ترجلت من السيارة ورفعت رأسها تتأمل الفندق الفخم والسيارات الغفيرة التي جاءت لتهنئ العروس والعريس بهذه المناسبة السعيدة، ارتجف جسدها من الهواء البارد الذي لفحها وشعرت بالألم يعاودها فيبدوا أن المسكن لم يقم بأفعاله العجيبة.
دلفت للقاعة التي زينت ببذخ وترف يظهر مدى ثراء العائلة وأغمضت عينيها للضوء الساطع، فعينيها لم تتحمل نوره.
فتحتهما على أصوات الترحيب بهما، سلمت وباركت لمن جاء يهنئ الجدة بزواج حفيدها المخضرم.
خلعت شيلتها وتركتها تتوسد كتفيها وتطلعت النسوة إليها بانبهار لجمالها، جمال لم تره هي، تحركت تسلم على من تعرفه بابتسامة اغتصبتها فخرجت باهتة، تجولت بالمكان بصعوبة والمرض شعرت به يفتك بجسدها الضعيف, فتقلص وجهها لموجة ألم كبيرة وتمسكت بأحد الكراسي بشدة تستمد صلابته لتكتم صوت أنينها الذي يكاد يفلت فتسطع صرختها بالمكان.
تنفست شهيق وزفير فلقد قرأت بأحد الكتب أن تتنفس بهدوء وأن تنسى الألم فكثرة التركيز فيه يزيده، تنفست إلى أن رحلت الموجة.
لاحقتها نظرات الجميع عيونهم مصوبة ناحيتها وبتلقائية مسدت جلابيتها الواسعة الخضراء المطرزة بخيوط ذهبية لظنها أنهم ينظرون لبدانتها فأسرعت بخطواتها ناحية الطاولة التي تجلس عليها جدتها
فجلست بصعوبة وبانت ملامحها التي تألمت من فعلتها فانحنت الجدة ناحيتها
” مريم حبيبتي هل أنت بخير؟؟ “.
” أنا بخير لا تقلقي “.
قالتها بصوت خافت متألم، لكن الجدة لم تصدقها فاقتربت منها أكثر وفتحت فمها تريد الحديث فقاطعتها إحدى المهنئات وانشغلت معها بحديث آخر أراح مريم، التي لا تعرف ما تقول لجدتها ما أن تعرف بمدى ألمها حتى ستأخذها للمشفى وتترك الحفل وهذا ما لا تريده، أن يتحدثوا عنها وينظروا إليها على أنها مفسدة الأفراح.
سمعت نداء جدتها باسمها تناديها، أرادت أن تصرخ باسمها فلم تستطع التفوه بحرف واحد، فتحت فمها ثم أغلقته، وشعرت بدبابيس تثقب حنجرتها فدمعت عينيها من شدة الألم, وضعت كفها على موضع الألم تشد عليه بقوة، لكن مع كل لمسة شعرت بها موجعه،ثم شعرت بطعم مر يسري بحنجرتها، فنهضت بسرعة وهي تضع يدها على فمها وتسرع بخطاها ناحية الحمام ودموعها تضفر من عينيها وتزامن ركضها بخروج العروس تتهادى بمشيتها على الممر بكامل جمالها فشاهد الناس خروجها ودموعها، ما أن ظهرت العروس فسرت الهمهمات بين الحضور ووصلت لأذني الجدة المذعورة لركض ابنتها، فنهضت تريد اللحاق بها، فأوقفتها والدة سلمى التي رأت بكاء مريم وابتعادها السريع ما أن لمحت ابنتها فأصابها الفرح وتقدمت تشمت فيها.
” ما بها مريم يا أم أحمد؟؟ “.
أرادت الجدة مقاطعتها، لكن أم سلمى واصلت إعاقتها من الذهاب خلف حفيدتها
” هذا نصيب يا أم أحمد، وأفهمي مريم بأن سلطان اختار ابنتي لتكون زوجته، وعليها الآن أن تزيله من ذهنها “.
صرخت الجدة باستنكار ضعيف فهذا ما كانت تخشاه، أن تكون ابنتها مريم متعلقة بسلطان لهذا هي حزينة منذ أن سمعت بخبر زواجه.
” أنت مخطئة بما تقولين؟؟ “.
” هذا ما تقولينه أنت؟!! اذا بما تفسرين بكاء مريم ما أن رأت ابنتي؟؟ “.
” مريم مريضة “.
” هل هذا عذرها؟!! أنها تشعر بالمرض!! “.
” لا أسمح لك بكلمة أخرى بحقها، والآن ابتعدي علي الذهاب للحاق بها “.
رفعت رأسها وانصدمت لرؤية التجمهر حولها، فهي لم تنتبه لصوتهما العالي, فأغمضت عينيها بحسرة فبالتأكيد سيسري هذا الخبر بين الحضور كالنار بالهشيم.
تحركت مسرعة بما تستطيع به عظامها الحركة باتجاه المكان الذي ذهبت فيه ابنتها، وفتحت الباب وتجولت عيناها بالمكان تبحث عنها والغضب والخوف ينهش صدرها لو كانت تلك هي الحقيقة!!
لحظات وخرجت مريم مترنحة, وأثار الدموع على وجهها، مدت يدها تمسك بمقبض الباب بقوة ونظرت للأمام بعيون زائغة، وهي ترى جدتها تتحدث إليها وتسألها عن شيء ما، والغضب يظهر على ملامحها، لم تسمع ما قالته فالطنين بأذنيها منعها من سماعها، وعينيها غشاها الظلام وبعدها أسلمت جفنيها، وسقطت مغشي عليها عند قدمي جدتها التي وقفت مصدومة مما حدث.