****************
يومان كاملان لم يستطع فيهما سلطان زيارة منزل جدته، يحادث جدته على الهاتف ويتحجج بأمور تشغله عن زيارتها، وفي اليوم الثالث لم يعد يطيق عدم رؤيتها فاستقل سيارته منطلقا نحوها بعد أن خرج من منزل والديه بزيارة لهما، وأخذت سيارته تنهب عباب الشارع الملتهب بنار الشمس الحارقة فالصيف على أشده والحرارة تشعل النار بأجساد كل من يخرج ويتحداها وهو بسيارته الفارهة والمكيفة يجلس بأعصاب مشدودة وضحت بتصرفاته التي شعر بها الجميع فحاولوا الابتعاد عن طريقه، فسلطان معروف عند غضبه… ابتعد عنه وحاول عدم الرد عليه إلى أن يهدئ.
وصل لمقصده وظل بسيارته يتساءل… هل يخبرهم أم لا وينهي موضوع هذه الزيجة أيضا؟!.. فطلب الدكتور عمر قد رفضه بنفس الوقت بأن لا يوجد عندهم بنات للزواج وانصرف عنه موليا ظهره وطلبه راميا به عرض الحائط، ولم يكن يتوقع أنه حادث جدته بالموضوع وأنها رفضته هي الأخرى، لكن هذا صديق الطفولة لا يستطيع رفض طلبه الوحيد، فطوال حياته لم يطلب منه شيء واحد بخلاف باقي أصدقائه مستغلين منصبه الرفيع، وهو لن يتوانى عن مساعدة شخص محتاج لكن هذا الطلب…..
أخذ أنفاسا طويلة ثم زفر فيها ضيقه، أطفئ محرك سيارته وخرج منها وتقدم ناحية الباب وطرقه ثم دخل مناديا على أهل البيت، فأطلت عليه ببشاشتها المعهودة خارجة من المكان المعتاد أن تتواجد فيه، لا بد وأنها تعد طعام العشاء.
تقدمت منه على استحياء تعوده منها، وفكر بتلك الفتاة الغريبة، هي توليفه عجيبة غريبة من الخجل، والقوة، والحكمة، وأحيانا تتصرف مثل الأطفال كل تلك الصفات شاهدهم عليها.
اقتربت منه وسلمت عليه من بعيد، وقالت:
” مرحبا بابن العم، كيف حالك وأحوال عائلتك؟؟ “.
” بخير يا ابنة العم، كلهم بأحسن حال ويبلغونك تحيتهم “.
” تفضل بالدخول وسأنادي على والدتي “.
تقدمته ورحبت به بغرفة الجلوس ثم استأذنت للحظة ودخلت غرفة الجدة تبلغها بحضوره، دقائق وخرجت مبلغة إياه بأن والدتها تغير ملابسها وستخرج بعد قليل، أومأ برأسه وعيونه ما تزال تنظر إليها تتأملها، لا ينكر جمال وجهها وجسدها…حسنا هي ليست سمينة جدا، فملابسها واسعة تمنعه من معرفة حجم جسدها، فهو يعرف جدته كم تكره تلك الملابس التي تظهر وتحدد الجسم لهذا عودت مريم منذ الصغر بلبس الملابس التقليدية ( المخور والجلابيات و الملابس الواسعة ) لهذا لا يستطيع تحديد وزنها، لكنها لن تواجه صعوبة بإنزال وزنها إن داومت على الرياضة.
ضيق عينه وصفعة الحقيقة تضربه لما لم ينتبه لها من قبل؟! لم اهتم بالبحث عن الجمال والرشاقة ونسي المهم؟!…. أم أن صغر سنها هو ما منعه من النظر إليها؟؟… وسلاطة لسانها!!… فالكلمات التي تخرج من فمها تقع عليهم كحد السيف، ترى هل أنا إنسان سطحي ولا يهتم سوى بالمظاهر؟!!…. تساءل بداخله، لما لم يحذو حذو صديقه عندما سأله سؤال ندم عليه، لا يعرف بالأصل لما قاله فتذكر الحديث الذي دار بينهما:
” كيف تعرف ابنة عمي؟!… وأين شاهدتها؟؟ “.
كان يتحدث معه والشرر يتطاير من عينيه لم يستطع احتواءه، وكلمات الغزل تعاد وتتكرر بأذنه:
” اهدأ يا سلطان ولا تغضب “.
قاطعه بقوة قائلا:
” كيف لا تريدني أن أغضب وأنت تتغزل بها أمامي؟؟ “.
” أنت محق بهذا، وأنا أعتذر. لم يكن من حقي قول ما قلته، فقط أخذتني العاطفة “.
نار تشتعل بين ضلوعه وشعر بحبل يلتف حول عنقه مضيقا عليه أنفاسه، وهو يستمع لرجل يتحدث بمشاعر يكنها لابنة عمه، لما الآن؟! لما ظهر بوقت هو فتح عينيه عليها؟!… هل يعاقبه القدر على عماه واختياره لأخرى؟!…
تحرك متقدما ناحية الأريكة الجلدية وجلس عليها بوجه جامد مبهم ثم رفع عينيه ينظر إليه بحدة وقال:
” تحدث يا أحمد، وأخبرني متى شاهدتها وأين كان هذا؟؟ “.
