رواية سكن روحي كامله وحصريه بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

الفصل الأول: (الجزء الأول)
*البداية*
تَطَلَّعت إلى أركان الشقة_إن جاز التعبير_ باهتمام ظاهري، مُحاوِلَة إخفاء رجفة جسدها عن مُرافقها كي لا يستغل وضعها أكثر، جالت ببصرها على الجدران المُتسخة والبلاط العتيق، ثم انتقلت بعينيها إلى الطاولة التي تتوسط الغرفة الوحيدة بخشبها المتآكل وهي تلمح أحد أرجلها المائلة بوضوح، زفرت باستسلام واستدارت عائدة إلى الخارج مرة أخرى ترسم على وجهها لامبالاة وضيق مصطنعين متسائلة:
_ألا ترى أن الإيجار الذي تطلبه كثيرا يا حاج؟ إنها غرفة بسيطة بالطابق الأرضي.
عقد الرجل حاجبيه وهتف بنزق:
_ألا تعلمين يا آنسة كم ارتفعت أسعار إيجارات العقارات؟ ألا تدركين أن تلك الغرفة يأتيني زبائن يتوسلونني يوميا كي أوافق على تأجيرها لهم؟ إن ظللتِ تبحثين في المنطقة بأكملها لن تجدي مثل ذلك السعر الذي لا يعجبك.
اقتربت منه خطوتين قائلة بأسف:
_أعتذر يا حاج، لم أقصد أن أُقلل من قيمتها، لكن أعذرني، أنا لازلت ببداية حياتي ووحدي، كما أن عملي لا يـ…..
قاطعها بصرامة:
_ولهذا السبب بالتحديد يجب أن تشكرينني لأنني وافقت على تأجيرها لكِ في الأساس، فلن تجدي بسهولة من يسمح لفتاة وحيدة بالسكن في بناء سكني عائلي.
ازدردت لُعابها وأشاحت ببصرها بعيدا وتلميحه يصل إليها واضحاً، فقد رفض ثلاثة من أصحاب البناءات السكنية السماح لها بالتأجير لديهم بالفعل، فبمجرد أن يعلم المؤجِر أنها فتاة وحيدة يذهب ترحيبه بلا عودة.
رَفَعت رأسها تنظر له باستسلام قائلة:
_كما تريد، سأنتقل غدا بإذاً الله.
تنحنح بخشونة قائلاً:
_لا تنسِ دفع شهرين كمُقدم، كما أنني لا أسمح بتأخير الإيجار عن اليوم الثالث بالشهر.
وافقته بإيماءة بسيطة من رأسها ثم حيته وتجاوزته إلى الخارج.
**********
أغلقت حقيبة ملابسها ثم وضعتها بجوار الأخرى التي تحوي كتبها، جلست على فراشها منهكة وهي تُحدق في كل جزء بغرفتها البسيطة مبتسمة بشجن، على ذلك المكتب كانت تقضي لياليها ساهرة تذاكر دروسها، أمام تلك النافذة انتظرت بالساعات من يأتي وينتشلها من مأساتها، داخل تلك الخزانة اختبأت من زوجة خالها وهي تسعى خلفها بالعصا الغليظة، ثم انتقلت ببصرها إلى الفراش الذي تجلس فوقه فشابت ابتسامتها المرارة وهي تستأنف تأملاتها، كم من مرة تم عقابها بالنوم أسفله_رغم خُلُو أعلاه_ ليال أخرى؟!
مَسَّدت على ذراعيها ببطء تحث نفسها على درأ الحزن والخوف والتمسُّك بالتفاؤل بالمستقبل، يكفيها معاناة منذ أن بدأت تعي ما حولها ، الآن هي لن تفكر إلا بكفاحها وبنجاحها وستعمل عليهما بكل جهدها، ولن تسمح لأحد بأن يُزعزع ثقتها الوليدة بنفسها.
تعالت دقات على باب غرفتها فهتفت بترحيب:
_ادخلّ!
فُتح الباب ليطل خالها من خلفه قائلاً بحنان:
_اعتقدتُ أنكِ نمتِ مُبكراً، لكنني أردتُ الإطمئنان عليكِ.
وقفت مبتسمة بحنان واتجهت إليه قائلة:
_كنت أجمع أغراضي ولتوي انتهيت، تفضل بالدخول خالي!
تقدم خالها إلى الداخل ببطء ثم جلس على أقرب مقعد وهو يتهرب من عينيها، أغلقت الباب ثم اقتربت منه وجلست أرضاً بجانبه كما تحب أن تفعل دوما، امتدت يدها لتحيط بكفه وتُقبله بحنان، لتتساقط دمعاته تِباعا مُردداً بِحسرة:
_سامحيني ابنتي، لقد خذلتك.
