الفصل الأول: (الجزء الثاني)
أنهت طعامها وَصَلَّت فرضها ثم جلست تتابع أحد مواقع التواصل الاجتماعي بملل، بعد بضع دقائق ألقت الهاتف جانبا وهي تقرر الخلود إلى النوم، أوصدت باب الغرفة جيدا بالمفتاح والقفل الإضافي الذي قامت بتركيبه في اليوم السابق، سخرت مفكرة أنها إن كانت تمتن لزوجة خالها سيكون بسبب استغلالها في مختلف أنواع الأعمال، والآن تستطيع إتمام عدة مهام بدون الاضطرار للاستعانة بالعمال المُوَكلين بها.
اتجهت إلى النافذة لتغلقها لكن اجتذبتها أصوات شجار على مقربة منها بين أحد المراهقات وطفلا آخر يبدو أنه أخوها الأصغر لتجد نفسها_رغما عنها_ تتابعهما بفضول لم يكن يوما من شيمها.._ألا تفهم؟ إن ابتعت لك تلك الفطيرة لن يتبقى معنا ثمن إفطار الغد.
دق الطفل الأرض بقدميه وهو لا يبالي بنظرة أخته الصارمة:
_أنا جائع مها، أتمنى أن أتذوق مثلها، لقد رأيت اليوم “أنس” يأكل واحدة منها هو وأخيه وأخبرني أن طعمها لذيذ للغاية، أرجوكِ مها أريد واحدة ولن آكلها كلها.
ضغطت شقيقته أسنانها بغيظ وهي تنظر له شذرا:
_يا غبي افهم! أنس أبوه يعمل بوظيفة ثابتة، يستطيع أن يبتاع مثل تلك الفطائر كما يحلو له، لكن أنا أعمل ب”اليومية” ويجب توفير مصاريف علاج أبيك، إن ابتعت لك ما تريد الآن كيف سيتناول أبوك وأمك وإخوتك عشاءهم؟
انطلق الطفل في بكاء عنيف فَهَمَّت رهف بالتدخل قبل أن تعنفه أخته لكنها صمتت بانبهار وهي تراقبها تجلس أرضا على ركبتيها وتشد أخاها بين ذراعيها دامعة:
_لا تبكِ! كفى! سأبتاعها لك، أرجوك توقف عن البكاء فارس، لكن لا تخبر أمي كي لا تتشاجر معي، سنجلس هنا وننتظر حتى تنهيها كلها، اتفقنا؟
مسح الطفل وجهه بكفيه وهو يومئ برأسه إيجابا في لهفة واضحة بينما اتجهت أخته إلى المحل المتواضع وأحضرت له الفطيرة، ثم جلست بجانبه تمسح على شعره بحنان وهو يتناول طعامه بنهم.
كانت تحدق بهما والدمعات تترقرق من عينيها وهي لا تستطيع حرمان نفسها من مراقبة ذلك الحنان المشع، لتغرق فجأة في ذكرى مريرة تعتبرها من أسوأ ذكرياتها على الإطلاق.
قبل تسعة عشر عام:
هرولت إلى داخل المنزل وهي تحاول الوصول بأقصى سرعتها إلى غرفتها، وعندما اعتقدت أنها نجحت فإذا بيد غليظة قاسية تجذب جديلتها الطويلة بعنف لتتعالى صرخاتها:
_إلى أين تذهبين أيتها الحقيرة؟ لم أتم عقابك بعد.
التفتت رغما عنها بقوة الجذب وهي تحاول تخليص شعرها من يدها بلا جدوى:
_أنا آسفة زوجة خالي، أرجوكِ اتركي شعري، لن أعيدها.
صرخت المرأة بغل شديد:
_وهل تعتقدين أنني سآمن لك في بيتي بعد اليوم؟ ما أدراني أصلا أنها المرة الأولى؟ ستعيدينها وربما تفعلين الأسوأ.
استطاعت رهف الوصول إلى كف زوجة خالها الأخرى التي تضربها على ذراعها لتقبلها بتوسل عدة مرات متتالية صائحة:
_أقسم لكِ أنها المرة الأولى والأخيرة، أنا فقط كنت جائعة بشدة، وأنتِ حرمتِني من تناول الطعام منذ الأمس.
اهتاجت المرأة وهي تبعد كفها عن شفتي الفتاة بعد أن تساقطت دمعاتها فوقه لتمسحها في ملابسها بازدراء صارخة بها:
_ولم عاقبتك أنا يا وضيعة؟ ألم تزعجي ابنتي؟ ألم تتسببي في بكائها وتعنيف المعلم لها؟
تقطع صوتها وهي تجيبها بضعف:
_لم أقصد إزعاجها، لقد قلت لها أنني لا استطيع كتابة فرضها المنزلي لأن هذا غش، ثم إنها أكبر مني بثلاث سنوات وحتما المعلم سيكتشف.
هنا تدخلت ابنة خالها بِغِلّ هاتفة:
_لم يكن ليكتشف أبدا، فإن كان بكِ ميزة وحيدة هو حُسن خطك، كان يجب أن تطيعينني بلا نقاش، ألا يكفي أننا نتحملك في بيتنا؟
تحول بكائها إلى شهقات متقطعة من فرط ألمها وهي تتطلع إلى نظرات ابنة خالها الشامتة:
_آسفة، سأكتب لها كل فروضها إن أردتما، لكن أرجوكِ اتركيني زوجة خالي.
عاجلتها المرأة بضربة في بطنها وهي تصرخ بها:
_وماذا عن السرقة؟ كيف ستعالجين تلك المصيبة؟ وماذا سرقت منا من قبل؟كان يجب أن أتوقع أن تفعلي ذلك، فنبتة خبيثة مثلك يجب أن تصبح لصة، هذا أمر يسري بدمائك، انطقي! هل سرقتي منا أموالا من قبل؟
استطاعت أخيرا القفز بعيدا بعد أن خسرت عدة شعيرات في قبضة المرأة:
_أقسم مرة أخرى لم آخذ إلا تلك الشطيرة، حتى أنني لم استطيع أكلها وتخلصت منها، لا أريد أن يعاقبني الله، لا أريد أن آكل حراما.
بلهجة شيطانية مالت دينا على إحدى أذني أمها قائلة:
_كاذبة أمي، أنا بنفسي رأيتها تعبث في حافظة نقود أبي بالأسبوع الماضي، والله أعلم مَن سَرَقَت أيضا، من الممكن أن تفعلها خارج المنزل ونُفضَح بين الناس.
فغرت رهف فاهها مصعوقة وهي تحدق بابنة خالها وتساءلت كيف يمكن لأحد الكذب بتلك السهولة والتجني على غيره؟ في حين أنها ظلت عدة ساعات تشعر بذعر شديد من عقاب الله لها بعدما أخذت تلك الشطيرة التي كانت ابنة خالها ستتخلص منها على أي حال، حتى
أنها_برغم ألمها_ تشعر باستحقاقها التام لأي عقاب توقعه عليها زوجة خالها.
تحقق هدف دينا تماما وعيني أمها تتوحشان وهي تخلع خُفها المنزلي وتهجم على رهف لتضربها بدون كلل لدقائق متواصلة دون أن تهتز بها شعرة لصرخات الطفلة اليتيمة.
مسحت دمعاتها وهي تراقب انصراف الطفل برضاء تام مع شقيقته فشعرت بغبطة من هالة الحنان
المحيطة بهما، اجتذبت شهيقاً عميقا وهَمَّت بإغلاق النافذة حينما تدلى فكها السفلي بذهول وهي تحدق بصاحب السيارة الرمادية الذي يستند على بابها الجانبي ويراقب_معها_ الطفل وشقيقته، لا تعلم كم دقيقة مرت وهي على حالتها تلك، إلا أنها حينما التفت هو إليها توقفت أنفاسها في حلقها وهي تتطلع إلى الابتسامة البسيطة التي واجهها بها.
بارتباك وذعر أغلقت نافذتها ثم هرولت إلى الباب ودفعت المقعد الوحيد وأسندته خلفه، عادت مرة أخرى تتلفت حولها ودمعاتها تتجمع بعينيها ثم انطلقت إلى الطاولة_التي أصبحت بثلاثة أرجل فقط_ ووضعتها فوق المقعد خلف الباب وهي تعلم في قرارة نفسها أنها ليست بالإضافة ذي القيمة، كانت تدور حول نفسها تحتضن ذراعها المتيبسة حينما انطلق صوت رنين هاتفها.
ببطء ووجه شاحب اتجهت إليه وحينما التقطته ازداد عنف تنفسها رامقة ذلك الرقم الذي هاتفها مرة واحدة من قبل، حاولت بأناملها المرتجفة أن تلغي الاتصال لكنه صمت فجأة، وبمجرد أن تنفست ببعض الراحة الظاهرية حتى عاد الاتصال أكثر إصراراً، ظلت محدقة في الهاتف بلا رد فعل حقيقي حتى صمت مرة أخرى.
دقيقة مرت..
دقيقتان..
ثلاثة..
ثم صوت رسالة نصية!
تسمَّرت بموضعها وجسدها بأكمله يرتجف وهي ترمق الهاتف المضيئة شاشته دلالة على انتظار الرسالة لقراءتها، دفعت أناملها دفعاً حتى فتحتها وأصوات أنفاسها المرتعبة تعلو على أصوات
الضوضاء بالخارج، تلك الأنفاس التي توقفت تماما لتحل محلها شهقة خافتة وهي تعيد قراءة الرسالة ذات الكلمة الواحدة مرارا وتكرارا:
“سأعوضك!”
