رواية عديل الروح الفصل الثامن 8 بقلم الكاتبة ام حمدة – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

في صباح اليوم التالي بعمله جلس خلف مكتبه بأعصاب صاعقة تكاد تحرق كل ما أمامه، والورق بين يديه يكاد يتمزق من شدة قبضته عليها، يقرأ بنهم، عينيه تجري فوق حروفها، كلماتها، وقصتها تشعل النار برجولته، لم يكن هناك لمساعدتها بل كان شخص آخر غريب كان يمر بالصدفة فسمع أصوات صراخهم فهب لمساعدتهم ولو لم يكن هناك لضاعت مريم….
توقف عند هذه الكلمة… ضاعت، انتهت، تلاشت، نعم…كادت أن تنتهي فحديث الشاهد الآخر كان يدل على أن مريم كادت أن تختطف لو لم تتماسك وتحارب من أجل البقاء على الأرض، لدرجة أن يدها كسرت وهم يحاولون سحبها وإدخالها عنوة بسيارتهم ليأخذوها معهم.
شعر بالضيق بصدره ففتح زرين من بدلته العسكرية، وتنفس بصعوبة، أحس بالهواء ثقيل يجثم على أنفاسه والغرفة تضيق والكلمة تتردد برأسه
” تختطف… كادت أن تختطف “.
نهض من مكانه واتجه ناحية النافذة ففتحها لتدخل نسائم الهواء ويجترح ويعبق برئتيه لعله يذهب الضيق بصدره، رفع عينيه للسماء وهو يتذكر دموعها، لؤلؤها الغالي فهي نادرا ما تسقطها، وإن نزلت فلأمر جليل، وهو جرحها بل أصابها بالصميم، لم يكن يقصد ما قاله!! .
تنهد بضيق فأوان الندم قد غادر ووقت الاعتذار قد أزف.
انطلق بسيارته بعد انتهائه من عمله ناحية منزل جدته وعلى وجهه ابتسامة ماكرة بعد أن كان التجهم رفيق ملامحه وهو يفكر بكيف يعتذر دون أن يعتذر حقا؟!
وصل للمنزل وترجل من سيارته الفخمة وهو ما يزال يرتدي بدلته العسكرية التي أظهرت ضخامة جسده، وطوله الفارع، ووسامته الطاغية، وعينيه الحادة والتي ملئت بالخبث حجبت عن الآخرين بنظارته الشمسية .
طرق الباب ثم دخل، تقدم للأمام وشاهد جدته تجلس بمكانها المعتاد وتشرب فنجان قهوتها ما أن رأته حتى تهللت أساريرها ورحبت به بابتسامة واسعة تألقت بشفتيه فمهما أخطأ فهي بقلبها الكبير والمسامح تغفر له!!
اقترب منها وسحب رأسها وقبلها بكل الحب والتقدير لهذه الجدة.
” مرحبا بشيخ الرجال، مرحبا بسلطان “.
” مرحبا بأمي وكل أهلي، كيف أنت يا الغالية وكيف هي صحتك؟؟ “.
” أنا بخير يا بني والحمد الله. وكيف أحوالك أنت والعمل هل أمسكتم باللصوص؟؟ “.
” لا يا جدتي، لهذا أنا هنا لأسألك بعض الأسئلة؟؟ “.
” لكن يا بني أنا لا أستطيع مساعدتك، فأنا كما تعرف لقد فقدت الوعي وابنتي مريم هي الوحيدة التي رأت كل شيء، آه يا بني عندما سمعتها تتكلم عما جرى شعرت بقلبي ينقبض ويكاد يتفتت “.
سكتت الجدة وبدأت دموعها تنحدر على وجنتيها فاقترب منها سلطان وأحاطها بذراعيه، وقال:
” هي بخير يا جدتي وبأمان الآن، وعهد علي سأمسك باللصوص وسينالون عقابهم “.
أومأت برأسها وعيونها تتحول للشراسة، وقالت:
” نعم يا بني يجب أن يعاقبوا وبشدة، لقد حاولوا خطف صغيرتي ويستحقون الموت “.
” لا تقلقي، أين هي الآن؟؟ “.