رَفَعَت أناملها لتمحو دمعاته التي تنهال على وجنتيه، فتابع هو:
_أعلم أن ما سيحدث أمر غريب، أعلم أنه كان يجب علي التمسك بكِ والدفاع عنكِ، لكن أقسم أنني لم أعد استطيع، كما أن ما حدث أيضا يجعلني مُكبلا أمام شروق و…..
قاطعته بجدية:
_خالي أنت لم تخذلني أبدا، أنت الوحيد الذي ارتضيت بي وتقبلتني حينما نبذني الجميع، أنا ليس لي سواك، أنت أبي وأخي وصديقي وأماني، ولن يستطيع أحد زحزحة مكانتك لدي.
نظر لها بألم متزايد فارتسمت ابتسامة مشاغبة على شفتيها وهي تقول:
_ماذا بك يا صلاح؟ ما الغريب في الأمر؟ لو كنا نعيش بالخارج لكنت استقللت بمعيشتي عنكم منذ سنوات، ثم إنك لن تتخلص مني تماما، فسأحرص بكل جدية على استمرار نزهتي الشهرية معك لتبتاع لي المثلجات والشوكولاتة، وسأرهقك بطلباتي التي لن تنتهي.
ابتسم لها من بين دمعاته وهو يدرك محاولاتها لتخفيف ذنبه الذي لن يُغتفر أبدا،ثم رَبَّت على رأسها مُتحدِّثاً بألم:
_لطالما كنتِ ابنتي وحبيبتي وصديقتي، اعلمي أنني سأحاول إقناع شروق ودينا وسأجعلهما يطالبنك بالرجوع بأنفسهما.
منعت ابتسامتها الساخرة بصعوبة وهي ترتفع بجذعها لتقبل رأسه بامتنان قائلة بِخفوت:
_أشكرك خالي، أشكرك على كل ما فعلته من أجلي طوال تلك السنوات، أشكرك لتحمل ما لا يُطاق بسببي، أنت سندي دائما، ولن أرتضي الألم لك مجدداً.
أتودعه؟! ابنته الحبيبة بالفعل ستبتعد! ألن يتمتع باهتمامها به؟! ألن ينام كل ليلة وهو مطمئن البال بأنها في أمان تحت سقف منزله؟
هبَّت واقفة بابتسامة مرتجفة وهي توليه ظهرها كي لا يرى دمعاتها وهتفت:
_أنت جئت الآن خصيصاً كي تؤخرني عن موعد نومي، هيا خالي عد إلى غرفتك فيومي حافل بالغد.
تظاهرت بالعبث في هاتفها حتى لا يكتشف قهرها وحسرتها، فلم تشعر إلا بقبلته المعتذرة فوق رأسها ثانية، ثم سمعت أصوات خطواته المغادرة، وبمجرد إغلاقه الباب سمحت لأنينها المكتوم بالتحرر أخيرا.
**********
لملمت حقيبتها ودفاترها بِتمهُّل ثم اتجهت إلى خارج القاعة لتدرك فجأة أنها لم تتناول أي طعام منذ الصباح، أخذت تفكر في نوعية الطعام الذي يتم إعداده في غضون عشرة دقائق على الأكثر لأنها لن تتحمل الإنتظار أكثر من ذلك قبل الخلود للنوم، لايزال الوقت مبكرا تعلم لكنها ستتخلى عن أي شيء كي تنعم ببضع ساعات من الراحة بعد إسبوع مُرهِق تماما، وصلت إلى بوابة المبنى الخاص حيث تقوم بتدريس اللغة الإنجليزية لطلاب المرحلة المتوسطة منذ أربعة أشهر حينما سمعت ذلك الأنين الضعيف من مسافة قريبة، اقتربت بحذر حتى وصلت إلى مصدر الصوت
لتتوقف فورا وهي ترى تلك الفتاة الصغيرة تُكفكف دمعاتها وتشيح بوجهها بسرعة، فسألتها بقلق:
_مريم! ماذا بك؟ لِمَ تبكين؟
مَسَحَت الفتاة وجهها بحرج وهي تتهرب بعينيها مُجيبة:
_لا شيء، أنا متعبة قليلا.
جلست بجانبها بهدوء ثم قالت بحنان:
_لا تخجلي أبدا من البكاء، عبري عن حزنك ومشاعرك كما يحلو لك تماما.
ما إن أنهت عبارتها حتى انفجرت الفتاة في بكاء متألم، أحاطت كتفيها بذراعيها مربتة عليها بحنان لتتشبث مريم بأحضانها، بعد عدة دقائق هدأت مريم بالتدريج وكَفَّت عن البكاء تماما، ابتعدت عن أحضانها ببطء فَرَفَعت ذقنها بإصبعها ترمقها بحنو مُخاطبة إياها:
_إن لم تريدي إخباري بما حدث لتبكي بذلك الشكل فلن ألح عليكِ.
