفها، فأنت تعرف لا أفضل زواجكم من خارج العائلة “.
” لا عليك هي من العائلة، وأظن أنك رأيتها اليوم في الحفل؟؟ “.
تهدل كتفي الجدة واختفت ابتسامتها، ونظرت إلى حفيدها مليا وكلمته تتردد صداها بعقلها…أظن أنك شاهدتها بالحفل…
” من هي يا سلطان؟؟ “.
” إنها سلمى، ابنة خالتي “.