” بالداخل سأناديها لك، أو أدخل لها يا بني فأنا لا أريدها أن تتحرك من مكانها، لكنها لا تستمع إلي، أرادت أن تطبخ وتعمل لكني منعتها وحلفت عليها بأن لا تخرج من غرفتها, ستراها تجلس بالصالة مع شقيقها فذلك الآخر لا أعرف ما حدث له، إنه يلتصق بها أينما ذهبت ما أن علم بما حدث “.
” انه فقط خائف عليها جدتي “.
” نعم أعرف، أدخل يا بني “
نهض من مكانه وصرخ بصوت عالي كي ينبه الموجودين بالداخل ثم دخل، شاهدها تتحرك تنوي المغادرة فأوقفها بصوته الجهوري:
” مريم… أريد التحدث معك!! “.
” لا كلام بيننا!! “.
” بل يوجد!! سأسألك بعض الأسئلة عما حدث هناك؟؟ “.
أدارت جسدها ناحيته بعد أن كانت تعطيه ظهرها.
” لقد قلت كل ما لدي عندما حضر الشرطي، ولا يوجد ما أزيد به عليه “.
” لا يهم ما قلتيه له، فأنا لا أعرف ما حدث وأريدك أن تخبريني بكل شيء؟؟ “.
” لما لا تسأل الرجل أو تأخذ التقرير الذي كتبه؟؟ “.
رفع كتفيه بلا مبالاة وقال:
” كان شرطي مبتدأ ولم يسأل الأسئلة الصحيحة، لهذا جئت لأسألك من جديد وإن لم تريدي التحدث معي سأضطر لأخذك لمركز الشرطة وهناك سيتم استجوابك؟؟ “.
” أنت تمزح بالتأكيد يا سلطان؟؟ “.
تحدث محمد هذه المرة بضيق.
” لا يا محمد، إن لم تتفاعل شقيقتك معي سيطالبون بذهابها للمركز وأنا لم يعجبني الأمر، وطلبت منهم ذهابي لأخذ أقوالها بدل ذهابها إلى هناك، ولأنها من عائلتي وافقوا على طلبي بالتحدث معها “.
التفت محمد ناحية شقيقته وقال:
” لا.. هي ستجيبك عن كل أسئلتك، فلا توجد لدينا نساء يدخلن لمراكز الشرطة!! “.
” وهذا ما قلته أيضا “.
انزوت ابتسامة ماكرة وبداخله يكاد يطرب فرحا، فخطته تسير كما توقع وهي الآن سترضخ مجبرة بأن تجالسه وسيتحدث معها كما يريد.
نظرت إليه ترميه بلهيب حارق… يأتي لمنزلها ويتحدث معها كأنه لم يكن بينهما شيء ولم يصرخ بوجهها أو يتهمها بالأنانية، يريدها أن تجالسه وهي مجبرة فهي لا تريد الذهاب لمركز الشرطة.
كان يراقب ردات فعلها المتماوجة على صفحة وجهها من الغضب للحنق للحزن، يعرف بأنه مخطئ بحقها لكن ماذا يفعل؟! لم يستطع السيطرة على أعصابه.
جلست على الأريكة المقابلة لجلوسه وعندما هم شقيقها بالمغادرة زعقت بوجهه بكيف يتركها مع ابن عمها لوحدهما دون أن يكون معهما محرم أو شخص آخر، ارتاحت أساريره وازداد إعجابه بتلك الصغيرة التي لا تنفك تفاجئه دوما.
أخذت أنفاسا عميقة فعودتها لما حدث يزعجها، فبدأت تسرد ما حدث وهما يجلسان على أعصابهما كلما تعمقت بحديثها وما حدث.