نظرت لها الفتاة بألم قائلة:
_لقد سَخِروا مني، مجددا.
عقدت حاجبيها بدهشة وهي تسألها:
_من سخر منك؟!
طأطأت رأسها أرضا مرة أخرى ورددت بخفوت:
_بعض من زملائي اعتادوا على السخرية مني بسبب تلك الشامة على وجنتي،كنت أراهم دائما وهم يدققون النظر بها ثم يتهامسون سويا ويبتسمون.
تطلعت إلى تلك الشامة الظاهرة على وجنتها بوضوح وسألتها بحنان:
_وكيف يكون رد فعلك في ذلك الموقف؟
اجتذبت نفسا عميقا وهي تحاول التظاهر بالقوة وغمغمت:
_كنت أتظاهر بعدم ملاحظتي، حتى عندما كانوا ينظرون لي بتحدي كنت أدعي عدم الاهتمام.
_إذن ما الذي حدث اليوم لتنهاري بتلك الطريقة؟
عادت الدمعات إلى عيني الفتاة مع سؤال معلمتها فَمَحَتهن بيدها وتحشرج صوتهاوهي تقول:
_اليوم..اليوم نعتوني أمام صديقتي الجديدة بالقبيحة، لقد نظرت لي مليا ثم ابتسمت بسخرية ورحلت مسرعة، أنا ليس لدي أي أصدقاء، جميعهن لا يردن التقرب مني حتى لا يتعرضن للسخرية بسببي.
استأنفت بكاءها المرير فلم تقاطعها تلك المرة، راقبتها مليا بصبر حتى انتهت بعد دقائق متسائلة بخفوت:
_هل أنا قبيحة إلى تلك الدرجة؟
امتدت يديها لتتشبث بكتفي الفتاة بقوة فرفعت الأخيرة عينيها بترقب:
_اسمعي مريم، أنت لا تحتاجين أن أكرر على مسامعك كم أنتِ جميلة وستزدادين جمالا بمرور الأيام، لا تحتاجين لأن أخبرك كم أن تلك الشامة التي تكرهينها أراها أنا تميزك بشدة، لكن ما سأقوله يجب أن تنتبهي له جيدا وتعملي به.
تطلعت إليها الفتاة باهتمام لتتابع هي حديثها بصرامة مَشوُبَة بالحنان:
_لا تسمحي لأي شخص أن يقلل من قيمتك، أو أن يؤثر على ثقتك بنفسك، الله عادل ورحيم بنا لا يظلم أحدا، نحن فقط من نظلم، فلا تجعلي بعض قساة القلوب يتسللوا إلى إيمانك به أو بنفسك، ولا تضعي نفسك في أية مقارنة، اعلمي أيضاً أن من لا يسعى إليك لا يستحق صداقتك بالأساس.
ازدردت لعابها وهي تومىء برأسها فتابعت:
_واحرصي دائما على أن تبكي بمفردك، اطلقي العنان لدمعاتك وصرخاتك وشكواك وحيدة، ثم اظهري أمام الجميع قوية واثقة.
ابتسمت الفتاة بضعف ممتن فبادلتها ابتسامتها قائلة:
_والآن ألن تعودي إلى منزلك؟
انطلق رنين هاتف الفتاة فوقفت مسرعة:
_كنت أنتظر شقيقي ليُقِلّني، ها هو قد وصل.
_حسنا، أراك بالأسبوع القادم إن شاء الله، إلى اللقاء.
ما إن استدارت لتنصرف حتى عاجلتها الفتاة صائحة:
_آنسة رهف!
التفتت إليها مرة أخرى مبتسمة بتساؤل فتقدمت مريم لتقف أمامها تماما:
_شكرا لك.
ابتسمت رهف بحنان ثم قبَّلت شامتها ولحِقتها بغمزة شقية لتتعالى ضحكات الفتاة، حتى انطلق الصوت الرجولي من خلفها:
_هل أنت بلهاء؟!
استدارت تنظر لشقيقها بملل وهي تحدثه بنظرة مستنكرة:
_لقد أنهيت حصتي منذ ربع ساعة، أين كنت؟ ولِمَ تأخرت؟
نظر لها شقيقها بابتسامة ساخرة:
_عذرا سيدتي على تأخري بخدمة سيادتك، فأنا كما تعلمين لدي وظيفة أخرى سوى تنفيذ أوامرك والخضوع لدلالك.
ضغطت أسنانها بغيظ:
_هل تسخر مني عاصم؟
_حاشا لِّله وهل أتجرأ أنا على السخرية من الهانم؟! هيا إلى السيارة وتوقفي عن أفعال الأطفال فأنا مرهق للغاية ووالدك ينتظرنا لتناول الطعام.
تقدمها إلى السيارة فتبِعته شاردة في كلمات معلمتها التي_ولا تدري كيف_ أشعرتها بقوة غريبة وثقة مشجعة.
