” لما تأخرت يا ابنتي؟؟ “.
” لم أتأخر أمي، لما لم تدخلي للداخل؟؟ فأنا أستطيع الدخول لوحدي! “.
قالتها بقوة وهي تكز على أسنانها تكاد تحطمها من غيظها
” ما بك يا ابنتي؟..هل قال ابن عمك شيء ما أزعجك؟؟ “.
” لم أقل لها شيء يزعجها يا جدتي!! “.
“غيرك حاول ولم يقدر! “.
قالتها بقوة.
” ومن يستطيع هز المرأة الحديدية؟؟ “.
وقفا بمواجهة بعضهما وعيونهما تنطق بنظرات التحدي،حاول عدة مرات أن يسبر أغوارها، يريد هدم سور القوة التي لا يعرف من أين تأتي بها؟..
فمن بحالتها يجب أن تكون خجولة، غير مرئية، ضعيفة، ومسيرة، لكن هي مختلفة، عجيبة، تعاكس حالتها، بل ترى نفسها فوق الجميع، تملك من الغرور ما يكفي جميع الفتيات بجمالهن
تأملها قليلا، لا ينكر جمال وجهها الطبيعي دون مساحيق تجميل، وعينيها الشبيهة بعيون الغزلان، برموشها الطويلة من يراها يحسبها رموش مركبة لكنه يعرف بأنها حقيقية، وأنفها الطويل يشبه السيف بحدته، و بشرتها تشبه بياض الثلج ويشوب خديها حمرة طبيعية لا تختفي أبدا، وفمها توقفت أنظاره عند شفتيها الورديتين الخاليتين من أي أحمر شفاه…..
ارتفاع حاجبها قاطع تأمله الغريب لابنة عمه فهو أبدا لم ينظر لها بنظرة أخرى غير نظرة القريب لقريبته، نفض رأسه عن تلك التخيلات وهمس لن يبدأ الآن برؤيتها بشكل مغاير.
” السلام عليكم “.
” وعليكم السلام والرحمة “.
رد عليه الجميع.
اقترب جاسم بن سالم النقبي أكثر وسحب رأس الجدة وطبع قبلة وقال:
” جدتي كيف هي أحوالك وأحوال الدنيا معك؟؟ “.
ردت الجدة معاتبة:
” لو كنت تريد أن تعرف أحوالي فمنزلي ليس ببعيد!! “.
” أعتذر يا جدتي.. فمشاغل الحياة تأخذ كل وقتي, وأنا أعرف بأنني مقصر بحقك “.
” لا عليك يا جاسم أنا أسامحك بشرط أن لا تعيد الكرة، فمشاغل الحياة لا تنتهي أبدا, وصلة الأرحام فرض وواجب علينا يا بني، فلا تقطع أرحامك بسبب شيء لن ينفعك بآخرتك “.
” نعم يا جدتي أنت محقة “.
التفت لابن خالته وحادثه:
” سلطان… كيف حالك؟؟ “
” بخير يا جاسم وأنت كيف أحوالك وأخبار العمل معك؟؟ “
” أنا بخير ولكن لا تحدثني عن العمل أرجوك،فأنا في إجازة وممنوع فيه الحديث عن العمل “.
قهقه الاثنان ثم التفت ناحيتها.
” كيف حالك يا مريم؟؟ “.
قالها برقة وحنان لم يخفى عن من حوله، فازدانت وجنتاها بحمرة الخجل وارتبكت لنغمة الحنان بصوته، فأجابته بنبرة لم تخلوا من القوة وتنبيه لما يقوله:
” أنا بخير يا جاسم شكرا لسؤالك “.
ووجهت باقي حديثها لجدتها..
” أنا سأدخل يا أمي، وسأنتظرك بالداخل “.
وغادرتهم دون انتظار أي إجابة منهم، فأخرج زفرات حارة من أعماق قلبه وهو يشيعها بنظراته، لم يغفل للواقفين بجانبه ما حدث فبادرته الجدة:
” سلامتك يا بني ما هي علتك التي تركتك بهذا الحال؟؟ “.
رفع كفه دون أي خجل ناحية قلبه وقال:
” هذا علتي يا جدة، ودوائي عند صاحبته!! “.