ألقت الهاتف على الفراش وهي تنخرط في بكاء مذعور رافقته ارتعادة عنيفة بجسدها، وبعد أن تظاهرت بالهدوء قليلا اتجهت إلى النافذة مرة أخرى، ثم تطلعت إلى الشارع من خلال أحد الشقوق في أخشابها، لكنها لم تجد السيارة الرمادية الفاخرة، ولا صاحبها!
**********
في اليوم التالي كانت تتلفت حولها بتوتر شديد، منذ خروجها صباحا لم تترك أي شخص يمر بجوارها دون تدقيق النظر به، تشعر أن ذلك الرجل حولها طوال الوقت وفي كل مكان، صداع عنيف أخذ يطرق رأسها
مصحوبا بدوار بسبب عدم نومها منذ الأمس، خرجت من المعهد مُغمضة عينيها بتعب فلم تنتبه لذلك الجسد الذي اصطدمت به، بسرعة فتحت عينيها لتجد أمامها امرأة شابة جميلة بعينين عسليتين تنظران إليها بقلق فسارعت بالاعتذار:
_آسفة جدا.
ابتسمت المرأة قائلة:
_لا عليكِ، لم يحدث شيء، هل أنت بخير؟
بادلتها رهف الابتسامة بضعف:
_الحمد لله، شكرا لكِ، مجرد دوار بسيط.
بنبرة مهتمة خاطبتها المرأة:
_هل تريدين الذهاب إلى مكان معين؟ أستطيع أن أقلك إن أردتِ.
اتسعت ابتسامتها وهي تجيبها برقة:
_شكرا لكِ، سأستقل الحافلة من الموقف القريب، أستأذنك.
ابتسمت لها المرأة برسمية فأولتها رهف ظهرها، وابتعدت خطوتين عندما أوقفها نداء المرأة:
_لو سمحتِ!
التفتت لها رهف بابتسامة متسائلة فأقبلت عليها مُتسائلة باهتمام:
_هل تَدرُسين بذلك المعهد؟
أجابتها رهف:
_لا أنا أقوم بالتدريس للطلاب هنا.
ابتسمت المرأة بحرج قائلة:
_عذرا اعتقدت أنك صغيرة بالسن.
ثم بفضول أضافت متسائلة:
_كم عمرك؟
وعلى النقيض من معظم النساء أجابت رهف ببشاشة:
_خمس وعشرون.
ضحكت المرأة بحرج:
_آسفة جدا، أعلم أنه سؤال لا يليق.
ردَّت رهف بابتسامة فتابعت المرأة:
_طفلي عمره ستة سنوات وهو لا يحب اللغة الإنجليزية، ولي صديقة رشحت لي هذا المعهد، لهذا جئت أستفسر ربما يستطيع المعلمون جعله يحبها، هل يقبلون هنا بذلك السن؟
ظهر الاهتمام على وجه رهف أثناء قولها:
_بالطبع، هناك دورات متخصصة في عمر ولدك، تستطيعين الحجز بالداخل، اذهبي إلى مكتب الاستقبال والموظفة ستخبرك بكل التفاصيل.
ابتسمت المرأة بامتنان وهي تمد يدها مصافحة إياها:
_ شكرا آنسة…
مدت رهف يدها لتبادلها مصافحتها مبتسمة:
_رهف، اسمي رهف.
حدقت المرأة بعينيها بابتسامة جميلة:
_ جميل اسمك، شكرا آنسة رهف.
أومأت رهف برأسها ثم انصرفت مودعة، وبالرغم من بعض الاطمئنان الذي تسلل إليها بعد ذلك الحوار القصير، إلا أن الخوف عاد يكتنفها وهي تتلفت حولها، لكن لحسن حظها_أو لسوئه لا تعلم_ يبدو أنه غير متواجد حولها اليوم.
**********
فتحت شروق باب المنزل بتجهم بعد الرنين المُلِح لتجد أمامها السيدة أم محمود بابتسامتها اللزجة وعينيها اللتين تسبقانها إلى أركان الشقة، رسمت ابتسامة مفتعلة قائلة:
_أهلا أم محمود،كيف حالك؟
دفعتها المرأة بخفة ودخلت بدون دعوة ثم جلست على أقرب أريكة:
_بخير أم دينا، لقد اشتقت إليكِ بشدة، كيف حالك؟ وكيف حال دينا الآن؟ لقد حزنت بشدة من أجلها، أخبريني! ألم يحاول طليقها التواصل معكم مجددا؟ أرجو ألا تردوه.
تأففت شروق بدون صوت وهي تتجه إليها ثم جلست على المقعد المقابل لها وتكافح كي لا يظهر الضيق على وجهها:
_دينا ابنتي يتمناها الأفضل، وبالفعل يأتي الكثير طالبين لها، لكن هي من لا تريد الارتباط الآن، لقد ضيق معيشتها وأصابها بالنكد ذلك البائس.
نظرت لها المرأة بلوم أو ربما شماتة قائلة:
_لقد حذرتك يا شروق، قلت لك إن ذلك الرجل لا يناسبها، ابنتك جميلة ومنطلقة وتحب الحياة، بينما يبدو هو وكأنه أفندي هارب من حقبة الخمسينيات، وقد كان من الواضح تعلقه الشديد بأمه، لكن هي من تشبثت به، هل ظنَّت حقا أن كونه طبيبا سيجعله ينزهها كل أسبوع في بلد مختلف؟! كم كان راتبه على أية حال؟
رمقتها شروق بغيظ شديد وهي تجيبها:
_لا أعلم أم محمود.
ثم تابعت بضجر:
_هو لم يخبرها في الأصل عن راتبه، لكنها أخبرتني أنها رأته يعطي والده بعض النقود أكثر من مرة.
ضربت المرأة صدرها بكفها ثم هتفت بذهول:
_يا لخيبة ابنتك يا شروق! كيف عاشت معه لثلاث سنوات كاملين ولم تعلم أبدا مقدار راتبه؟! وكيف قبلت بإنفاقه على أهله وهي أولى بتلك النقود، ألا يتقاضى أبوه معاشا ما؟!
ردت شروق بنبرة حانقة:
_بلى يتقاضى، لكنه أيضا يتناول علاجا باهظا وأنتِ تعلمين حالة والدته أيضاً، وربما لا يكفيهما ذلك المعاش.
عبست أم محمود هاتفة باعتراض:
_وما ذنب دينا؟! هل يصح أن يأخذ بنات الناس من بيوتهن كي يرهقهن؟!
هزت شروق كتفيها باستسلام لا تجد ردا فتابعت المرأة بنبرة هامسة:
_اسمعي! لقد علمت اليوم أن شقيق السيدة منال يبحث عن عروس، ولأني أحب دينا وأعتبرها مثل بناتي فقد قفزت الفِكرة إلى رأسي الآن، عسى أن يكون عوضا لها عم عانته مع ذلك الرجل.
اتسعت عينا المرأة بدهشة وهي تجيبها:
_أخ السيدة منال؟!! من تقصدين؟ هشام؟! إنه أصغر من دينا!
توترت عينا أم محمود ثم تنحنحت:
_أعلم أن هشام أصغر من دينا، لكني لم أقصده هو.
ضيقت شروق عينيها بعدم فهم ثم ما لبثت أن فتحتهما على اتساعهما وهي تفغر فاهها بصدمة:
_أنتِ لا تقصدين طارق بالطبع، أليس كذلك؟
تهربت أم محمود بعينيها إلى الجدار المقابل ثم أجابتها بنبرة ضعيفة:
_وما به طارق؟! لديه ورشتين وعلمت أنه يسعى لافتتاح الثالثة، سيجعل معيشتها مزدهرة وسَيُلَبِّي كل طلباتها.
هتفت شروق بها وهي تهب واقفة:
_هل جننت يا امرأة؟! إنه أكبر منها بعشرين عاما ولديه أربعة أولاد.
جذبتها أم محمود لتجلسها بجانبها وهي تخاطبها بتمهل:
_أنصتي جيدا يا شروق! الرجل ثري وأرمل ويبحث عن زوجة، وأولاده بالفعل يتحملون مسئولية أنفسهم منذ وفاة والدتهم، ما يضيرها إن تنعمت هي بذلك الرغد؟
نظرت لها شروق بتمعن فعاجلتها المرآة بنبرة حازمة خافتة:
_لا ترفضي فورا! فكري مليا وربما يكون هو العوض بعد ذلك الفقر المدقع الذي عاشته مع ذلك المعقد.
تابعت أم محمود عد مميزات ذلك العريس”اللقطة” بينما شردت شروق وهي تفكر في كلامها، وتتخيل مستقبل ابنتها إن استطاعت اقناعها، فقط بعد أن تقتنع هي أولا، وربما قريبا ستفعل!
**********
فتحت الباب بلهفة بعد أن تأكدت أن خالها هو من ينتظر خلفه، وعلى الفور ألقت نفسها بين أحضانه وتساقطت دمعاتها على صدره وهي تشدد ذراعها اليمنى حول ظهره، بضعة دقائق مرت وهو يربت عليها بقلق شديد ثم أبعدها عنه برفق وهو ينظر إليها بقلق هاتفا:
_ما بكِ حبيبتي؟ ماذا حدث؟ هل ضايقك أحد ما؟
مسحت وجهها بكفيها وهي تفتعل ابتسامة بصعوبة ثم أجابته بخفوت:
_لا شيء، فقط اشتقت إليك.