**********
أوصدت باب شقتها بالمفتاح ثم أحكمت غلق النافذة الوحيدة جيدا، اتجهت بتثاقل إلى الفراش وارتمت بجسدها فوقه وهي تزفر بتعب، لقد كانت تتثاءب بمجرد انهائها عملها لكنها الآن تتوسل النوم للحضور فلا تجده، أكل ذلك بسبب وحدتها وشعورها بالغربة؟أم بالخوف؟ أم أن حديث مريم هو ما أثار شجنها؟
مهما حاولت التهرب من ذكرياتها المظلمة لا تستطيع، وكأنه يلاحقها متعمدا كي يمعن في إيذائها، تنمُّر دارِج بين بضع مراهقين أفسد عليها راحتها التي تشتاق إليها، هل ستظل دوما على تلك الحال؟ هل ستبقى حبيسة ذنب لم ترتكبه طوال حياتها؟ سخِرت من نفسها بإزدراء:
_أين كلماتك الحماسية التي أسمعتيها للفتاة؟! ألن تعملي أنتِ نفسك بمبادئ الخطبة العصماء التي تشدقتي بها اليوم؟!
تطلعت إلى صورتها خلال المرآة تراقب ملامح القوة التي بدأت تختفي بالتدريج، ليحل محلها..
ضعف؛
ألم؛
احتياج؛
وشعور بالذنب!
أسبوع مر منذ إنهائها فصل حزين آخر بحياتها، هاتفها خالها بضعة مرات لم يتحدث خلالهن كثيرا، تعلم أن شعوره بالضعف والذنب يقتلانه، تعلم أن ما بيده حيلة، ولا تنتظر منه أكثر، يكفيه ما تحمل من أجلها، يكفيه دفاعه عنها وإيوائه لها لسنوات، وستكون ظالمة إن طالبته بالمزيد، ما يؤلمها الآن أنها بالفعل وحيدة، لا أحد يؤنسها ولا يبادلها كلمة، هل من الطبيعي أنها الآن تشعر باشتياقها لأوامر زوجة خالها التي لا تنتهي؟ أو أنها لا تتضايق بشدة بسبب سخافات ابنة خالها وتنمُّرها الدائم؟
حتى الأمور التي نكرهها نُدرك أن لها بعض القيمة بعد زوالها!
استسلمت أخيرا تعي انتهاء مدة صلاحية اصطناعها اللامبالاة والبرود لهذا اليوم، فأطلقت العنان لنفسها كي تعبر بصمت عم يجيش بصدرها، لتنهمر دمعة..
تلحقها أخرى؛
وأخرى؛
و…..
سيل ألمها انهار ولن يتواجد بجانبها إمريء تضطر لمداراته عنه، هي في الأصل لا تريد مداراته، يحق لها أن تكافيء صمودها بتسليم المقاليد لضعفها كي لا تنفجر في وقت لا يسمح لها بذلك، فلتستريح ببكائها الآن ثم تبدأ يومها غدا متسلحة بعنفوانها.
**********
تداخل صوت رنين هاتفها مع أصوات حلمها، بنصف عين استيقظت ثم ظلت مكانها لثوان قبل أن تتعرف على الرنين المُصِّر، تناولت هاتفها وحَدَّقت به مدركة بأنها نامت بعدما أنهك جسدها بسبب بكائها الذي لم ينقطع لنصف ساعة، صمت الهاتف يأساً فألقته جانبا ثم استقامت بتعب، عاد صوت هاتفها للصراخ مرة أخرى فالتقطته وهي تحاول التعرف على الرقم غير المسجل ثم أجابت باستسلام:
_مرحبا!
صمت تام على الجهة الأخرى جعلها تجلي حنجرتها ظنا منها أن المتصل لم يسمعها، وكررت:
_مرحبا! من معي؟
مرة أخرى لا رد، عقدت حاجبيها بضيق، وانطلق صوتها الرقيق حانقا:
_إن لم ترد حالا سأقوم بحظر رقمك.
ضغطت أسنانها بغيظ وهمت بانهاء المكالمة، لكن أصابعها تيبست على الهاتف وهي تستمع لتعليق محدثها:
_إذن أنتِ رهف!
تسلل تَرَقُّب غريب إليها بسبب النبرة الرجولية الخشِنة غير المألوفة، تمسكت بهاتفها أكثر ثم أجابت بتوجس:
_نعم، أنا رهف، من تكون أنت؟
ضحكة ساخرة خافتة انطلقت من الطرف الآخر حولت توجسها إلى قلق فأتبعها بعبارته:
_غريب! غريب! ألا تعرفين من أنا؟! وأنتِ أحق الناس بمعرفتي!