تنهد صديقه بضيق، كان يعرف بأن طلبه صعب، فهو سيناسب عائلة مرموقة وهو ليس أهلا بنسبهم لتواضع عائلته، تقدم وجلس بجانبه وقال:
” لقد شاهدتها بالمستشفى عندما تعرضت للحادث هي وجدتك، لحقت بك لأطمئن عليك، لقد أخافني خروجك الصاروخي فلحقت بك وشاهدتها هناك، هذا كل شيء “
سكت قليلا يستجمع قواه ثم واصل حديثه:
” هل أنت غاضب لأنني تقدمت لخطبتها، وأني لا أناسب نسبكم العريق؟؟ “.
بادره سلطان نافيا سؤاله:
” لا تكن سخيفا أحمد، فأنت رجل قل أمثالك بهذه الحياة ولو كانت لدي شقيقة ما بخلت عليك فيها، ونسبك يشرفني ويشرف عائلتي، فنحن نشتري الرجال لبناتنا وليس المنصب والمكانة “.
” إذا لما أنت غاضب؟؟ “.
” لم أعهدك غبيا أحمد لكن يبدوا أن الموضوع أكل عقلك!! “.
شاهد الجهل على ملامحه ورحم حاله، وقال:
” غضبي هو لأنك مدحت شكلها، هذا يعني أنك نظرت إليها بالتفصيل “.
” أنا…أنا…”.
تنحنح..
” أنا لم أقصد أن أحدق فيها صدقني “.
” أجل أحمد أعرف أخلاقك، ولو كنت رجل آخر لكنت الآن بعداد الأموات “.
أشاح بوجهه عنه وتأمل كريستال على شكل وردة لمسند الأوراق يعرف صاحبة هذه الهدية، فلقد أهدته إياها عندما حصل على منصب عالي في عمله، فقال ساهما دون أن يشعر بما تفوه به:
” إنها سمينة هل يضايقك الأمر؟؟ “.
لم ينظر إليه وشعر باستنكار صديقه على هذا القول، هو نفسه يشعر بالخزي من كلماته لا يعرف لما أخرجها ولما قالها؟!… ربما…ربما تكون…
أغمض عينيه على كلمات صديقه.
” أنا لا أهتم للشكل، وما يهمني هو المضمون، وهي ليست سمينة لدرجة عدم استطاعتها الحركة، بل العكس تعجبني المرأة الممتلئة ولا أحب النساء النحيلات “.
عاد من رحلته يحدق بها شاهدها بعيون رجل لامرأة…يرى جسد متكامل… بصدر كبير وبارز، وأرداف مدورة ومشدودة، هذا ما لاحظته عيناه عندما اشتدت جلابيتها عند جلوسها فأوضحت امتلائها وتصلبها.
ابتلع ريقه وأغمض عيناه لكن هيهات أن يسكت جسده الراغب بتلك الطفلة، استنكر قوله لا هي لم تعد طفلة، هي أنثى يرغبها الرجال وهو بغبائه خسرها باحثا عن شيء تافه يشعر به الآن يخنقه.
صوتها الخائف ينتشله من بحور المشاعر والندم، فرفرف بأجفانه ونظر إليها وشاهد نظرات الخوف واللهفة، وشيء آخر لا يعرفه تألقت بها عينيها وحولتها لشعاع جميل من الشكولاته الفاتحة، رآها تقف وتتحرك ناحيته بتردد وهو كان بعالم آخر لا يتواجد فيه سواهما، قدماها تتقدم وتتأخر، خوفها يقدمها وخجلها يستوقفها، لكن نظرة بمقلتيها لمعت لتقف أمامه حاملة كأس من الماء البارد قدمته إليه تريد منه التقاطه، لكن ذراعيه لا تطيعانه، بل بالأحرى أعجبه رؤية الخوف من أجله وأراد المزيد من قربها فكان له ما يريد.
قربت فوهة الكأس ناحية شفتيه وأمالته قليلا ليصل إليه الماء، ارتوى بظمأ كأنه قادم من صحراء قاحلة خالية من المياه العذبة، أغمض عينيه بتلذذ لهذا الماء الذي لم يذق مثله من قبل والمنعش لجسده، الذي تغلغل لأعماقه وأطرب قلبه الحزين لخسارة يمني فيها نفسه، فتح عينيه لتتشابك مع عينيها، بلغة وحوار لم يفهمها أبدا ثم قطعتها بإشاحة وجهها واعتدالها وتراجعها للخلف، ليشعر بحواسه تعود لعملها فتنحنح وخرج صوته مثقلا بمشاعر عنيفة وقال:
” شكرا لك “.
” العفو…لكن ماذا حدث؟؟ هل…هل أنت بخير؟؟ “.
” نعم، لا تقلقي نفسك فأنا بخير، هي ضغوط العمل “.
