الفصل العشرون والأخير(الجزء الثاني)
بعد أيام:
حاول حمزة السيطرة على ضيقه المُتصاعِد ونجح بصعوبة بالغة، بينما كان يتظاهر بتأمُّل هاتفه وهو ينتظر ابتعاد والدتها مع رهف، اقتربت سارة منه بوجه يشع خجلاً فتعالت دقات قلبه مع كل اقتراب.
_يبدو أن هناك ما يُضايق طبيب الرمد خاصتي!
اجتذب ابتسامة بصعوبة وهو يتهرَّب من عينيها قائلاً:
_على العكس، أنا سعيد اليوم للغاية، لم أكن أتوقع أن يوافق ساري على تحديد موعد زيارتنا بهذه السرعة، ظننت أن يتعلل بحداثة زواجه ويؤجل الأمر.
حدَّقت هي بعينيه رغماً عنها مُشددة:
_لا تحاول إقناعي أنه ليس هناك ما يُشغِلَك ويجعلك مُتجهم هكذا بعد أن كنت سعيداً للغاية منذ دقائق.
استسلم أخيراً لنظراتها وهو يزفر بتعب..
ماذا يُخبِرها؟
أيُخبِرها أنه حانق لأن والدتها لا تطيقه؟
أيُخبرها أنه يعي نظرة البعض إليه وكأنه خدعها؟
وكأنه لا يستحقها؟
أيُخبرها أنه يُدرك نظرات استكثارها عليه؟
وكما عادتها فاجأته وهي تتحدث بهدوء قوي واثق:
_اسمعني جيداً حمزة! أنا أعي تماماً ما تُفكِّر به، وأعلم ضيقك بسبب نظرات الغير لعلاقتنا المرتقبة، لكنني لا أهتم، أنا اخترتك بإرادتي وأعرف أنني لن أندم يوماً على اختياري.
ثم أضافت بابتسامتها الرائعة:
_كما أنك رأيت بنفسك أن ساري بصفك تماماً وهو من قام بإقناع أمي بالموافقة، أما بالنسبة لتعامُلها الرسمي معك فلا تبتئس ، أعدك أنها حينما تتقرب منك مثلما فعلت أنا وتعلم أي رجل رائع أنت مثلما فعلت أنا، ستحبك كثيراً.
أعادت له ابتسامته بمنتهى البساطة فسألها بخفوت:
_مثلما فعلت أنتِ؟
تسمرت مكانها فشدد ببطء:
_ستحبني مثلك سارة؟
توردت وجنتاها بحرج وقبل أن تجد حُجة للهرب ككل مرة عاجلها:
_أُحبك جميلة العينين.
حمحمت بحياء ثم هتفت بمرح مُفتعل:
_أشعر أحياناً كثيرة أن ما جذبك إلي هو عيناي فقط.
فكان ردُّه وهو يُحدِّق بهما مُثبِتاً خطأ ظنونها:
_عيناكِ مرآة لروحك سارة، روحك التي اختطفني على حين غرة، فارتميت بداخلهما بكل إرادتي لأجد سكناً لم أحلم بِرَوعَتُه يوماً.
طأطأت برأسها خجلاً فتابع مازحاً:
_أين كَرَم لسانك الآن سارة؟!
ولم تمنحه رداً وهي تستدير عائدة حيث الجميع، تلحقها تنهيدته!
**********
بعد بضعة أشهر:
تشبث عَمَّار بكف رهف وهو يمنحها نظرة مُشجعة بينما اقتربت معه إلى ذلك المقعد في مواجهة..والدهما!
شهور مَرَّت منذ أن دخل إلى هذا المكان ليؤكد جميع المحامون أنه لا فرصة لخروجه منه..حيَّاً على الأقل!
شهور مَرَّت منذ أن استشعرت هي معنى الحُب والأمل والسعادة مع حبيبها وزوجها الذي يُغدِق عليها بحنان لم تحلم بالتمتع به يوماً؛
شهور مَرَّت وهي تحب حياتها كل يوم أكثر؛
ودلالها الذي يُشجعه هو كل يوم أكثر؛
و…
شهر واحد مَر منذ أن فازت بتلك القضية وأُعلِن بالدليل القاطع أنها.. رهف شديد الناجي!
فإن كان عَمَّار قد عرض عليها رَفع قضية إثبات النسب يوماً وإجراء تحليلاً لا يترك مجلاً للشك، فلم توافق خوفاً على أحبائها؛
ساري لم ينتظر رأيها!