اجتاحها خوف وهي تتلفت حولها متجهة إلى الباب لتتأكد من إغلاقه:
_اسمع! إن كنت تريد التلهي قليلا فلست أنا من تبحث عنها، أنا لست متفرغة لتلك المهاترات، لا تعاود الاتصال مرة أخرى وإلا سأ…..
قاطعتها لهجته الساخرة بتحدي:
_وإلا؟! ماذا ستفعلين؟ هل ستخبرين خالك؟
صمتت محاولة السيطرة على ارتجافة ذراعها اليسرى وهي تهبط بنظراتها إليها بخوف، لا! لن يحدث ذلك الآن! لن تخذلها في تلك اللحظة! همت بالرد حينما بادرها بضحكة ساخرة سرى بها_لدهشتها_بعض من الألم:
_يا إلهي! أنا آسف، لقد نسيت أنه لم يعد هناك وجود لخالك بحياتك، وأنك الآن تعيشين بمفردك تماماً بغرفة وضيعة، لا صحبة، لا أمان، لا أحد على الإطلاق!
ثم أردف بسؤال ساخر:
_ أتعتقدين أنكِ إن حاولتِ الرجوع إليه ستوافق كلا من زوجته وابنته؟
اتسعت عيناها بذعر وهي تعاود الالتفات حولها بجنون، عم الصمت لحظات أخرى وكأن الطرف الآخر يمنحها الفرصة لتستوعب المأزق الواقعة به الآن، ثم بصوت متقطع أجابته:
_من أنت؟! وكيف تعرف عني كل ذلك؟ أهي إحدى مكائد دينا لتكدير حياتي؟ لقد تركت لها المنزل بأكمله، لِمَ لا تدعني وشأني؟!
أرعبتها الصيحة الغاضبة التي انطلقت منه:
_وهل تعتقدين أن ابنة خالك الخبيثة تفكر بك بعدما رحلتِ عنها؟ اسمعي رهف! أنا لم أبحث عنك بأمر من أحد ولا يستطيع شخص إثنائي عن ذلك، كما أنني ليس لي علاقة بخالك ولا بأسرته، ما يهمني هو أنتِ، وأنتِ فقط!
بهمسة مرتجفة أجابته وهي تحشر هاتفها بين أذنها وكتفها، ثم تمد يدها اليمنى لتُمسد ذراعها اليسرى بسرعة، تساقطت دمعاتها وهي تحاول كتمها بإصرار كي لا يدرك محدثها تأثير حديثه عليها:
_ماذا تريد مني؟
تسمرت يدها على ذراعها وإجابته تصدمها ببساطتها:
_لا أريد سوى الاطمئنان عليكِ.
ثم أردف بغموض:
_حتى الآن.
اهتزت حدقتاها وتنفست ببطء متسائلة:
_ماذا تعني؟
وعندما أجابها، استطاعت أن تدرك ابتسامته برغم عدم رؤيته أو معرفتها بهويته من الأساس:
_أعني أنكِ لستِ وحدك رهف، وأنا لن أتركك مطلقا.
وبنفس البساطة أنهى مكالمته قبل أن يتسنى لها العثور على رد مناسب، أمسكت هاتفها بيدها قبل أن يسقط أرضا ودقات قلبها تتصارع وهي تحدق بيأس في ذراعها اليسرى التي توقفت عن الحركة تماما.. مجدداً!
**********
دلف إلى مكتبه بعدما أنهى مكالمته الهاتفية مع شقيقته المزعجة بطلباتها التي لا تنتهي، صحيح هو يتظاهر بالضيق من كثرة مطالبها لكنه لا يخفي على نفسه استمتاعه بتدليلها برغم علمه بعدم استطاعته تعويضها عن غياب أمها في تلك السن المبكرة، دعا لها بالغفران والرحمة كما رحمته وأكرمته صغيرا يتيم الأم برغم وجودها على قيد الحياة!
كان يدندن بلحن شعبي أُجبر على سماعه في الآونة الأخيرة بكل مكان، حتى أنه لن يندهش إذا اقتحم أحد أحلامه، وعلى ذِكر الاقتحام فقد رفع عينيه بملل تزامناً مع تلك العاصفة الهوجاء التي اندفعت من باب مكتبه صارخة:
_استمع إلىَّ عاصم! أنا لن أسمح لكم بتنحيتي عن حضور تلك الاجتماعات المُهمة مرة أخرى، أنا أعلم جيدا ماذا تحيكان أنت وصديقك في غيابي.
أسند وجنته إلى كفه وهو يتصنع الصدمة :
_يا للمصيبة! هل كشفتي مخططاتنا كلها بالفعل؟! هنيئاً لك يا فتاة، أنت بارعة حقا!