تفحص خالها هيئتها من منبت شعرها حتى أخمص قدميها بتمعن ثم توقفت نظراته عند ذراعها اليسرى ورفع عينيه إليها مرة أخرى متسائلا بقلق:
_هل..هل توقفت ذراعك مرة أخرى؟
تهربت بعينيها منه وهي تجذب يده إلى الداخل متجاهلة سؤاله، ثم خاطبته بمرح مصطنع:
_اجلس صلاح وسوف أقوم بإعداد القهوة التي تحبها من يدي.
ما إن أولته ظهرها حتى جذبها من ذراعها اليمنى آمرا إياها بنبرة صارمة:
_الآن ستخبرينني ماذا حدث لتتوقف ذراعك عن الحركة، لقد ظننت أن تلك المشكلة انتهت منذ زمن.
جلست صاغرة على الأريكة وهي تزفر بيأس، هل تخبره؟ بم تخبره؟! “لا شيء خالي، مجرد رجل غامض يراقبني بكل مكان ويعلم عني كل شيء، كما أنه أرسل لي رسالة نصية لا استطيع تصنيفها تحت نوع التهديد، لكنها ترعبني وتسرق النوم والتركيز مني!”
استطاعت اجتذاب ابتسامة مرتجفة وهي تجيبه:
_لا شيء، أنا فقط أشتاق إليك جدا، أشتاق لغرفتي الصغيرة، ولا أعلم إن كنت ستصدقني عندما أخبرك بأنني اشتقت أيضا لزوجتك التي تكرهني ولابنتك التي تقيم الأفراح بعد رحيلي!
حدق بعينيها محاولا سبر أغوارها وهو يكاد يقسم أن هناك ما تحاول إخفاءه، لطالما فشلت في الكذب منذ صغرها، لطالما كانت كصفحة الماء الرقراق العذب أمامه، بنظرة واحدة إليها يستطيع معرفة إن كانت مهمومة أم سعيدة، ويا لندرة تلك المرات التي سعدت بها!
_رهف! أنا لازلت خالك، يجب أن تخبريني بما يشغلك.
بلهفة قبَّلت كفاه ثم أجابته بِحُب:
_بل أنت أبي وصديقي، الوحيد الذي أثق به في هذه الدنيا، وبالنسبة لذراعي لقد توقَّفَت فور انتقالي بسبب حداثة الأمر، لكن أنظر! لقد بدأت بالتحرك ببطء مجددا، وفي غضون أيام ستشفى تماما، أنت تدرك أن تلك الحالة عارضة وستنتهي وحدها بالتدريج فلا داع للقلق.
بالفعل حركت رسغها بضعف متغلبة على ألمها لينظر إليها بعدم رضى، قَبَّلته مرة أخرى على وجنته ثم استقامت مسرعة واتجهت إلى ركن المطبخ الملحق بالغرفة لتعد له القهوة.
“لِمَ لا تخبرينه يا حمقاء؟! هو ولي أمرك الوحيد ويستطيع حمايتك من ذلك الذي يطاردك!”
زفرت بتعب وهي تضع الدَلَّة على الموقد البسيط ناهرة نفسها بحزم:
“هل أصبحت معتوهة تماما؟! أهو يستحق منك توريطاً في مشاكلك المبهمة؟ ألا يكفيه ما حدث له قريباً بسببك؟ماذا إن أخبرتيه وتطور الأمر ليكتشف أن الموضوع في النهاية مجرد تسلية شائعة من أحد فارغي العقل الذين يشعرون ببعض الملل؟”
سَكَبَت القهوة داخل الكوب الزجاجي الصغير اللامع وتقدمت إلى خالها الذي تناوله منها بلهفة واضحة فابتسمت بشقاوة:
_مهلا صلاح سيتلاشى وجهها!
ارتشف بعضا منها مغمضا عينيه باستمتاع ثم فتح عينيه مبتسما:
_مهما تعددت الأماكن التي أشرب بها القهوة، لا أشعر بلذة بها إلا من يديك أنت.
ابتسمت بفخر شديد مفضِّلة مراقبته في صمت حنون على التفوه بأية كلمات تفصل عنها متعة رفقته القصيرة، ثم لفت انتباهها بعض الأكياس البلاستيكية بجوار الباب فعقدت حاجبيها بنزق:
_ما هذا صلاح؟ ما الذي جلبته معك؟ أنا لا أحتاج شيئا.
أطرق برأسه في صمت لِثوانِ ثم رمقها بأسف مُردداً بِخفوت:
_أعلم رهف، أدرك تماما أنكِ لن تطلبي مني شيئا كما اعتدتِ طوال عمرك، لكن لا تحرميني من إحساسي بأبوتي لك ولا تعاقبيني على تركي إياك!
ترقرقت عيناها وهي تنظر له بحب:
_كم مرة يجب علي أن أخبرك أنك بالفعل أبي؟ ألا تعلم خالي أنني لولاك لَصار مصيري مُظلما منذ زمن؟ ألا تعلم أنك أنقذتني من أسوأ كوابيسي؟ ألا
تعلم أن حتى ما كان يحدث لي في بيتك أنا أعتبره نعمة مقارنة بما كنت سأتعرض له خارجه؟ اسمعني خالي وأنصت إليَّ جيدا لأنني لن أكرر ذلك ثانية، أنت لم تُقَصِّر معي أبدا بأي شيء، لا بالحنان ولا بالاهتمام ولا بالماديات، أنظر إليَّ! أنا الآن معلمة في مكان مرموق ولي مكانتي بين الجميع، ما ضرَّني إن عشت بمفردي؟ لا تعتقد أن ذلك الوضع أنت المتسبب به على الإطلاق، انتقالي كان سيحدث آجلاً أم عاجلاً، وزوجتك مشكورة أنها تحملتني طوال تلك السنوات، لا تبتئس أرجوك!
ربت عليها بحنان جارف وهو يداري عينيه المتحرجتين عنها فأسرعت بتغيير الموضوع:
_ألم يحاول حمزة الرجوع إلى دينا؟
عقد حاجبيه بضيق وهو يزفر بِضيق:
_لا، لم يحاول أبدا، وعلى ما يبدو أن دينا أيضا لا تهتم بذلك، من الواضح فعلا أنهما لا يستطيعا التفاهم سويا، فهي ذكرت أنه متشدد ويضيق عليها معيشتها بدون توضيح، وبالرغم من إلحاحي عليه هو أن يخبرني بسبب انفصالهما إلا أنه كان مُتحفظا بشدة وهو يؤكد على اختلاف شخصيتيهما، لكنني متأكد رهف أن هناك سببا قويا خلف الطلاق.
هزت رهف كتفيها وهي تجيبه:
_ربما اختلافهما تسبب في استحالة معيشتهما، فنحن لم نعرف عنه ما يسوءه طوال السنوات الثلاث، وبما أن الانفصال تم بِرُقِي ودينا ليست حزينة أو نادمة فلا تهتم، عسى الله أن يعوضهما مع آخرين.
أومأ صلاح رأسه إيجابا بشرود ثم تجاذب معها أطراف الحديث عن عملها وكيفية قضاء يومها ثم
وعدها باصطحابها في نزهة بأقرب وقت، وبعد ساعتين انصرف مودعا تاركا إياها في حالة من الهدوء النفسي لتدلف إلى فراشها متهربة من أية أفكار تعبث بسلامها المؤقت.
**********
أغلق الباب والتفت بتثاقل ليجدها تناظره باستفهام متخصرة، استغفر ربه سرا وهو يغمض عينيه متضرعا الصبر ثم فتحهما ليبتسم بتكلف مُحيياً:
_السلام عليكم، كيف حالك شروق؟
بنبرة محذرة أجابته:
_أين كنت؟ لقد اتصل بك صديقك أشرف وسألني عنك لأعلم منه أنك انصرفت مبكرا من العمل؟إلى أين ذهبت يا صلاح؟
تجاوزها بغيظ وهو يجيبها ببرود:
_هل تحققين معي شروق؟! لكني سأجيبك، كنت أطمئن على رهف.
ألقت ذراعيها جوارها وعيناها تتوسعان بدهشة غاضبة:
_ماذا؟! أذهبت لزيارتها بعدما حدث؟ ألم نتخلص منها ومن المصائب التي تلاحقها؟
استدار إليها هاتفا بحنق:
_شروق! إنها ابنة أختي وأنا أحق الناس بالاهتمام بها، ألا يكفيكِ أنني أطعتك وتركتها ترحل لتقيم وحيدة؟ ألا يكفيك أنني أكاد أن أُجن كلما تخيلت كلام الناس عنها؟ لِمَ تكرهينها بذلك الشكل؟ بِمَ آذتكِ أنت وابنتك؟
تراقص الحقد في مقلتيها وهي تجيبه بحنق:
_هي ابنة أختك أنت ولا تخصني بشيء، أنا ليس لدي إلا ابنة واحدة، تلك التي ربما تسببت مدللتك في إفشال زواجها.
حدق بها بدهشة:
_ماذا تقصدين؟ ما علاقة رهف بطلاق دينا؟! لا أفهم.
