تنهدت بضيق وعادت تختلس النظر إليه من جديد فزجرت نفسها بعتاب ضعيف ومهزوز بأنه لا طائل مما تفعله، فهو أبدا لن ينظر إليها كما ينظر لغيرها من الفتيات، فهي ليست مثلهن جميلات أنيقات و….. رشيقات،بل هي عكسهن تماما.
توقفت السيارة عند باب الفيلا وتأملتها للحظات، منزل يتكون من طابقين ويحيطها سور أبيض عالي يمنع المتطفلين من النظر إلى الداخل، شاهدته يترجل من السيارة ويتقدم ناحية الجدة ويفتح لها الباب، ثم يساعدها على الترجل بحملها وإنزالها على الأرض، رفعت الجدة يدها وداعبت وجنته كطفل صغير فابتسم بسعادة ثم طبع قبلة على رأسها، رفع أنظاره بغتتا ناحيتها فأخفضت عيناها للأسفل وأخذت تعبث بمحتويات حقيبتها، طرقات قوية على النافذة أجفلتها، فوضعت كفها على موضع قلبها وشعرت بها تكاد تخرج من مكانها، فهي كانت بعالم آخر يخصها وحدها بخيالاتها البريئة والحالمة، فتح الباب من ناحيتها وقفزت بمكانها وأطلقت صرخة فزع من فتحه للباب فجأة فتحدث بصوته الخشن والبارد:
” هل ستظلين كثيرا بالسيارة؟؟ أم أن الملكة لم تنتهي بعد من تأنقها واستعدادها؟ أممممم وأنا أرى أنك لا تحتاجين للتأنق “.
حركت رأسها باتجاهه وحدجته بنظرات غاضبة وحانقة من كلامه المهين بحقها، فأغلقت الحقيبة بشدة وقالت له:
” ابتعد.. “.
” بسرعة لا تتأخري وتتركي جدتي تنتظرك كثيرا, فهي لا تريد الدخول من دونك، يبدوا أنك ما تزالين طفلة وتحتاج لمن يمسك بيدها كي لا تخشى شيء “.
شعرت بأعصابها تغلي كغليان الماء على النار، ودمها يسري كحريق ملتهب بشرايينها، احمر وجهها على اثر كلماته، فتحركت من مقعدها واقتربت من الباب الذي ما يزال ممسكا فيه ودون أن تخفض أنظارها نزلت من السيارة وتوقفت بجانبه، فلفحها عطره القوي الذي يشبه شخصيته التي تهيمن على الجميع بقوته وصلابته، وغلاء قيمته كما اختياراته المتأنية والمنتقاة بحرص.
طالعته بنظرات ساحقة أخرسته وأغضبته بآن واحد، ورحلت مبتعدة عنه برأس شامخ وبخطوات متأنية بعد أن نالت ما تريده من رؤية تغير ملامحه، وبقي هو ينظر إليها باستحقار، بأن تلك السمينة استطاعت أن ترميه بنظرات مشمئزة وليس هذا فقط؟؟! بل كانت لها كما العادة الكلمة الأخيرة وتذكر كلماتها.
” أخبروني بأنك تشبه جدي بحكمته،ورجولته، وجبروته لكن ينقصك شيء واحد لتصبح مثله “.
لم تنتظر سؤاله وواصلت الحديث:
” عقلك صغير يا ابن عمي، وأعمى البصيرة “.