فتقدم وأمسك بكف جدته وهو يحدثها بعشق وهيام ورغبة:
” جدتي.. أنت أعلم بحالي؟؟ لما لا تحدثينها وتخبرينها بأنني أريدها زوجة لي؟؟ “.
” جاسم كف عن التحدث عن هذا الموضوع فقد انتهينا منه منذ زمن!! “.
” جدتي أرجوك!!… أنت تعلمين بأنني أحبها فلما لا تزوجينني إياها؟! “.
” جاسم.. هل تسمع ما تقوله؟! “.
” نعم أنا أعرف ما أقول، وأنتم تعرفون أيضا بحبي لها، لكنكم تغافلتم عما أريده؟؟ “.
” أنا من تغافل يا جاسم أم…..”.
” أعرف يا جدتي… أعرف…لكن أنا….”.
قاطعته الجدة بصرامة:
” إياك أن تجرؤ عن الحديث عنها يا جاسم!! انسها يا بني واذهب بطريقك، فأنت الآن متزوج ولن أرضى لابنتي بأن تكون الزوجة الثانية! “
” لكن…. “.
” لا… لقد انتهينا من هذه المسألة،ولن نتحدث فيها مجددا هل هذا مفهوم! “.
حل الصمت بالمكان،ولم يسمع سوى صوت صراخ الأطفال وهم يلعبون
وغادرت الجدة مبتعدة ومنهية الحديث بالأمر، فهي وإن وافقت والدته على زواجهما كانت هي من سترفض هذه الزيجة، فجاسم ليس الشخص المناسب ليحافظ على ابنتها، ولا يناسب شخصيتها القوية، مريم تحتاج لمن يحتويها ويروض عنفوانها، والشيء الآخر أنه تخلى عما يريده من الجولة الأولى لرفض والدته ( أم سلمى ) لمريم وتزوج ممن اختارتها له، وانتهى الأمر معها عند هذه النقطة فهو لا ينفع زوجا لها.
*************
توقفت عند باب المدخل لتسحب أنفاسا طويلة ثم زفرتها بهدوء, وقرأت آيات قرآنية وبعض الأدعية التي تبعد الشيطان عنها، ودعت الله أن يعطيها الصبر والعزيمة لما هي مقبلة عليه، ذكرت اسم الله ودخلت بقدمها اليمنى فطالعتها وجوه كثيرة من العائلة وبادلوها التحديق، هي لحظات فقط وكما تعودت حتى سرت همسات الهمز واللمز، فتحركت بآلية اعتادتها وسلمت على الجميع بابتسامة اغتصبتها، اقتربت منها امرأة منمقة بوجه ملأته بمستحضرات التجميل يخالف سنها الكبير، وملابس أو بالأحرى فستان عاري يخالف مكانتها ووضعها كأم كأنها تحاول الاحتيال على الزمن بتصغير سنها وارتدائها ملابس كملابس الفتيات الأصغر سننا، هكذا هي موزة أو كما تسمى بكنية (أم سلمى) لم تتغير ولن تتغير، امرأة حاقدة، مغرورة أنانية، تتباهى بما لديها من مال وأملاك، اقتربت منها تنظر إليها بنفور من الأعلى للأسفل ودون أي سلام وبادرتها.
” هل أتيت لوحدك أم مع جدتك؟؟ “.
اختفت ابتسامتها التي آلمت فكها وتسلحت بسلاحها الذي تأخذه معها أينما خرجت من منزلها أو قابلت أحد أفراد العائلة الغير مرغوب بهم، نظرت إليها بملامح مبهمة وجامدة, فأتاها صوت نسائي ناعم مليء بالدلال والأنوثة، أغمضت عينيها لثوان ثم فتحتهما فبسماعها هذا الصوت يعني الحرب ستبدأ والمعركة ستشن بالهجوم منذ البداية:
” آه مامي!! بالطبع هي ستأتي، فالحفل كبير, ويعني هذا الكثير من الطعام ويستحيل أن تفوته، لكن حبيبتي أخطأت بالمكان فالطعام ليس هنا بل أنه هناك!! “.