بفحيح غاضب اقتربت منه وهي تحاول بث سمومها داخل عقله:
_أنت لا تفهم لكنني أنا أفهم جيدا، لقد رأيت نظرات حمزة لها كلما جاء إلى زيارتنا مع دينا، وأنت بنفسك حضرت بعض تلك المناقشات بينهما من قبل، الآن اجزِم بأن الهانم قد تسببت في طلاق ابنتي الوحيدة، لكنك أنت من تصر على صم أذنيك أمام أي شيء يظهرها على حقيقتها أمامك.
تعالى صدره وهبط في تنفس سريع وهو ينظر لها بذهول، ربما لو كان وضع أسرته هادئاً تلك الآونة لاستطاع تهذيبها كما يجب، لكن للأسف هو مضطر للصمت كعادته من أجل ابنته، اقترب منها والشرر يقفز من عينيه قفزا مُرددا بخفوت:
_أتعلمين يا شروق؟ لطالما خفت من أن تقع الغيرة في قلب رهف تجاه دينا، فابنتنا لديها منزل مستقر ووالدين يحبانها ومكانة عالية بين الجميع، لكن ما حدث هو العكس، أنت وابنتك تغاران من تلك المسكينة أشد الغيرة، علام كل ذلك؟! انظري لحالها! أنتِ بنفسك لتوك اعترفتِ بأن المصائب تلاحقها وهي الآن وحيدة تماما، ألا تدركين بِمَ أشعر لفكرة اقتحام أحدهم تلك الغرفة الوضيعة التي هربت منكما إليها؟ ألا تشعرين ولو بقدر قليل من القلق على فتاة عاشت أكثر من عشرين عاما تحت سقف بيتك والآن
لن نعلم إن حلت بها مصيبة وهي بمفردها ونحن هنا نجتمع ثلاثتنا معا مُستمتعين بالأمان؟
تهربت بعينيها منه بتوتر وهي ترد بتخاذل:
_أنا تحملتها لسنوات، لكن ما حدث مؤخرا كان يجب وضع حد له و…..
قاطعها بصرامة:
_ما حدث مؤخرا.. نعم ..بالحديث عن ذلك، هل أنت بريئة منه تماما يا زوجتي العزيزة؟
شحُب وجهها وجذبت إحدى خصلاتها تضعها خلف أذنها بأنامل مرتجفة:
_م.. ماذا تقصد؟
بإزدراء أجابها:
_تفهمين قصدي جيدا شروق، إن كنتِ تظنين أني أطعتك مضطرا فأحب إعلامك أنكِ مخطئة، أنا لم أدع رهف ترحل من هنا إلا خوفا عليها من مكائدك أنتِ وابنتك، أعلم أنكما لن تتوقفا عن أذيتها، وربما الشرور الموجودة بالخارج أرحم من كلتاكما.
صرخت بتوتر :
_أنت تتعمد مضايقتي حتى تجبرني على إعادتها، أليس كذلك؟
ضحك عاليا بسخرية أثارت دهشتها، ثم مال برأسه أمام عينيها يحدق بهما:
_أتظنين أنها قد تعود إلى ذلك البيت؟ أستطيع أن أقسم لك بالعكس تماما، رهف تخلصت من قيدك وأنا لن أقبل لها المذلة والإهانة هنا ثانية.
أولاها ظهره واتجه إلى غرفته ثم توقف أمام بابها واستدار إليها مرة أخرى مخاطبا إياها بصرامة أرعبتها:
_حمزة لم يحب دينا، ودينا لم تر فيه سوى الواجهة المميزة، لقد ظنت أنها ستفترش الأموال وصُدِمَت بالعكس عندما علمت بمساعدته المستمرة لأهله، هو رجل دمث الخُلُق وأنتِ تعلمين ذلك، كان متعاطفا بشدة مع رهف وعندما رأى معاملتك أنتِ وابنتك لها أراد إشعارها بقيمتها، لم يراها يوما أبعد من أخت له، ولكم تمنيت إن كان لي ابن أن يكون مثله، لِذا فتفكيرك المريض هذا لا تقحمي رهف به.
أنهى عبارته ودلف إلى غرفته صائحا من الداخل:
_أرجو أن توصلي تحياتي إلى أم محمود!
زفرت بِغِل شديد وهي تضغط أسنانها بشدة متوعدة تلك الفتاة إن فكرت بالعودة مرة ثانية.
**********
بعد أسبوع:
تقلب قنوات التلفاز بشرود شديد، اليوم عطلتها وقد انقضى وهي لا تجد أي نشاط تفعله سوى الجلوس بغرفتها بملل، فكرت في الخروج قليلا لكنها تراجعت فورا وهي تشعر برفض الفكرة ليلح عليها سؤال واحد طالما أرقها: لِمَ لا تستطيع عقد صداقات مثل معظم الفتيات؟ زفرت بضيق وهي تتهرب من الإجابة فارضة نهيا حازما على نفسها:”أنتِ لن تحتاجي لأي صديقات، وحدِك آمنة تماما!”، فقط لو يستطيع خالها الحبيب زيارتها مرة أخرى!
استرعى انتباهها رنين هاتفها فقفزت تتناوله مبتسمة، دائما ما إن تفكر به حتى يشعر بها، وعلى الفور ماتت الابتسامة على شفتيها وهي تتطلع إلى الرقم الذي ظنت أن صاحبه قد مَلَّ لُعبته الجديدة، بهدوء وضعت الهاتف على الطاولة وهي تنظر له بترقب حتى صمت، لكن طالبها كان أكثر إصرارا تلك المرة، فقد أعاد الاتصال مرتين أتبعهما برسالة نصية عندما أدرك أنها لن تجيب.
فتحت هاتفها لتتسع عيناها بذعر والكلمات تغزو عقلها ببطء، بينما ترى عبارة “يكتب الآن” لتزيد من ذعرها:
“أنتِ تُدركين أنني أستطيع أن أصل إليكِ في أي وقت وفي أي مكان، أليس كذلك رهف؟”
وبينما لاتزال تحاول استيعاب الرسالة الأولى عاجلها بالثانية:
“هيا رهف! أنتِ لن تجعلينني آتي إلى_لِنَقُل منزلك_ في تلك الساعة!”
والثالثة قطعت صيحتها الضعيفة:
“يجب أن نتحدث الآن، لن أنتظر أكثر.”
امتدت أناملها إلى الهاتف تكتب بارتجاف:
“ماذا تريد مني؟”
ليعود الرنين أقوى بين يديها، فازدردت لعابها وأجلت حنجرتها وهي تجيب الاتصال متسلحة بقوة واهية مكررة سؤالها الوحيد:
_ماذا تريد مني؟
أتتها الإجابة الخافتة فورا بدون مواربة لتعقد لسانها:
_أُريدِك!
ثم تابع بنبرة رجولية خشنة لا تعلم لِمَ يُثيرها الحزن بها:
_أريدك رهف، أريد رؤيتك، أريد تعويضك، أريدك معي دائما وإلى جانبي.
وقبل أن تنجح بالنطق بادرها:
_أنا لا أريد بكِ شرا رهف، أنتِ غالية، لا تدركين كم أنتِ غالية!
أخيرا خرج صوتها الضعيف مهددا بوهن:
_اسمع يا هذا! أنا لن أقبل بتلك الوقاحة، وأنت لن تتصل بي مرة أخرى، وإلا سأخبر الشرطة، وأنت تعلم أنهم سيصلون إليك ويشبعونك تعذيبا.
ضحكة خشنة انطلقت منه جعلتها تصمت تماما بدهشة وهو يخاطبها:
_يا إلهي أنتِ حقا ممثلة فاشلة!
ثم تابع بنبرة جادة:
_أنصتي جيدا رهف، ذلك الوضع لن يستمر طويلا، قريبا ستكونين معي ولن يفرق بيننا أحدا، وحتى ذلك الوقت اعتني بنفسك جيدا، إلى اللقاء.
حدقت في هاتفها بصدمة ثم ألقته برعب وهي تبكي بشدة، ثم هبت واقفة وهي تصل إلى الحل الوحيد…
سترحل من هنا؛
ستبحث عن غرفة أخرى وترحل قبل أن يؤذيها ذلك الغريب!
**********
وعلى الطرف الآخر وقف هو مُحدِّقا بِشرود بالحديقة الخارجية من نافذة غرفته، يلوم نفسه بشدة فهو يشعر برعبها الجلي، يعلم أنه تعجل بملاحقتها لكنه تصرف رغما عنه، فلم يستطع الانتظار أكثر، يكاد أن يُجن بعدما رأى المكان الذي تقطن به، قليل من الوقت فقط هو ما يريد، وبعدها لن يتركها وبصدره نفس يتردد.
فَك عقدة حاجبيه وابتسم رغما عنه وهو يستمع إلى الصيحة الطفولية القادمة من الحديقة:
_أنظر أبي! لقد أصبحت ماهرا في تلك اللعبة!
اتسعت ابتسامته بحنان وهو يجيبه:
_أحسنت إياد! ستنافسني بها بكل تأكيد.
بلهجة متوسلة صاح الطفل:
_إذن انزل أبي لتلعب معي، أرجوك!
مد يده ليغلق النافذة مبتسما وهو يرد:
-كما تريد إياد، لكن حذار من البكاء عندما أهزمك!
استدار مبتسِما ليتخشب جسده بأكمله وتنمحي ابتسامته فورا وهو يحدق بالعينين العسليتين الدامعتين تنظران إليه بحسرة، وبنبرة خافتة مُتكسِّرة بادرته:
_أتخونني عَمَّار؟!