والآن.. في هذا المكان ها هي تواجه من بابتعاده عنهما ذاقا معنى الراحة!
البنية القوية.. صارت هَزيلة؛
المنكبان العريضان.. صارا مُتَهَدِّلَين؛
صاحب الطول الفارع.. صارت رأسه مذلولة مُطرِقة؛
قاسِ الملامح، مُظلم العينين.. لايزال كما هو!
رَفَع شديد رأسه بِحِدَّة يحدق بهما بدهشة، فحينما أخبره العسكري أن ابنه وابنته جاءا من أجل الزيارة اعتقد أن تغريد هي من ترافق أخيها.. وليست الأخرى!
الأخرى التي بسببها تم إجباره منذ شهر على إجراء تحليل حمض نووي، ثم إثبات نسب رسمي إليه!
“كيف حالك شديد بك؟!”
قالتها بثقة وهي تجلس على المقعد المقابل في مكتب الضابط، بينما وقف عَمَّار إلى جوارها مُسنداً كفه خلف ظهر مقعدها في إشارة واضحة..بالحماية!
_لِمَ لا تقولين أبي؟! ألم تفوزي بالقضية وأثبتي نسبك إليّ في آخر الأمر؟!
سألها بحقد فلم تُجِب، ليتابع بسخرية:
_ألم تصيري رسمياً رهف شديد محمود الناجي؟ لماذا لا تُظهري شماتتك بي؟
وملامحها الجامدة استفزته بينما قالت بهدوء:
_لقد أخبرتك من قبل أنني لن أفعل.
ليهتف من بين أسنانه:
_لماذا جئتِ إلى هنا إذن؟
وصعد بنظراته ثم بسؤاليه إلى عَمَّار الذي يقف مستعداً متأهباً وكأنه على أبواب حصون الأعداء:
_لماذا أحضرتها إلى هنا؟! ماذا تريدان أن تُثبتا بزيارتي؟
ولمَّا هَمَّ عَمَّار بالتحدث نَزِقَاً تَوَلَّت هي الحديث بِجِدية:
_أردت أن أثبت أنني لست مثلك شديد بك!
نظر إليها بلا فهم فتابعت بتردد:
_سأكون صريحة معك..
وأطرقت برأسها أرضاً وهي تضيف:
_أنا لا أشعر بأية فرحة أو راحة لرؤيتك بهذا الوضع مُطلقاً.
انعقد حاجباه يناظرها بِحَذَر فأردفت:
_لكنني أود إسداء نصيحة إليك كيلا أشعر أنني تقاعست عن آداء دوري ك.. كإبنة!
والتردد سيطر على ملامحها وصوتها وهي تستطرد:
_لقد.. لقد تعلمت أن المرء إن أخطأ يجب عليه التوبة، وطلب العفو من الرب ثم العبد، والعزم على عدم العودة إلى الخطأ مرة أخرى.
ثم دققت النظر به قائلة برجاء رغماً عنها:
_بإمكانك طلب الغُفران ممن ظلمتهم شديد بك.
واستدركت بحسرة:
_من لايزالوان على قيد الحياة بالطبع!
ضاقت عيناه وهو يميل تجاهها برأسه متسائلاً:
_هلا أوضحتِ لي قليلاً؟
جابهته بثقة قائلة بثبات لم تدرِ متى اكتسبته:
_السيدة سوسن، السيدة سناء، سارة و..ساري، وخالي..
والثقة تعالت وهي توضح بحماس:
_ماذا إن طلبت منهم الغفران؟ ماذا إن طلبت منهم منحك عفوهم، عَلَّك تحصل على بعض الراحة و…
بترت عبارتها ثم استأنفتها برجاء:
_عَلَّك تشعر بالتسامح!
تهكم مُعلقاً:
_تسامح؟!
والحسرة بدأت تتسلل إليها وهي تقول بألم:
_نعم.. التسامح، إنه ذلك الشيء الذي يجعل رجل يسعى بكل قوته كي يثبت نسب زوجته إلى اسم الرجل الذي دَمَّر أسرته.. متجاهلاً عذابه، مُتلمساً سعادتها ورضائها.
والثقة اصطحبت الحماس هاربين تماماً عندما مالت شفته في ابتسامة ساخرة قبل أن يسألها باستنكار:
_أتظنين أنني قد أعتذر لهؤلاء الأشخاص؟!