فرك صدغه ثم عينيه بإعياء انتبهت إليه للتو، فملامحه حزينة وهالات سوداء تحيط بعينيه لكن هذا لم يخفي وسامته التي تسرق أنفاسها، ابتلعت ريقها وأخفضت أنظارها هربا من عواطف أرادت التخلص منها ورميها خلفها، فهي تتعبها وتقتات من حياتها لأنه بكل بساطة هو صعب الوصول إليه.
عادت للجلوس بمكانها ورفعت الغطاء ليطل من تحته طعام من كل شكل ولون وتحدثت معه تنصحه كما تنصح شقيقها عندما يشعر بأن العالم يضيق حوله:
” اقترب يا ابن العم وكل، واحمد الله على نعمه ولا تنسى أن كلما ضاقت عليك الدنيا استغفر ربك وتوكل على الله، فهو اختبار من رب العالمين وأن ما بعد الضيق إلا الفرج، فقط اشكر الله واستغفره، وهو سيسهل لك أمورك مهما كانت صعبة “.
مبهور، مندهش، من كلامها الرزين الذي شعر به يتغلغل لأعماق صدره ويريحه وهز رأسه بندم وخسارة، وقال يحدث نفسه، محظوظ من يكون زوجك، فتنهد بضيق وقال:
” أتعرفين، أحيانا أراك أكبر من سنك وأحيانا أراك طفلة، كيف تفعلين هذا؟؟ “.
رفعت كتفيها بعلامة عدم المعرفة وقالت:
” لا أعرف أنا هكذا!! “.
باغتها بسؤال آخر لم تتوقعه أبدا:
” مريم، هل تتزوجين من رجل يكون فارق السن بينكما كبيرا؟؟ “.
انتظر جوابها بلهفة، بأن يكون لا أوافق كي يرتاح ضميره المعذب بأنه يخفي أمرا يخص حياتها، لم تعرف ما سبب سؤاله العجيب وخمنت بأنه فقط يسأل
” في الحقيقة…”.
صمتت…
” أمممممم…أنا لا يهمني عمر الرجل، ما يهمني هو أن يكون رجل رزين محافظ على فروضه بار بوالديه، حسنا لا أقبل بأن يكون عجوزا “.
قهقهت بخفوت ثم عادت تستكمل:
” أممممم…أن يكون عمره بحدود الثلاثين “.
رفعت عيناها نحوه ثم ضيقتها فقالت بخبث:
” ماذا يا ابن العم، هل أحضرت لي عريسا كبير بالسن وتخشى أن أرفضه؟؟ “.
ماء بارد شعر به ينسكب على جسده هي لا تهتم ولا تفكر به، ولا يهمها إن تزوجت رجل آخر غيره والسن أبدا لم يكن حاجزا لها، فاهتمامها فقط بأن يكون رجل جيد. خرجت الجدة قاطعة حديثهما فنهضت مريم مستأذنه منهما لتتابع أعمالها.
” يا بنتي أرحمِ نفسك، فأنت ما تزالين متعبة ويدك تؤلمك، وثانيا ما فائدة الخادمة فأنا أدفع لها راتبا الضعف كي تعمل، ارتاحي قليلا “.
” أنا بخير أمي، وأنا لا أرهق نفسي والخادمة هي من تعمل “.
أخذت أنفاسا ثم أكملت حديثها..
” أمي، أنت تعرفينني لا أحب الجلوس دون القيام بأي شيء “.
” لا حول ولا قوة إلا بالله، افعلي ما تريدين، فالحديث معك لا طائل منه “.
شقت شفتيها ابتسامة آسرة واقتربت من جدتها وقبلت قمة رأسها، وقالت:
” الله يعطيك الصحة والعافية يا أمي ويطيل بعمرك “.
وقبل خروجها أوقفتها الجدة سائلة:
” أين حمود أنا لا أراه؟؟ “.
” أنه مع أصدقائه بالخارج وسيعود بعد قليل “
وخرجت
دخلت المطبخ واتكأت على الطاولة فاردة كفها عليه ناكسة الرأس ودمعة اخترقت أسوار عينيها تكسر فيهما القوة التي دائما ما تتسلحها بوجوده.
تحدث مع جدته قليلا ثم مع محمد بعد أن عاد للمنزل وسألهم إن كانوا يحتاجون شيء ما، ثم خرج مودعا إياهم على أن يراهم غدا بمنزل عائلته، فهم يقيمون حفل صغير لتهنئة شقيقته بقدوم مولودها.
وقف عند الباب عندما شاهد مريم تقف عند ورودها التي زرعتها تسقيهم وتهتم بهم، التفتت بعد أن شعرت بأن أحدهم يراقبها، التقت نظراتهما وتعجبت ما بداخل تلك العيون البنية من غرابة، نظر إليها بعيون غامضة وخارقة كست وجهها بحمرة الخجل، فتحديقه بها بهذه الطريقة يخيفها ويجعل جسدها مرتعشا لا تعلم لما، هي لا تهابه!!… إذا لما ينتفض جسمها عندما ينظر إليها؟!.
خرج سلطان بعد أن رماها بسهام نظراته، تراجعت للخلف وابتلعت لعابها وأخفضت أنظارها رحمة بقلبها الهائج بأعاصير هوجاء لا تستطيع احتمالها.