أنهت طعامها وَصَلَّت فرضها ثم جلست تتابع أحد مواقع التواصل الاجتماعي بملل، بعد بضع دقائق ألقت الهاتف جانبا وهي تقرر الخلود إلى النوم، أوصدت باب الغرفة جيدا بالمفتاح والقفل الإضافي الذي قامت بتركيبه في اليوم السابق، سخرت مفكرة أنها إن كانت تمتن لزوجة خالها سيكون بسبب استغلالها في مختلف أنواع الأعمال، والآن تستطيع إتمام عدة مهام بدون الاضطرار للاستعانة بالعمال المُوَكلين بها.
اتجهت إلى النافذة لتغلقها لكن اجتذبتها أصوات شجار على مقربة منها بين أحد المراهقات وطفلا آخر يبدو أنه أخوها الأصغر لتجد نفسها_رغما عنها_ تتابعهما بفضول لم يكن يوما من شيمها.._ألا تفهم؟ إن ابتعت لك تلك الفطيرة لن يتبقى معنا ثمن إفطار الغد.
دق الطفل الأرض بقدميه وهو لا يبالي بنظرة أخته الصارمة:
_أنا جائع مها، أتمنى أن أتذوق مثلها، لقد رأيت اليوم “أنس” يأكل واحدة منها هو وأخيه وأخبرني أن طعمها لذيذ للغاية، أرجوكِ مها أريد واحدة ولن آكلها كلها.
ضغطت شقيقته أسنانها بغيظ وهي تنظر له شذرا:
_يا غبي افهم! أنس أبوه يعمل بوظيفة ثابتة، يستطيع أن يبتاع مثل تلك الفطائر كما يحلو له، لكن أنا أعمل ب”اليومية” ويجب توفير مصاريف علاج أبيك، إن ابتعت لك ما تريد الآن كيف سيتناول أبوك وأمك وإخوتك عشاءهم؟
انطلق الطفل في بكاء عنيف فَهَمَّت رهف بالتدخل قبل أن تعنفه أخته لكنها صمتت بانبهار وهي تراقبها تجلس أرضا على ركبتيها وتشد أخاها بين ذراعيها دامعة:
_لا تبكِ! كفى! سأبتاعها لك، أرجوك توقف عن البكاء فارس، لكن لا تخبر أمي كي لا تتشاجر معي، سنجلس هنا وننتظر حتى تنهيها كلها، اتفقنا؟
مسح الطفل وجهه بكفيه وهو يومئ برأسه إيجابا في لهفة واضحة بينما اتجهت أخته إلى المحل المتواضع وأحضرت له الفطيرة، ثم جلست بجانبه تمسح على شعره بحنان وهو يتناول طعامه بنهم.
كانت تحدق بهما والدمعات تترقرق من عينيها وهي لا تستطيع حرمان نفسها من مراقبة ذلك الحنان المشع، لتغرق فجأة في ذكرى مريرة تعتبرها من أسوأ ذكرياتها على الإطلاق.
قبل تسعة عشر عام:
هرولت إلى داخل المنزل وهي تحاول الوصول بأقصى سرعتها إلى غرفتها، وعندما اعتقدت أنها نجحت فإذا بيد غليظة قاسية تجذب جديلتها الطويلة بعنف لتتعالى صرخاتها:
_إلى أين تذهبين أيتها الحقيرة؟ لم أتم عقابك بعد.
التفتت رغما عنها بقوة الجذب وهي تحاول تخليص شعرها من يدها بلا جدوى:
_أنا آسفة زوجة خالي، أرجوكِ اتركي شعري، لن أعيدها.
صرخت المرأة بغل شديد:
_وهل تعتقدين أنني سآمن لك في بيتي بعد اليوم؟ ما أدراني أصلا أنها المرة الأولى؟ ستعيدينها وربما تفعلين الأسوأ.
استطاعت رهف الوصول إلى كف زوجة خالها الأخرى التي تضربها على ذراعها لتقبلها بتوسل عدة مرات متتالية صائحة:
_أقسم لكِ أنها المرة الأولى والأخيرة، أنا فقط كنت جائعة بشدة، وأنتِ حرمتِني من تناول الطعام منذ الأمس.
اهتاجت المرأة وهي تبعد كفها عن شفتي الفتاة بعد أن تساقطت دمعاتها فوقه لتمسحها في ملابسها بازدراء صارخة بها:
_ولم عاقبتك أنا يا وضيعة؟ ألم تزعجي ابنتي؟ ألم تتسببي في بكائها وتعنيف المعلم لها؟
تقطع صوتها وهي تجيبها بضعف:
_لم أقصد إزعاجها، لقد قلت لها أنني لا استطيع كتابة فرضها المنزلي لأن هذا غش، ثم إنها أكبر مني بثلاث سنوات وحتما المعلم سيكتشف.
هنا تدخلت ابنة خالها بِغِلّ هاتفة:
_لم يكن ليكتشف أبدا، فإن كان بكِ ميزة وحيدة هو حُسن خطك، كان يجب أن تطيعينني بلا نقاش، ألا يكفي أننا نتحملك في بيتنا؟
تحول بكائها إلى شهقات متقطعة من فرط ألمها وهي تتطلع إلى نظرات ابنة خالها الشامتة:
_آسفة، سأكتب لها كل فروضها إن أردتما، لكن أرجوكِ اتركيني زوجة خالي.
عاجلتها المرأة بضربة في بطنها وهي تصرخ بها:
_وماذا عن السرقة؟ كيف ستعالجين تلك المصيبة؟ وماذا سرقت منا من قبل؟كان يجب أن أتوقع أن تفعلي ذلك، فنبتة خبيثة مثلك يجب أن تصبح لصة، هذا أمر يسري بدمائك، انطقي! هل سرقتي منا أموالا من قبل؟
استطاعت أخيرا القفز بعيدا بعد أن خسرت عدة شعيرات في قبضة المرأة:
_أقسم مرة أخرى لم آخذ إلا تلك الشطيرة، حتى أنني لم استطيع أكلها وتخلصت منها، لا أريد أن يعاقبني الله، لا أريد أن آكل حراما.
بلهجة شيطانية مالت دينا على إحدى أذني أمها قائلة:
_كاذبة أمي، أنا بنفسي رأيتها تعبث في حافظة نقود أبي بالأسبوع الماضي، والله أعلم مَن سَرَقَت أيضا، من الممكن أن تفعلها خارج المنزل ونُفضَح بين الناس.
فغرت رهف فاهها مصعوقة وهي تحدق بابنة خالها وتساءلت كيف يمكن لأحد الكذب بتلك السهولة والتجني على غيره؟ في حين أنها ظلت عدة ساعات تشعر بذعر شديد من عقاب الله لها بعدما أخذت تلك الشطيرة التي كانت ابنة خالها ستتخلص منها على أي حال، حتى
أنها_برغم ألمها_ تشعر باستحقاقها التام لأي عقاب توقعه عليها زوجة خالها.
تحقق هدف دينا تماما وعيني أمها تتوحشان وهي تخلع خُفها المنزلي وتهجم على رهف لتضربها بدون كلل لدقائق متواصلة دون أن تهتز بها شعرة لصرخات الطفلة اليتيمة.
مسحت دمعاتها وهي تراقب انصراف الطفل برضاء تام مع شقيقته فشعرت بغبطة من هالة الحنان
المحيطة بهما، اجتذبت شهيقاً عميقا وهَمَّت بإغلاق النافذة حينما تدلى فكها السفلي بذهول وهي تحدق بصاحب السيارة الرمادية الذي يستند على بابها الجانبي ويراقب_معها_ الطفل وشقيقته، لا تعلم كم دقيقة مرت وهي على حالتها تلك، إلا أنها حينما التفت هو إليها توقفت أنفاسها في حلقها وهي تتطلع إلى الابتسامة البسيطة التي واجهها بها.
بارتباك وذعر أغلقت نافذتها ثم هرولت إلى الباب ودفعت المقعد الوحيد وأسندته خلفه، عادت مرة أخرى تتلفت حولها ودمعاتها تتجمع بعينيها ثم انطلقت إلى الطاولة_التي أصبحت بثلاثة أرجل فقط_ ووضعتها فوق المقعد خلف الباب وهي تعلم في قرارة نفسها أنها ليست بالإضافة ذي القيمة، كانت تدور حول نفسها تحتضن ذراعها المتيبسة حينما انطلق صوت رنين هاتفها.
ببطء ووجه شاحب اتجهت إليه وحينما التقطته ازداد عنف تنفسها رامقة ذلك الرقم الذي هاتفها مرة واحدة من قبل، حاولت بأناملها المرتجفة أن تلغي الاتصال لكنه صمت فجأة، وبمجرد أن تنفست ببعض الراحة الظاهرية حتى عاد الاتصال أكثر إصراراً، ظلت محدقة في الهاتف بلا رد فعل حقيقي حتى صمت مرة أخرى.
دقيقة مرت..
دقيقتان..
ثلاثة..
ثم صوت رسالة نصية!
تسمَّرت بموضعها وجسدها بأكمله يرتجف وهي ترمق الهاتف المضيئة شاشته دلالة على انتظار الرسالة لقراءتها، دفعت أناملها دفعاً حتى فتحتها وأصوات أنفاسها المرتعبة تعلو على أصوات
الضوضاء بالخارج، تلك الأنفاس التي توقفت تماما لتحل محلها شهقة خافتة وهي تعيد قراءة الرسالة ذات الكلمة الواحدة مرارا وتكرارا:
“سأعوضك!”