وبدفاع أخير قالت:
_لقد دمرت حيواتهم بطرق متعددة، ألا يستحقون منك اعتذاراً؟! اعتذار لن يُعيد إليهم ما فقدوه على الإطلاق، لكنك أنت من في حاجة ماسَّة إليه الآن.
لكنه هَبَّ واقفاً هاتفاً بها:
_أنا لست بحاجة إلى أي شيء، أو إلى أي شخص، وسأجد طريقة لأخرج من هذا المكان في أقرب وقت.
تخلَّى عَمَّار عن صمته الذي توسلته إياه قبل أن يدخلا ليجذبها من يدها قائلاً:
_هيا رهف، لقد أخبرتك أن فكرتك عبثية، وحضورنا هنا بلا فائدة.
استسلمت ليده فوقفت أمام أبيها مرددة بخفوت:
_لا عَمَّار، ليست عبثية.
ثم حَدَّقت به لِثوان؛
باحثة عن حنان.. حُب.. اشتياق؛
لكنها لم تجد إلا قسوته المعهودة؛
وبالرغم من ذلك قالت ببطء:
_أنا.. سامحتك.. أبي!
والكلمة الأخيرة خرجت بصعوبة منها، وكأنها جَمَّعَت حروفها قسراً؛
وكأنها قيدت حروفها بسلاسل من حديد مُجبرة إياها على التشكل والخروج في صورة كلمة لم تجد فرصة يوماً للنداء بها!
ومادامت قد بدأت فلتنتهي إذن!
_لقد سامحتك، عسى أن يقل عذابك فيما بعد.
وبينما يحدجها هو بنظرته القاتلة رددت بهدوء:
_إلى اللقاء!
ليلحق بها عَمَّار مُربتاً على كتفها مُشجعاً، فخوراً، ومن أجل أن يُلهيها عما حدث همس مازحاً:
_أكاد أجزم أننا إن تأخرنا دقيقتين إضافيتين لاقتحم زوجك المجنون السجن منادياً إياكِ بلهفته المعهودة باحثاً عنكِ كطفل لا يستطيع الابتعاد عن أحضان أمه، ليقوموا بإلقاء القبض عليه فأستريح أنا منه ومن سماجته نهائياً!
ثم توقف مكانه متابعاً بحماس:
_أتعلمين؟! لقد راقت لي الفكرة كثيراً، هيا رهف لننتظر قليلاً بعد!
حَلَّ العبوس عن وجهها بالتدريج لتبتسم قائلة:
_توقف عَمَّار! لا أحب إزعاجك له!
ليتابع سيره إلى جوارها متسائلاً بامتعاض:
_وماذا عن إزعاجه هو لي؟
هَزَّت رأسها نفياً مُجيبة إياه:
_لا أحبه أيضاً!
ثم نظرت له قائلة بحزم مفتعل:
_توقفا عن التصرف كما الأطفال، أشعر أنكما تعوضان فترة صداقتكما المفقودة عن طريق التظاهر بالغيرة عليّ، بينما أنا في الواقع بريئة من أفعالكما تماماً!
وعندما وصلا إلى الطريق لمحاه يدور حول السيارة بتوتر فاضح فسخر عَمَّار قائلاً:
_انظري! ها هو سيقتحم الأسوار.
ثم أردف بحسرة مفتعلة:
_لو كنا انتظرنا!
…
يستند على مقدمة سيارته لثانية، ثم ما يلبث أن يجلس في مقعده بداخلها، وفي اللحظة التالية يخرج صافعاً بابها بحنق واضح ليركل بعض الحصى على الأرض بغيظ…
سيحترق انتظاراً هنا؛
ليته ما أذعن لطلبها!
ليته فرض رأيه ودلف معهما بأية طريقة!
ليته لم يستمع لهرائها عن عدم خوفها!
أو ليته رفض حضورها بالأصل!
ضربات قلبه تتعالى وذُعره وصل إلى ذروته ولم يفُت إلا نصف ساعة فقط؛
أهو اختبار آخر لقيمتها لديه؟!
أهو عقاب آخر لِفعلته الظالمة بحقها؟!
و….
ها هما يظهران لينطلق إليهما بكل خوفه هاتفاً بأخيها:
_ماذا حدث؟ أخبرني عَمَّار ماذا قال لها؟
وأحاط وجهها بكفيه متفحصاً إياه بلهفة وهو يسألها:
_ماذا فعل حبيبتي؟! هل أزعجك؟! لماذا لا..
