الرحيل ؟.. لماذا تشعر بالحاجة إليه رغم أنها لا تعرف عنه شيئا ؟
قال بلطف :- لم لا نسير قليلا ؟ يمكنك أن تفرغي غضبك كله علي ولن أمانع .. يمكنك شتمي إن رغبت أو ضربي .. أنا مستعد للاستماع إليك حتى تتعبي من الكلام
فوجئت بنفسها تستجيب له .. وخلال لحظات كانت تسير معه على الرصيف المحيط بالجامعة وهي تتحدث عن وفاة والدها كما لم تفعل مع غيره .. كان يطرح عليها الأسئلة بهدوء فتجيبه عنها بإسهاب .. وبين لحظة وأخرى كانت تصمت وقد خنقتها الدموع .. فلم يقاطعها مرة .. وعندما انتهت من الكلام تمتم:- لا أستطيع الادعاء بأنني أفهم مشاعرك .. فأنا لم أفقد بعد شخصا عزيزا ومقربا مني .. والداي لا يعيشان معي .. بل يقيمان على بعد آلاف الأميال وتفصل بيننا محيطات وقارات .. وأشعر بالفراغ والوحدة لغيابهما .. ولا أحتمل فكرة إصابة أحدهما بمكروه
كانت كلماته أشبه بالبلسم على روحها .. لماذا عليه
أن يكون المتفهم الوحيد لمشاعرها ؟ أدركت بأنها لأول مرة تعرف عنه شيئا غير اسمه .. فسألته بارتباك:- أين.. أين يقيمان
ابتسم ملاحظا ارتباكها وفال :- في الولايات المتحدة .. لقد ولدت هناك وعشت فيها معظم سنوات حياتي
:- ما الذي تفعله هنا إذن ؟
اتسعت ابتسامته وهو يقول :- هل من الغريب أن يستقر الإنسان في وطنه عندما يكون مستعدا لذلك؟.. كنت أحضر إلى هنا في طفولتي برفقة والدي لقضاء إجازة الصيف مرة كل بضعة سنوات .. كنت صغيرا .. وأشعر بالملل من هذه المدينة الصغيرة الهادئة والمفتقرة إلى الإثارة .. وأعد الأيام شوقا للعودة إلى الوطن كما كنت أحب أن أسميه .. وعندما كبرت تغير الأمر .. ما رأيك بأن نجلس قليلا ؟
أشار إلى مقعد خشبي ظللته شجرة كبيرة .. فلاحظت بأنهما قد ابتعدا كثيرا عن الجامعة .. وتوغلا داخل أحد الحارات الجانبية الهادئة .. قبلت دعوته وقد سيطر فضولها على تفكيرها الراجح .. وجلست إلى جانبه في المكان الهادئ حيث بدت أصوات السيارات بعيدة وكأنها قادمة من عالم آخر
أكمل كلامه قائلا:- بدأت الأمور تتغير هناك عندما كبرت قليلا .. العنصرية ضد العرب في ذلك المكان لم تعد محتملة .. في الجامعة .. كانت أصابع الاتهام تتجه فور حدوث أي مشكلة نحو الأقلية العربية والمسلمة مما استنفذ مني كل طاقة على الاحتمال
تمتمت :- لم أعرف بأن الحياة هناك صعبة إلى هذا