ألقت الهاتف على الفراش وهي تنخرط في بكاء مذعور رافقته ارتعادة عنيفة بجسدها، وبعد أن تظاهرت بالهدوء قليلا اتجهت إلى النافذة مرة أخرى، ثم تطلعت إلى الشارع من خلال أحد الشقوق في أخشابها، لكنها لم تجد السيارة الرمادية الفاخرة، ولا صاحبها!
**********
في اليوم التالي كانت تتلفت حولها بتوتر شديد، منذ خروجها صباحا لم تترك أي شخص يمر بجوارها دون تدقيق النظر به، تشعر أن ذلك الرجل حولها طوال الوقت وفي كل مكان، صداع عنيف أخذ يطرق رأسها
مصحوبا بدوار بسبب عدم نومها منذ الأمس، خرجت من المعهد مُغمضة عينيها بتعب فلم تنتبه لذلك الجسد الذي اصطدمت به، بسرعة فتحت عينيها لتجد أمامها امرأة شابة جميلة بعينين عسليتين تنظران إليها بقلق فسارعت بالاعتذار:
_آسفة جدا.
ابتسمت المرأة قائلة:
_لا عليكِ، لم يحدث شيء، هل أنت بخير؟
بادلتها رهف الابتسامة بضعف:
_الحمد لله، شكرا لكِ، مجرد دوار بسيط.
بنبرة مهتمة خاطبتها المرأة:
_هل تريدين الذهاب إلى مكان معين؟ أستطيع أن أقلك إن أردتِ.
اتسعت ابتسامتها وهي تجيبها برقة:
_شكرا لكِ، سأستقل الحافلة من الموقف القريب، أستأذنك.
ابتسمت لها المرأة برسمية فأولتها رهف ظهرها، وابتعدت خطوتين عندما أوقفها نداء المرأة:
_لو سمحتِ!
التفتت لها رهف بابتسامة متسائلة فأقبلت عليها مُتسائلة باهتمام:
_هل تَدرُسين بذلك المعهد؟
أجابتها رهف:
_لا أنا أقوم بالتدريس للطلاب هنا.
ابتسمت المرأة بحرج قائلة:
_عذرا اعتقدت أنك صغيرة بالسن.
ثم بفضول أضافت متسائلة:
_كم عمرك؟
وعلى النقيض من معظم النساء أجابت رهف ببشاشة:
_خمس وعشرون.
ضحكت المرأة بحرج:
_آسفة جدا، أعلم أنه سؤال لا يليق.
ردَّت رهف بابتسامة فتابعت المرأة:
_طفلي عمره ستة سنوات وهو لا يحب اللغة الإنجليزية، ولي صديقة رشحت لي هذا المعهد، لهذا جئت أستفسر ربما يستطيع المعلمون جعله يحبها، هل يقبلون هنا بذلك السن؟
ظهر الاهتمام على وجه رهف أثناء قولها:
_بالطبع، هناك دورات متخصصة في عمر ولدك، تستطيعين الحجز بالداخل، اذهبي إلى مكتب الاستقبال والموظفة ستخبرك بكل التفاصيل.
ابتسمت المرأة بامتنان وهي تمد يدها مصافحة إياها:
_ شكرا آنسة…
مدت رهف يدها لتبادلها مصافحتها مبتسمة:
_رهف، اسمي رهف.
حدقت المرأة بعينيها بابتسامة جميلة:
_ جميل اسمك، شكرا آنسة رهف.
أومأت رهف برأسها ثم انصرفت مودعة، وبالرغم من بعض الاطمئنان الذي تسلل إليها بعد ذلك الحوار القصير، إلا أن الخوف عاد يكتنفها وهي تتلفت حولها، لكن لحسن حظها_أو لسوئه لا تعلم_ يبدو أنه غير متواجد حولها اليوم.
**********
فتحت شروق باب المنزل بتجهم بعد الرنين المُلِح لتجد أمامها السيدة أم محمود بابتسامتها اللزجة وعينيها اللتين تسبقانها إلى أركان الشقة، رسمت ابتسامة مفتعلة قائلة:
_أهلا أم محمود،كيف حالك؟
دفعتها المرأة بخفة ودخلت بدون دعوة ثم جلست على أقرب أريكة:
_بخير أم دينا، لقد اشتقت إليكِ بشدة، كيف حالك؟ وكيف حال دينا الآن؟ لقد حزنت بشدة من أجلها، أخبريني! ألم يحاول طليقها التواصل معكم مجددا؟ أرجو ألا تردوه.
تأففت شروق بدون صوت وهي تتجه إليها ثم جلست على المقعد المقابل لها وتكافح كي لا يظهر الضيق على وجهها:
_دينا ابنتي يتمناها الأفضل، وبالفعل يأتي الكثير طالبين لها، لكن هي من لا تريد الارتباط الآن، لقد ضيق معيشتها وأصابها بالنكد ذلك البائس.
نظرت لها المرأة بلوم أو ربما شماتة قائلة:
_لقد حذرتك يا شروق، قلت لك إن ذلك الرجل لا يناسبها، ابنتك جميلة ومنطلقة وتحب الحياة، بينما يبدو هو وكأنه أفندي هارب من حقبة الخمسينيات، وقد كان من الواضح تعلقه الشديد بأمه، لكن هي من تشبثت به، هل ظنَّت حقا أن كونه طبيبا سيجعله ينزهها كل أسبوع في بلد مختلف؟! كم كان راتبه على أية حال؟
رمقتها شروق بغيظ شديد وهي تجيبها:
_لا أعلم أم محمود.
ثم تابعت بضجر:
_هو لم يخبرها في الأصل عن راتبه، لكنها أخبرتني أنها رأته يعطي والده بعض النقود أكثر من مرة.
ضربت المرأة صدرها بكفها ثم هتفت بذهول:
_يا لخيبة ابنتك يا شروق! كيف عاشت معه لثلاث سنوات كاملين ولم تعلم أبدا مقدار راتبه؟! وكيف قبلت بإنفاقه على أهله وهي أولى بتلك النقود، ألا يتقاضى أبوه معاشا ما؟!
ردت شروق بنبرة حانقة:
_بلى يتقاضى، لكنه أيضا يتناول علاجا باهظا وأنتِ تعلمين حالة والدته أيضاً، وربما لا يكفيهما ذلك المعاش.
عبست أم محمود هاتفة باعتراض:
_وما ذنب دينا؟! هل يصح أن يأخذ بنات الناس من بيوتهن كي يرهقهن؟!
هزت شروق كتفيها باستسلام لا تجد ردا فتابعت المرأة بنبرة هامسة:
_اسمعي! لقد علمت اليوم أن شقيق السيدة منال يبحث عن عروس، ولأني أحب دينا وأعتبرها مثل بناتي فقد قفزت الفِكرة إلى رأسي الآن، عسى أن يكون عوضا لها عم عانته مع ذلك الرجل.
اتسعت عينا المرأة بدهشة وهي تجيبها:
_أخ السيدة منال؟!! من تقصدين؟ هشام؟! إنه أصغر من دينا!
توترت عينا أم محمود ثم تنحنحت:
_أعلم أن هشام أصغر من دينا، لكني لم أقصده هو.
ضيقت شروق عينيها بعدم فهم ثم ما لبثت أن فتحتهما على اتساعهما وهي تفغر فاهها بصدمة:
_أنتِ لا تقصدين طارق بالطبع، أليس كذلك؟
تهربت أم محمود بعينيها إلى الجدار المقابل ثم أجابتها بنبرة ضعيفة:
_وما به طارق؟! لديه ورشتين وعلمت أنه يسعى لافتتاح الثالثة، سيجعل معيشتها مزدهرة وسَيُلَبِّي كل طلباتها.
هتفت شروق بها وهي تهب واقفة:
_هل جننت يا امرأة؟! إنه أكبر منها بعشرين عاما ولديه أربعة أولاد.
جذبتها أم محمود لتجلسها بجانبها وهي تخاطبها بتمهل:
_أنصتي جيدا يا شروق! الرجل ثري وأرمل ويبحث عن زوجة، وأولاده بالفعل يتحملون مسئولية أنفسهم منذ وفاة والدتهم، ما يضيرها إن تنعمت هي بذلك الرغد؟
نظرت لها شروق بتمعن فعاجلتها المرآة بنبرة حازمة خافتة:
_لا ترفضي فورا! فكري مليا وربما يكون هو العوض بعد ذلك الفقر المدقع الذي عاشته مع ذلك المعقد.
تابعت أم محمود عد مميزات ذلك العريس”اللقطة” بينما شردت شروق وهي تفكر في كلامها، وتتخيل مستقبل ابنتها إن استطاعت اقناعها، فقط بعد أن تقتنع هي أولا، وربما قريبا ستفعل!
**********
فتحت الباب بلهفة بعد أن تأكدت أن خالها هو من ينتظر خلفه، وعلى الفور ألقت نفسها بين أحضانه وتساقطت دمعاتها على صدره وهي تشدد ذراعها اليمنى حول ظهره، بضعة دقائق مرت وهو يربت عليها بقلق شديد ثم أبعدها عنه برفق وهو ينظر إليها بقلق هاتفا:
_ما بكِ حبيبتي؟ ماذا حدث؟ هل ضايقك أحد ما؟
مسحت وجهها بكفيها وهي تفتعل ابتسامة بصعوبة ثم أجابته بخفوت:
_لا شيء، فقط اشتقت إليك.