ضيقت عينيها بتحذير وهي تقترب من مكتبه مُرددة ببطء:
_اسخر مني كما شئت، لكنني بالفعل أعلم أنكما تتعمدان الانفراد بحضور تلك الاجتماعات حتى لا يُذاع صيتي وأُلفِت الانتباه بحذاقتي وذكائي.
مط شفتيه بسخرية:
_بالطبع! بالطبع! أخبريني متى استيقظتي اليوم؟
عقدت حاجبيها بدهشة وهي تحدق به ببلاهة:
_عفواً؟!
زفر بغيظ شديد وهو ينظر إليها بجدية مُشدِداً على كل كلمة:
_في أي ساعة استيقظتي اليوم آنسة سارة؟
تهربت بعينيها منه وهي تدور بهما في أنحاء غرفة المكتب بتوتر:
_ في التاسعة.
ابتسم ببرود وهو يسترخي في مقعده:
_مواعيد الحضور في الثامنة صباحا، ولهذا يُخصم منك نصف يوم حتى تلتزمي بمواعيد الحضور.
ضربت الأرض بإحدى قدميها عابسة:
_هذا ليس عدلاً، لقد ظللت متيقظة حتى ساعة متأخرة أُفكر في ذلك العرض الذي سنقدمه خلال الاجتماع.
ازدادت ابتسامته الباردة اتساعا وهو يُخاطِبها بلامبالاة:
_إذن سجلي اعتراضك لَدى شقيقك، هو من يضع القوانين هنا.
انتفضت وهي تميل تجاهه متوسلة:
_لا لا، إلا هو، لقد أتيت إليك طامعة في كرم أخلاقك أن تتوسط لي عنده، لكن للأسف أنت مثله تـ…
قاطعها بتحذير:
_للأسف أنا مثله كيف آنسة سارة؟ تابعي! حديثك شائق وأعتقد أنه سَيَسُره أيضا.
ضغطت أسنانها بغيظ وهي تُتمتم بشيء لم يسمعه لكنه تيقن أنها سَبة ما أو ربما دعوة عليه هو وشقيقها بأن ترتاح من تسلطهما، ابتسمت له بغيظ وهي تجبر نفسها على التحدث بهدوء:
_وأين هو صديقك؟ لقد خرج مبكرا جدا قبل حتى موعد الاجتماع.
ابتسم لها باستفزاز وهو يرفع حاجبيه في حركة مغيظة:
_لا أعلم، أنا لست مُحققك الخاص، توقفي أنتِ والحاجة سوسن عن محاولة جعلي كذلك.
تخصرت وهي ترد له ابتسامته بأكثر منها إغاظة:
_إذن الحاجة سوسن تخبرك ألا تتناول طعام غدائك لدينا اليوم، والذي هو بالمناسبة يحتوي على الكثير والكثير من أنواع السمك.
انتفض واقفا مُندفِعاً إليها بِحماسة واضحة:
_أخوكِ يحاول منذ فترة شراء منزل في أحد الأحياء القديمة، واليوم فقط وصل إلى اتفاق مع صاحب العقار، أنتم لن تأكلوا الأسماك بدوني، أليس كذلك؟
رمقته بدهشة:
_أي منزل؟!
ثم تابعت بابتسامة فرحة:
_هل سيتزوج؟!
تهرب من عينيها بارتباك جلي:
_ليس لدي معلومات أكثر، الآن ماذا بشأن تلك الدعوة؟
ضيقت عينيها بشك للحظة ثم أرخت ملامحها:
_قائمة بالطبع بشمهندس عاصم، الآن سأذهب إلى عملي.
خرجت من المكتب فزفر هو بحنق، لقد عبثت الفتاة به وسقط هو كغر ساذج ليفشي سر صديقه…
لو لم تلوح له بورقة الأسماك!
**********
بعد ثلاثة أيام :
اختتمت درسها بابتسامة مرتجفة للطلاب الذين كانوا يتبادلون النظر بدهشة، ولِمَ لا يفعلون وقد كانت اليوم خرقاء أكثر مم يُسمح به؟! لقد تلعثمت وشردت ثم أسقطت أغراضها عدة مرات فلم تسعفها ذراعها السليمة الوحيدة في حفظ ماء وجهها لتتظاهر بعدها بعدم سماعها الضحكات الساخرة الخافتة من بعض هؤلاء المشاغبين، أحقا مكالمة هاتفية غامضة تفعل بها ذلك؟! إنها حتى لم تتكرر!
اندفعت إلى خارج القاعة تنهب الخطوات بحنق وهي تختلس النظر لذراعها تلومها بصمت، لا تعلم كيفية التصرف الآن، لقد ظنت أنها تخلصت من تلك المشكلة أخيرا لتتيقن مؤخرا أنها ربما ستظل إلى الأبد عليلة الجسد والروح.
_آنسة رهف!