رفعت يدها السمراء والناعمة التي تخمن أنها لم تغسل صحنا بحياتها, وأظافرها المطلية بلون أزرق مثل لون فستانها القصير الذي يصل لركبتيها.
” المطبخ بهذه الجهة يا عزيزتي، لن يمنعك أحد من الأكل، وسأخبر الخدم بأن يخبئوا بعض الطعام بمكان بعيد وعند رحيلك يمكنك أخذه معك “.
فقهقهت بصوت عالي ما أن انتهت من حديثها وهي تضع أصابعها بدلال فوق فمها، ضحكت بعض المدعوات لقولها واستهجنت الأخريات قولها.
كلمات تطعن بالصميم اخترقت أسوارها، وصدر اعتصر غصة لما تفوهت به، تعلم بأنها ستجرحها، سرت البرودة بأوصالها بعد أن كانت تستعر بنيران عاتية لكن هي المرأة الحديدية كما يلقبونها لجمودها ولعدم استطاعة أي شخص كسر هذا الحديد الصلب، فبادرتها بهدوء وبابتسامة انزوت بأطراف شفتيها النديتين:
” شكرا يا عزيزتي لكرم الضيافة، فأنتم أهل الأصل والجود, و تقومون بواجبكم على أحسن وجه، وأنا أقبل بالطعام بكل امتنان لأحمله معي “.
ابتسمت الأم والابنة بتشفي لثوان فقط وبعدها اختفت وتحولت وجوههم الجميلة إلى شكل مريع ومخيف وهم يستمعون لكلماتها التالية.
” ونيابة عن أغنامي وكل الماشية في المزرعة، أشكركم بدلا عنها لإطعامهم من طعامكم ومشاركتهم بأفراحكم “.
شهقات عالية أطربت مسامعها، وابتسامة انتصار تألقت على شفتيها وبوسط المعمعة التي أحدثت جلجلة بين الحضور لتغلبها عليهم، تحركت واتجهت لأحد الكراسي المطلية بلون الذهب ويدل على غلاء ثمنه،جلست ثم رفعت كفها بحركة مفهومة لأحدى العاملات المتخصصة بتقديم القهوة، تقدمت العاملة مبهورة ومجبرة لخدمة تلك الفتاة الصغيرة التي دخلت وأسكتت الجميع بحضورها وهيبتها التي لا تخفى على الأعمى، سكبت القهوة بالفنجان وقدمتها بكل احترام وأخذته مريم وارتشفته دفعة واحدة وهي ساخنة فهذه هي العادات (( فالقهوة تشرب وهي ساخنة )) ثم هزت الفنجان بحركة دائرية عدة مرات دلالة باكتفائها بفنجان واحد فقط.
جميع العيون مبهورة ومأخوذة بفعلتها فهم لطالما سمعوا بقوة هذه الفتاة، بعضهم يعرفها ويعرف ردود أفعالها والآخرون سمع فقط والآن يرون بأم أعينهم بمدى صلابتها وذكائها الحاد.
” السلام عليكم “.
قالتها الجدة بصوت عالي وتأملت الحضور وهي تسمي وتكبر ونطقت ملامحهم المرتبكة بحدوث أمر ما، فتحركت عينيها الحادة تبحث عنها وشاهدتها تجلس بأريحية ووجهها خال من التعبير ففهمت بفطنتها بأنهم قد بدأوا حربهم على غاليتها، ومن وجههم المحمر الذي يقطر حقدا وكرها فهمت بأنها ألقت إليهم بكلمات أخرستهم، أراحها الأمر وابتسمت بداخلها وبفخر وزهو التمعت بها عينيها.
سلمت على الحضور وكأن شيء لم يكن وقبل ذهابها وجلوسها اقتربت من المرأتين وقالت:
” من يلعب بالنار يحرق أصابعه معها “.
وابتعدت عنهما وقد تركتهما يزيدان من الغليان وفهما من قولها أنها خمنت أن شيء ما قد حدث، وهذا زادهما غضبا وكرها لمريم لوقوف الجدة دائما بصفها، وهذا يفسد مصلحتهما فهما يريدانها بصفهما كي ينالا ما يريدانه.