تفحص خالها هيئتها من منبت شعرها حتى أخمص قدميها بتمعن ثم توقفت نظراته عند ذراعها اليسرى ورفع عينيه إليها مرة أخرى متسائلا بقلق:
_هل..هل توقفت ذراعك مرة أخرى؟
تهربت بعينيها منه وهي تجذب يده إلى الداخل متجاهلة سؤاله، ثم خاطبته بمرح مصطنع:
_اجلس صلاح وسوف أقوم بإعداد القهوة التي تحبها من يدي.
ما إن أولته ظهرها حتى جذبها من ذراعها اليمنى آمرا إياها بنبرة صارمة:
_الآن ستخبرينني ماذا حدث لتتوقف ذراعك عن الحركة، لقد ظننت أن تلك المشكلة انتهت منذ زمن.
جلست صاغرة على الأريكة وهي تزفر بيأس، هل تخبره؟ بم تخبره؟! “لا شيء خالي، مجرد رجل غامض يراقبني بكل مكان ويعلم عني كل شيء، كما أنه أرسل لي رسالة نصية لا استطيع تصنيفها تحت نوع التهديد، لكنها ترعبني وتسرق النوم والتركيز مني!”
استطاعت اجتذاب ابتسامة مرتجفة وهي تجيبه:
_لا شيء، أنا فقط أشتاق إليك جدا، أشتاق لغرفتي الصغيرة، ولا أعلم إن كنت ستصدقني عندما أخبرك بأنني اشتقت أيضا لزوجتك التي تكرهني ولابنتك التي تقيم الأفراح بعد رحيلي!
حدق بعينيها محاولا سبر أغوارها وهو يكاد يقسم أن هناك ما تحاول إخفاءه، لطالما فشلت في الكذب منذ صغرها، لطالما كانت كصفحة الماء الرقراق العذب أمامه، بنظرة واحدة إليها يستطيع معرفة إن كانت مهمومة أم سعيدة، ويا لندرة تلك المرات التي سعدت بها!
_رهف! أنا لازلت خالك، يجب أن تخبريني بما يشغلك.
بلهفة قبَّلت كفاه ثم أجابته بِحُب:
_بل أنت أبي وصديقي، الوحيد الذي أثق به في هذه الدنيا، وبالنسبة لذراعي لقد توقَّفَت فور انتقالي بسبب حداثة الأمر، لكن أنظر! لقد بدأت بالتحرك ببطء مجددا، وفي غضون أيام ستشفى تماما، أنت تدرك أن تلك الحالة عارضة وستنتهي وحدها بالتدريج فلا داع للقلق.
بالفعل حركت رسغها بضعف متغلبة على ألمها لينظر إليها بعدم رضى، قَبَّلته مرة أخرى على وجنته ثم استقامت مسرعة واتجهت إلى ركن المطبخ الملحق بالغرفة لتعد له القهوة.
“لِمَ لا تخبرينه يا حمقاء؟! هو ولي أمرك الوحيد ويستطيع حمايتك من ذلك الذي يطاردك!”
زفرت بتعب وهي تضع الدَلَّة على الموقد البسيط ناهرة نفسها بحزم:
“هل أصبحت معتوهة تماما؟! أهو يستحق منك توريطاً في مشاكلك المبهمة؟ ألا يكفيه ما حدث له قريباً بسببك؟ماذا إن أخبرتيه وتطور الأمر ليكتشف أن الموضوع في النهاية مجرد تسلية شائعة من أحد فارغي العقل الذين يشعرون ببعض الملل؟”
سَكَبَت القهوة داخل الكوب الزجاجي الصغير اللامع وتقدمت إلى خالها الذي تناوله منها بلهفة واضحة فابتسمت بشقاوة:
_مهلا صلاح سيتلاشى وجهها!
ارتشف بعضا منها مغمضا عينيه باستمتاع ثم فتح عينيه مبتسما:
_مهما تعددت الأماكن التي أشرب بها القهوة، لا أشعر بلذة بها إلا من يديك أنت.
ابتسمت بفخر شديد مفضِّلة مراقبته في صمت حنون على التفوه بأية كلمات تفصل عنها متعة رفقته القصيرة، ثم لفت انتباهها بعض الأكياس البلاستيكية بجوار الباب فعقدت حاجبيها بنزق:
_ما هذا صلاح؟ ما الذي جلبته معك؟ أنا لا أحتاج شيئا.
أطرق برأسه في صمت لِثوانِ ثم رمقها بأسف مُردداً بِخفوت:
_أعلم رهف، أدرك تماما أنكِ لن تطلبي مني شيئا كما اعتدتِ طوال عمرك، لكن لا تحرميني من إحساسي بأبوتي لك ولا تعاقبيني على تركي إياك!
ترقرقت عيناها وهي تنظر له بحب:
_كم مرة يجب علي أن أخبرك أنك بالفعل أبي؟ ألا تعلم خالي أنني لولاك لَصار مصيري مُظلما منذ زمن؟ ألا تعلم أنك أنقذتني من أسوأ كوابيسي؟ ألا
تعلم أن حتى ما كان يحدث لي في بيتك أنا أعتبره نعمة مقارنة بما كنت سأتعرض له خارجه؟ اسمعني خالي وأنصت إليَّ جيدا لأنني لن أكرر ذلك ثانية، أنت لم تُقَصِّر معي أبدا بأي شيء، لا بالحنان ولا بالاهتمام ولا بالماديات، أنظر إليَّ! أنا الآن معلمة في مكان مرموق ولي مكانتي بين الجميع، ما ضرَّني إن عشت بمفردي؟ لا تعتقد أن ذلك الوضع أنت المتسبب به على الإطلاق، انتقالي كان سيحدث آجلاً أم عاجلاً، وزوجتك مشكورة أنها تحملتني طوال تلك السنوات، لا تبتئس أرجوك!
ربت عليها بحنان جارف وهو يداري عينيه المتحرجتين عنها فأسرعت بتغيير الموضوع:
_ألم يحاول حمزة الرجوع إلى دينا؟
عقد حاجبيه بضيق وهو يزفر بِضيق:
_لا، لم يحاول أبدا، وعلى ما يبدو أن دينا أيضا لا تهتم بذلك، من الواضح فعلا أنهما لا يستطيعا التفاهم سويا، فهي ذكرت أنه متشدد ويضيق عليها معيشتها بدون توضيح، وبالرغم من إلحاحي عليه هو أن يخبرني بسبب انفصالهما إلا أنه كان مُتحفظا بشدة وهو يؤكد على اختلاف شخصيتيهما، لكنني متأكد رهف أن هناك سببا قويا خلف الطلاق.
هزت رهف كتفيها وهي تجيبه:
_ربما اختلافهما تسبب في استحالة معيشتهما، فنحن لم نعرف عنه ما يسوءه طوال السنوات الثلاث، وبما أن الانفصال تم بِرُقِي ودينا ليست حزينة أو نادمة فلا تهتم، عسى الله أن يعوضهما مع آخرين.
أومأ صلاح رأسه إيجابا بشرود ثم تجاذب معها أطراف الحديث عن عملها وكيفية قضاء يومها ثم
وعدها باصطحابها في نزهة بأقرب وقت، وبعد ساعتين انصرف مودعا تاركا إياها في حالة من الهدوء النفسي لتدلف إلى فراشها متهربة من أية أفكار تعبث بسلامها المؤقت.
**********
أغلق الباب والتفت بتثاقل ليجدها تناظره باستفهام متخصرة، استغفر ربه سرا وهو يغمض عينيه متضرعا الصبر ثم فتحهما ليبتسم بتكلف مُحيياً:
_السلام عليكم، كيف حالك شروق؟
بنبرة محذرة أجابته:
_أين كنت؟ لقد اتصل بك صديقك أشرف وسألني عنك لأعلم منه أنك انصرفت مبكرا من العمل؟إلى أين ذهبت يا صلاح؟
تجاوزها بغيظ وهو يجيبها ببرود:
_هل تحققين معي شروق؟! لكني سأجيبك، كنت أطمئن على رهف.
ألقت ذراعيها جوارها وعيناها تتوسعان بدهشة غاضبة:
_ماذا؟! أذهبت لزيارتها بعدما حدث؟ ألم نتخلص منها ومن المصائب التي تلاحقها؟
استدار إليها هاتفا بحنق:
_شروق! إنها ابنة أختي وأنا أحق الناس بالاهتمام بها، ألا يكفيكِ أنني أطعتك وتركتها ترحل لتقيم وحيدة؟ ألا يكفيك أنني أكاد أن أُجن كلما تخيلت كلام الناس عنها؟ لِمَ تكرهينها بذلك الشكل؟ بِمَ آذتكِ أنت وابنتك؟
تراقص الحقد في مقلتيها وهي تجيبه بحنق:
_هي ابنة أختك أنت ولا تخصني بشيء، أنا ليس لدي إلا ابنة واحدة، تلك التي ربما تسببت مدللتك في إفشال زواجها.
حدق بها بدهشة:
_ماذا تقصدين؟ ما علاقة رهف بطلاق دينا؟! لا أفهم.