كانتا كالعادة تذهبان للمزرعة كل يوم عصر، وبهذا اليوم رفض شقيقها الذهاب معهم لرغبته بالذهاب مع أبناء أعمامه، تحركتا بسيارتها الرينج روفر، وعندما اقتربا من الطريق المؤدي للمزرعة الخالية من مرور المارة، فهي تقريبا بمكان بعيد عن المدينة أبطأت بالسيارة عندما وجدتا امرأة مع طفل صغير يقفان بهذا المكان المقفر، أرادت تجاهلهم لأنها سمعت الكثير مما يحدث من حوادث بهذا الشكل وتحذير ابن عمها ينخر رأسها لكن جدتها أمرتها بالتوقف، وما هي إلا دقائق حتى هجم عليها عدة رجال كسروا نافذة السيارة وفتحوا الباب وسحبوهما دون رأفة، دفعوا بجدتها على الأرض وفقدت الوعي، كانوا فقط يريدون السيارة ولا غير، لكن أحد الرجال أعجب بجمال مريم عندما أفلتت شيلتها وظهر ما تخفيه تحتها من شعرها الأملس ووضوح جمال وجهها فأراد أخذها، فأمسك بيدها يسحبها بشدة قاومته بعنف فرس بري جامح يرغب أحدهم باصطياده، أمسكها بعنف وقام بضربها لكنها أعادت ضربته بصفعه فجن جنونه فأكال اللكمات على وجهها وعلى باقي جسدها فوقعت متكورة تحمي نفسها وبغفلة منه سحبت قدمه التي كانت توشك على ركلها وأوقعته أرضا، فما كان منه سوى أن نهض وسحب يدها وثناها للخلف لتسمع بعدها تكتكة عظامها لتصرخ بألم، سمعها أحد جيرانها بالمزرعة، أنطلق نحوهم ما أن عرف من صاحب السيارة وأطلق زامور سيارته ينبههم ليتركوهم وهذا ما حصل تركوهم وأخذوا السيارة فارين بها.
عادت من رحلتها ونظرت إليهم وشاهدت ملامحهم الغاضبة والراغبة بالقتل…
عواصف راعدة تعصف بداخله لقد قرأ التقرير وكاد أن يجن لكن أن يسمعه من فمها كان شيء مختلف، أراد أن يفتك بهم ويقطعهم اربا.. اربا، شاهد جسدها يرتجف بخوف للذكرى وما كاد أن يحدث، فمهما كابرت وتسلحت بالقوة فهي أنثى رقيقة تحتاج لمن يحميها ويحافظ عليها، فسعل يجلي حنجرته وقال يبعد الجو المتوتر:
” ما رأيك بالعمل معنا بقسم الشرطة؟! فنحن نحتاج لنساء قويات مثلك لا تخفن من شيء!! “.
رفعت حاجبيها بصدمة من قوله وتعجبت وهمست متسائلة:
” ماذا؟؟ “.
” أنت محق يا بن العم، فنساء هذه الأيام يخفن من صرصور فما بالك بحادث سرقة!! “.
التفت لشقيقته وهو يرفع حاجبه باستفزاز:
” شقيقتي هي supar woman أنت شجاعة وتقاتلين بمهارة “.
” نعم محمد، هي لا تخاف بسهولة!! ونحن نريدها أن تعمل معنا ما رأيك؟؟ “.
فغرت فاهها وهي تسمعهم يتحدثون ويتشاورون فيما بينهم، فقالت:
” أنتم تمزحون بالتأكيد؟؟ “.
فجاوبها سلطان مستغلا صدمتها:
” لا أبدا، لا أمزح. فقط تحتاجين لبعض التدريب وستصبحين ممتازة، يمكنني أن أدربك ولا تخشي من فاتورة التدريب، سأعطيك دروس بالمجان “.
دخلت الجدة اثر ضحكات سلطان ومحمد وسألتهم لما الضحك فأخبروها ما حدث، فأيدتهم الرأي بطيب نية دون أن تعلم القصد من طلبهم، فعادوا يتحدثون بالأمر و جلست هي تنظر إليه وهو يحدق إليها بنظرات المنتصر.
وقفت فجأة واستدارت مغادرة وقبل مغادرتها التفتت وقالت:
” بدل أن تتعب نفسك بتدريبي وخسارة وقتك الثمين معي، أدي واجبك جيدا وسنكون نحن بخير وأمان “.
اضمحلت ابتسامته وشاهد مغادرتها والتقط ابتسامتها المنتصرة كما العادة، فبرقت عيناه بوعيد اتخذ قراره بأن تكون له الكلمة الأخيرة بيوم ما.
كلمات جدته انتشلته من غيبوبة وعيده، ليلتفت إليها ببطء وينظر إليها، وهي تعيد كلماتها التي أراد أن يمحي صاحبها من الوجود.
” هل صحيح أن الدكتور عمر عاد ليطلب يد مريم للزواج؟؟ “.
***************

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  مدونة كامو - رواية احببت طفلة الفصل السابع عشر 17 بقلم رحمة سامي - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top