رواية صغيرة ناصر الأربعيني الفصل الحادي عشر
هدية الغريب – تابع الفصل العاشر
وقف إدوج بعيد وهو بيراقبها نايمة…
كل نفس منها كان بيوجع قلبه.
قرب من الطاولة الصغيرة اللي جنب الكنبة بهدوء…
وطلّع من جيبه علبة مخملية سوداء صغيرة.
جواها سلسلة دهب رفيعة جدًا، فيها حرف (A) مكتوب بخط راقي ومزين بحجر زجاجي أزرق بلون عيونها.
جنب العلبة، كتب ورقة صغيرة بخط إيده، كانت سطورها مرتجفة:
> *”للجميلة آيلا…
لو كنت أقدر أشيل عنك الوجع، كنت عملتها من غير تردد.
ارتاحي… أنا هنا.
إدوج.”*
حط الهدية والورقة بهدوء،
بص عليها للمرة الأخيرة…
وحس بخنقة في صدره، كأنه مش عايز يمشي.
خرج من الشقة من غير صوت، لكن ريحته والهدية سابوا أثر مش هيتنسي.
—
—
آيلا بدأت تفتح عيونها ببطء.
حست بثقل في جسمها…
رأسها وجعها شوية، بس الألم الأكبر؟ كان فـ قلبها.
الأيام اللي فاتت خلّتها تنهار.
رفعت إيدها ببطء،
تشد البطانية…
لكن في حاجة لفتت نظرها على الطاولة الجنبية.
علبة سوداء مخملية.
وصُرتها؟ مش غريبة عنها.
لأن دي نفس الهالة اللي دايمًا حساها في المعهد…
نفسه. إدوج.
مدّت إيدها بتردد، فتحت العلبة.
عينيها اتسعت.
سلسلة دهب ناعمة، عليها حرف (A)
يتلألأ بحجر صغير بنفس لون عيونها الرمادية الزجاجية.
إيدها رجفت…
وقلبها بدأ يدق بسرعة.
سحبت الورقة المرفقة،
بدأت تقرأ الكلمات…
وصوت إدوج تخيلته وهو بيقولها بنبرته الغليظة المهووسة.
> *”للجميلة آيلا…
لو كنت أقدر أشيل عنك الوجع، كنت عملتها من غير تردد.
ارتاحي… أنا هنا.
إدوج.”*
شهقت آيلا بصوت مكتوم.
مش عارفة هي خايفة؟ ولا مبهورة؟ ولا الاتنين معًا؟
+
عينها راحت فورًا على باب الشقة…
كأنها بتتأكد إنه فعلاً مش موجود.
بس حست بيه.
كأنه سايب جزء من جنونه معاها.
رفعت السلسلة ببطء…
قربتها من رقبتها،
وبدون ما تفكر… لبستها.
—
همسة داخلية:
> “ليه حسيت بالأمان… في أكثر شخص مرعب في حياتي؟
وليه حرف اسمي… على إيده؟”
الشمس كانت لسه طالعة، والهواء ناعم،
لكن قلب آيلا كان يدق بسرعة وهي داخلة باب المعهد بعد أسبوع غياب.
رغم كل حاجة،
رغم خوفها،
رغم كل علامات الاستفهام اللي محاصراها…
لبست السلسلة.
مش بس لبستها،
لأ… لبستها فوق الطرحة،
تظهر بوضوح…
كأنها بتقول للعالم:
“أنا شوفت إدوج… وأنا عارفة إنه شايفني دلوقتي.”
**
في ساحة المعهد،
كان واقف إدوج…
لبسه الأسود الرسمي، النظارات الشمس، السماعة في ودنه.
لكن أول ما عينه وقعت عليها؟
الدنيا كلها سكتت جواه.
آيلا…
الهادية، المسالمة، اللي غابت عنه أسبوع كان فيه بيعيش على حافة الجنون…
راجعة.
وإيه؟
لابسة السلسلة.
سلسلة هو اللي اختارها…
بإيده.
بجنونه.
عينه علقت على رقبتها.
مبقاش شايف غير حرف الـ”A”…
بيتلألأ على بشرتها النقية.
**
اقترب منها، ببطء…
كأنه بيقيس خطواته على أنفاسها.
هي شافته.
نظرت له بسرعة…
وبعدين بصّت في الأرض.
لكن متأخرة.
هو شاف كل حاجة.
وصل قدامها، وقال بصوت واطي، مبحوح، وخطر:
> “ما توقعتش… إنك تلبسيها.”
شهقت بخفة،
رفعت عيونها،
بس ما لحقتش ترد، قالها:
> “لبستِ اسمي على رقبتك يا آيلا…
وانتي مش فاهمة ده معناه إيه بالنسبة لي.”
**
جذبها بخفة من دراعها على جنب،
عيونه ما سابتهاش،
وشه ما بيتحكش…
لكن جوه قلبه، بركان هوس انفجر.
> “من النهارده…
أي حد يبصلك… أي حد يفكّر يقرّب…
هيموت قبل ما يرمش.
فاهمة؟”
سكت لحظة… قرب لودنها، وهمس:
> “طالما لبستِ اسمي…
بقيتي ليّا. للأبد.”