بفحيح غاضب اقتربت منه وهي تحاول بث سمومها داخل عقله:
_أنت لا تفهم لكنني أنا أفهم جيدا، لقد رأيت نظرات حمزة لها كلما جاء إلى زيارتنا مع دينا، وأنت بنفسك حضرت بعض تلك المناقشات بينهما من قبل، الآن اجزِم بأن الهانم قد تسببت في طلاق ابنتي الوحيدة، لكنك أنت من تصر على صم أذنيك أمام أي شيء يظهرها على حقيقتها أمامك.
تعالى صدره وهبط في تنفس سريع وهو ينظر لها بذهول، ربما لو كان وضع أسرته هادئاً تلك الآونة لاستطاع تهذيبها كما يجب، لكن للأسف هو مضطر للصمت كعادته من أجل ابنته، اقترب منها والشرر يقفز من عينيه قفزا مُرددا بخفوت:
_أتعلمين يا شروق؟ لطالما خفت من أن تقع الغيرة في قلب رهف تجاه دينا، فابنتنا لديها منزل مستقر ووالدين يحبانها ومكانة عالية بين الجميع، لكن ما حدث هو العكس، أنت وابنتك تغاران من تلك المسكينة أشد الغيرة، علام كل ذلك؟! انظري لحالها! أنتِ بنفسك لتوك اعترفتِ بأن المصائب تلاحقها وهي الآن وحيدة تماما، ألا تدركين بِمَ أشعر لفكرة اقتحام أحدهم تلك الغرفة الوضيعة التي هربت منكما إليها؟ ألا تشعرين ولو بقدر قليل من القلق على فتاة عاشت أكثر من عشرين عاما تحت سقف بيتك والآن
لن نعلم إن حلت بها مصيبة وهي بمفردها ونحن هنا نجتمع ثلاثتنا معا مُستمتعين بالأمان؟
تهربت بعينيها منه بتوتر وهي ترد بتخاذل:
_أنا تحملتها لسنوات، لكن ما حدث مؤخرا كان يجب وضع حد له و…..
قاطعها بصرامة:
_ما حدث مؤخرا.. نعم ..بالحديث عن ذلك، هل أنت بريئة منه تماما يا زوجتي العزيزة؟
شحُب وجهها وجذبت إحدى خصلاتها تضعها خلف أذنها بأنامل مرتجفة:
_م.. ماذا تقصد؟
بإزدراء أجابها:
_تفهمين قصدي جيدا شروق، إن كنتِ تظنين أني أطعتك مضطرا فأحب إعلامك أنكِ مخطئة، أنا لم أدع رهف ترحل من هنا إلا خوفا عليها من مكائدك أنتِ وابنتك، أعلم أنكما لن تتوقفا عن أذيتها، وربما الشرور الموجودة بالخارج أرحم من كلتاكما.
صرخت بتوتر :
_أنت تتعمد مضايقتي حتى تجبرني على إعادتها، أليس كذلك؟
ضحك عاليا بسخرية أثارت دهشتها، ثم مال برأسه أمام عينيها يحدق بهما:
_أتظنين أنها قد تعود إلى ذلك البيت؟ أستطيع أن أقسم لك بالعكس تماما، رهف تخلصت من قيدك وأنا لن أقبل لها المذلة والإهانة هنا ثانية.
أولاها ظهره واتجه إلى غرفته ثم توقف أمام بابها واستدار إليها مرة أخرى مخاطبا إياها بصرامة أرعبتها:
_حمزة لم يحب دينا، ودينا لم تر فيه سوى الواجهة المميزة، لقد ظنت أنها ستفترش الأموال وصُدِمَت بالعكس عندما علمت بمساعدته المستمرة لأهله، هو رجل دمث الخُلُق وأنتِ تعلمين ذلك، كان متعاطفا بشدة مع رهف وعندما رأى معاملتك أنتِ وابنتك لها أراد إشعارها بقيمتها، لم يراها يوما أبعد من أخت له، ولكم تمنيت إن كان لي ابن أن يكون مثله، لِذا فتفكيرك المريض هذا لا تقحمي رهف به.
أنهى عبارته ودلف إلى غرفته صائحا من الداخل:
_أرجو أن توصلي تحياتي إلى أم محمود!
زفرت بِغِل شديد وهي تضغط أسنانها بشدة متوعدة تلك الفتاة إن فكرت بالعودة مرة ثانية.
**********
بعد أسبوع:
تقلب قنوات التلفاز بشرود شديد، اليوم عطلتها وقد انقضى وهي لا تجد أي نشاط تفعله سوى الجلوس بغرفتها بملل، فكرت في الخروج قليلا لكنها تراجعت فورا وهي تشعر برفض الفكرة ليلح عليها سؤال واحد طالما أرقها: لِمَ لا تستطيع عقد صداقات مثل معظم الفتيات؟ زفرت بضيق وهي تتهرب من الإجابة فارضة نهيا حازما على نفسها:”أنتِ لن تحتاجي لأي صديقات، وحدِك آمنة تماما!”، فقط لو يستطيع خالها الحبيب زيارتها مرة أخرى!
استرعى انتباهها رنين هاتفها فقفزت تتناوله مبتسمة، دائما ما إن تفكر به حتى يشعر بها، وعلى الفور ماتت الابتسامة على شفتيها وهي تتطلع إلى الرقم الذي ظنت أن صاحبه قد مَلَّ لُعبته الجديدة، بهدوء وضعت الهاتف على الطاولة وهي تنظر له بترقب حتى صمت، لكن طالبها كان أكثر إصرارا تلك المرة، فقد أعاد الاتصال مرتين أتبعهما برسالة نصية عندما أدرك أنها لن تجيب.
فتحت هاتفها لتتسع عيناها بذعر والكلمات تغزو عقلها ببطء، بينما ترى عبارة “يكتب الآن” لتزيد من ذعرها:
“أنتِ تُدركين أنني أستطيع أن أصل إليكِ في أي وقت وفي أي مكان، أليس كذلك رهف؟”
وبينما لاتزال تحاول استيعاب الرسالة الأولى عاجلها بالثانية:
“هيا رهف! أنتِ لن تجعلينني آتي إلى_لِنَقُل منزلك_ في تلك الساعة!”
والثالثة قطعت صيحتها الضعيفة:
“يجب أن نتحدث الآن، لن أنتظر أكثر.”
امتدت أناملها إلى الهاتف تكتب بارتجاف:
“ماذا تريد مني؟”
ليعود الرنين أقوى بين يديها، فازدردت لعابها وأجلت حنجرتها وهي تجيب الاتصال متسلحة بقوة واهية مكررة سؤالها الوحيد:
_ماذا تريد مني؟
أتتها الإجابة الخافتة فورا بدون مواربة لتعقد لسانها:
_أُريدِك!
ثم تابع بنبرة رجولية خشنة لا تعلم لِمَ يُثيرها الحزن بها:
_أريدك رهف، أريد رؤيتك، أريد تعويضك، أريدك معي دائما وإلى جانبي.
وقبل أن تنجح بالنطق بادرها:
_أنا لا أريد بكِ شرا رهف، أنتِ غالية، لا تدركين كم أنتِ غالية!
أخيرا خرج صوتها الضعيف مهددا بوهن:
_اسمع يا هذا! أنا لن أقبل بتلك الوقاحة، وأنت لن تتصل بي مرة أخرى، وإلا سأخبر الشرطة، وأنت تعلم أنهم سيصلون إليك ويشبعونك تعذيبا.
ضحكة خشنة انطلقت منه جعلتها تصمت تماما بدهشة وهو يخاطبها:
_يا إلهي أنتِ حقا ممثلة فاشلة!
ثم تابع بنبرة جادة:
_أنصتي جيدا رهف، ذلك الوضع لن يستمر طويلا، قريبا ستكونين معي ولن يفرق بيننا أحدا، وحتى ذلك الوقت اعتني بنفسك جيدا، إلى اللقاء.
حدقت في هاتفها بصدمة ثم ألقته برعب وهي تبكي بشدة، ثم هبت واقفة وهي تصل إلى الحل الوحيد…
سترحل من هنا؛
ستبحث عن غرفة أخرى وترحل قبل أن يؤذيها ذلك الغريب!
**********
وعلى الطرف الآخر وقف هو مُحدِّقا بِشرود بالحديقة الخارجية من نافذة غرفته، يلوم نفسه بشدة فهو يشعر برعبها الجلي، يعلم أنه تعجل بملاحقتها لكنه تصرف رغما عنه، فلم يستطع الانتظار أكثر، يكاد أن يُجن بعدما رأى المكان الذي تقطن به، قليل من الوقت فقط هو ما يريد، وبعدها لن يتركها وبصدره نفس يتردد.
فَك عقدة حاجبيه وابتسم رغما عنه وهو يستمع إلى الصيحة الطفولية القادمة من الحديقة:
_أنظر أبي! لقد أصبحت ماهرا في تلك اللعبة!
اتسعت ابتسامته بحنان وهو يجيبه:
_أحسنت إياد! ستنافسني بها بكل تأكيد.
بلهجة متوسلة صاح الطفل:
_إذن انزل أبي لتلعب معي، أرجوك!
مد يده ليغلق النافذة مبتسما وهو يرد:
-كما تريد إياد، لكن حذار من البكاء عندما أهزمك!
استدار مبتسِما ليتخشب جسده بأكمله وتنمحي ابتسامته فورا وهو يحدق بالعينين العسليتين الدامعتين تنظران إليه بحسرة، وبنبرة خافتة مُتكسِّرة بادرته:
_أتخونني عَمَّار؟!