التفتت لتجد مريم مقبلة إليها بابتسامة جميلة مُتسائلة:
_هل أنتِ بخير؟
حاولت أن تبادلها ابتسامتها فظهرت النتيجة تعبير مرتجف متوتر تماما مُجيبة إياها:
_نعم مريم، أنا بخير، هل لديكِ أية أسئلة؟
_لا، لقد أردتُ فقط الاطمئنان عليكِ، لقد بدوتِ متضايقة بشدة اليوم.
زفرت بتعب وهي تدنو منها لتربت عليها بحنو قائلة:
_أنا بخير حبيبتي، أريد فقط قَسطاً من الراحة، أخبريني هل حدث ما يزعجك؟ هل أزعجك أحدهم؟
اتسعت ابتسامة الفتاة ورفعت إحدى كتفيها بغرور مصطنع هاتفة:
_ربما! لكنني لا اهتم، لن أسمح لأحد بالتأثير علي مرة أخرى.
أطلقت ضحكة رائقة أخيرا وهي تميل لتقبل شامة الفتاة مُرددة بِنبرة تشجيعية:
_ممتاز! أنتِ فتاة قوية!
نظرت لها مريم بامتنان قائلة:
_أنتِ السبب، لقد أخبرت أخي عن كلامك معي ذلك اليوم فَسَعِد بشدة، حتى أنه أكد عليّ أن أشكرك.
قرنت مريم قولها بالفعل وهي تفتح حقيبتها ثم التقطت غرضا وقدمته إلى رهف قائلة:
_فكرت بإحضار وردة لكني خفت أن تذبل عند انتهاء الحصة، فنصحني عاصم بإهدائك شوكولاتة، تحبينها أليس كذلك؟
دمعت عيناها سعادة وهي تلتقط الشوكولاتة منها ثم أحاطتها بذراعها السليمة بحنان وهي تهمس لها:
_بل أعشقها! شكرا لكِ مريم، لقد أسعدتني وَحَسَّنتِ مزاجي.
ظهرت الفرحة جلية على وجه الفتاة وهمت بالرد عندما بدأت بالتحديق في نقطة ما خلف ظهر رهف ثم سألتها بفضول:
_هل تعرفين ذلك الرجل؟
عقدت رهف حاجبيها بدهشة ثم التفتت لتلمح شابا طويلا على بعد مسافة منهما يوليهما ظهره ثم
يستقل سيارة فاخرة رمادية اللون وينطلق بها مبتعدا، حدقت في إثره بشرود ثم نظرت إلى مريم قائلة:
_لم استطع رؤيته، من هو؟
ظهر الاهتمام الأنثوي المبكر على وجه الفتاة وهي تخفض صوتها وتقترب من رهف هاتفة:
_لقد رأيته بضعة مرات من قبل، واليوم هي المرة الثانية التي أشعر به يحدق بكِ أنتِ على الأخص، فظننت أنكِ ربما تعرفينه.
هزت رهف رأسها بنفي ثم أجابتها ببساطة:
_لا أعتقد أنه ينظر إليّ أنا، ربما يعمل هنا.
ردت مريم بتصميم واثق:
_لا أنا متأكدة، هو لا يعمل هنا، كما أنني لا أراه إلا في أيام حصصك فقط، حتى أنني رأيته اليوم أمام قاعتنا الدراسية وكان يحدق بكِ على وجه التحديد، فاعتقدت أنه ربما يكون شقيقك أو قريبك.
ابتسمت رهف بحسرة قائلة:
_أنا ليس لدي أشقاء أو شقيقات مريم، ومؤكد كل ذلك محض تخيلات من عقليتك التحقيقية المميزة.
هزت مريم كتفيها بعدم اقتناع فتابعت رهف:
_على أي حال، هيا عودي إلى منزلك، ولا تنسِ اختبار الحصة القادمة .
غمزتها رهف وهي تلتفت بسرعة فكادت أن تصطدم بأحدٍ ما فبادرت بارتباك:
_آسفة!
ابتسم بود وهو ينظر إلى الفتاة التي تضحك خلفها:
_لا تهتمي، أعرف تماما أن تلك الجنية تجعل من يرافقها يعدو هربا عند أول فرصة.
نظرت له بدهشة فاتسعت ابتسامته وهو يُحييها:
_مهندس عاصم عبد الرحمن أخ تلك المزعجة، حضرتك بالتأكيد الآنسة رهف معلمتها.
تنحنحت بتوتر وهي تومىء برأسها إيجابا:
_أهلا وسهلا.
إتسعت ابتسامته وهو يمسك بيد أخته قائلاً:
_مريم أخبرتني بما حدث، وودت لو أشكرك بنفسي على النصائح التي أسديتها لها.
ابتسمت بصعوبة وهي تشيح بنظرها عنه قائلة:
_لم أفعل شيئاً، مريم فتاة مميزة ومجتهدة، بارك الله لكم بها، أستأذنك الآن.
لم تنتظر ردا وهي تسرع بالانصراف، وصلت إلى موقف الحافلات واستقلت إحداهن، حمدت ربها أن وجدت مكانها المفضل لايزال خاليا، المقعد الأخير بجوار النافذة، استندت بذراعها عليها وهي تشرد عامدة في أي شيء حتى تمتلئ الحافلة، وحينما أُغلق الباب وهَم السائق بالانطلاق شهقت بخفوت وهي تلمح السيارة الرمادية وصاحبها الذي لم تتبين ملامحه جيداً يحدق بها بتصميم.
**********
كان على وشك الولوج إلى مدخل البناية التي يقطن بها عندما قابلته السيدة أم محمود التي تسكن بالدور الأرضي، أخفض بصره داعياً ربه أن يمر بجوارها في سلام دون أن تعطله بثرثرتها التافهة، لكنه_مع الأسف_ لم يكن محظوظا إلى تلك الدرجة!
_أستاذ صلاح!
أغمض عينيه بتعب وهو يفكر في التظاهر بعدم سماع ندائها ولم يكد ينفذ أمنيته حتى وجدها أمامه تسُد عليه طريق الدَرَجات هاتفة:
_أستاذ صلاح أناديك، ألم تسمعني؟
استطاع تدبير ابتسامة مفتعلة وهو يواجهها:
_عذرا أم محمود، فأنا لتوي قد عدت من العمل وأشعر بإرهاق شديد.
ابتسمت المرأة بلامبالاة وهي تميل بالقرب منه قائلة:
_أعلم ذلك أستاذ صلاح، أنا فقط أردت تحيتك والاطمئنان على أحوالكم جميعا، كيف هي السيدة شروق؟
أغمض عينيه ممتنا وهو يحافظ على ابتسامته خافضا بصره بتهذيب علها تتركه يعبر ثم قال:
_بكِ الخير أم محمود، هي بخير حمدا لله، سأخبرها بسؤالك عنها، أتسمحين لي بالمرور؟
لم يبد عليها أنها سمعت طلبه فاستأنفت حديثها والحزن_الذي يدرك هو بأنه مفتعل_ يقفز من عينيها:
_لقد علمت بما حدث لدينا وحزنت كثيرا من أجلها.
أجابها بجدية وهو يثبت نظراته على الدرجات التي ستُخلِّصه من حديثها:
_كل شيء نصيب أم محمود، حمدا لله على كل حال.
ارتسمت نظرة متعاطفة بعينيها وهي تتحدث:
_ألا يوجد سبيل للرجوع؟ أتُحب أن أتدخل وأحاول الإصلاح بينها وبين طليقها؟
نظر لها بحنق وهو يجيبها مسرعا:
_لا لا تفعلي أبدا، لقد افترقا راضيين ولا يريد أحدهما العودة للآخر، شكرا أم محمود على نيتك الطيبة.
رَسَمت المرأة ملامح الحزن على وجهها وهي تقول بإشفاق:
_أنت تعلم أستاذ صلاح أن السيدة شروق بمثابة شقيقتي، وأن دينا أعتبرها ابنتي.
اعتلت ثغرة ابتسامة صفراء وهو يومئ برأسه إيجابا مُردداً:
_أعلم أعلم، كلنا نعلم ذلك، شكرا أم محمود، أستميحك عذرا سأصعد إلى بيتي الآن لأ…..
قاطعته بلهفة والفضول يتراقص بمقلتيها بعد أن كبتته طويلا:
_علمت أيضا أن ابنة شقيقتك لم تعد تقطن معكم، خيرا فعلتم والله فوجودها معكم كان لا يصح بتاتا، حتى أنني أعتقد أنه ربما كان لها يد في طلاق دينا، لكن أين ذهبت يا ترى؟ أيعقل أنها ذهبت إلى……
حان دوره هو ليقاطعها هاتفا بصرامة والغضب يندفع من ملامحه إليها:
_أم محمود! أنا لا أسمح لأي شخص بأن يتحدث عن ابنة شقيقتي بما يسيئها، وبالرغم من أنه أمر خاص ولا يحق لأحد التدخل به إلا أنني سأخبرك أن رهف ليس لها أية علاقة بطلاق ابنتي، فأرجو منكِ أنتِ وصديقاتك الثرثارات ألا تذكرن اسمها على ألسنتكن، ومن الأفضل شغل أوقاتكن بما ينفع بدلا من الخوض في حيوات الغير، افسحي الآن كي أصعد إلى بيتي فرأسي سينفجر حتما من الصداع.
قفزت المرأة جانبا محدقة به بذعر لينطلق هو صاعدا بخطوات غاضبة.

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  أغرب قضية في المحاكم المصرية 2002 (أصيلة) الفصل الثالث 3 بقلم أحمد حسن (الرواية كاملة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top