ليقاطعه عَمَّار بنزق صائحاً:
_يا رجل انتظر وامنحنا فرصة للتحدث أولاً!
وبغيظ دفع أخته بكتفها تجاه ساري لتسقط على صدره بينما يصيح به:
_ها هي زوجتك سالمة، ألا تثق بي؟!
احتضنها ساري بجزع ماسحاً على رأسها، هاتفاً به بالمثل:
_ما هذا العنف؟! لماذا تدفع بها هكذا؟!
تأففت رهف بينهما فنظر إليها بقلق متسائلاً:
_ماذا بكِ؟ لِمَ هذا الشحوب؟ هل كنتِ تبكين؟!
هَزَّت رأسها نفياً ثم أجابته بإرهاق واضح:
_أنا بخير ساري، الجو حار وخانق كثيراً وأرغب بالعودة إلى المنزل، هلا انصرفنا من هذا المكان؟
ولايزال يتفحص جبهتها ووجنتيها حتى هتف به عَمَّار بغيظ:
_توقف عن تلمُسها كالنحاتين هكذا! لم ينقص منها شيئ!
ودون انتظار رد منه يعلم أنه سيثير استفزازه تجاوزهما حانقاً إلى سيارته..
…
_ألن تقود السيارة؟
سألته بدهشة حينما قبع في مقعده إلى جوارها في صمت لدقائق..
ليستدير إليها بوجه قاتم، وبصوت مكتوم متردد سألها:
_هل.. أهانك؟
انعقد حاجباها بدهشة دون رد فهتف من بين أسنانه بنزق:
_أجيبيني رهف! هل قام بتوجيه أي إهانة إليكِ؟
تخلصت من دهشتها سريعاً وهَزَّت رأسها نفياً قائلة:
_لا.. لم يفعل، وحتى إن أراد لم يكن عَمَّار ليسمح بذلك.
واحتل الألم عينيه وهو يسألها بتدافع:
_ماذا إذن؟ ماذا اكتسبتِ بزيارته؟ لقد حصلتِ على وثيقة تثبت اسمك بأي حال، لِمَ تعرضين نفسك إلى عبء مقابلته؟
شردت بملامحها بعيداً مرددة بخفوت:
_كنت أمنحه فرصة.
تأفف حانقاً مشيحاً بوجهه فتابعت باستدراك:
_لا يهم ساري، كان لابد لي من زيارته حتى أتأكد أنه لن يؤثر على حياتنا ثانية.
وعندما انتبهت إلى ضيقه قالت بدلال تعلم تأثيره عليه جيداً:
_لا تعبس هكذا حبيبي! أنا أمامك سالمة تماماً لم يحدث لي شيء.
لكنه لم يستجب متشبثاً بصلادة تعلم هي أنها_معها وحدها_ واهية!
_أتعلم أن سعادتي بوثيقة زواجنا تفوق سعادتي بوثيقة القيد الجديدة هذه؟!
وها قد فازت!
التفت إليها مستسلماً قائلاً بغيظ:
_سامحكِ الله يا رهف! لماذا تقولين مثل هذا الكلام هنا والآن؟!
انعقد حاجباها بتساؤل فمنحها نظرة امتعاض متمتماً:
_كيف باستطاعتي التوقف تحت شمس الظهيرة الحارقة بمنتصف الشارع لأحصل على درسي أنا؟!
**********
أشاحت سارة بوجهها بعيداً في خجل عن حمزة الذي يخلتس النظرات الفَرِحَة إليها بلا قيود، بينما يُردد العبارات التي يُمليها عليه الشيخ وهو يتمسك بِكف شقيقها أسفل المحرمة القماشية المُطرزة باسميهما، بعد أن فعل ساري المثل لِتوه..
تتسابق ضربات قلبها وبصعوبة تمنع نفسها من إطلاق الزغاريد التي تتدافع على لسانها ترغب بالتحرر!
ها هي بعد مماطلات من والدتها صارت زوجته؛
والدتها التي اكتشفت بمرور الوقت أنه بالفعل شخص جيد ويُحترم؛
والدتها التي أصبحت تشكو إليه منها أحياناً مُستغلة تأثيره الواضح عليها؛
والدتها التي باتت تتعامل معه وكأنها عثرت على بديل عادل لفقيد لم تنسه يوماً!
امتدت يدها لتوقع باسمها مُحررة ابتساماتها السعيدة بلا اهتمام، ليميل شقيقها على أذنها قائلاً بعبوس مفتعل:
_لا تظهري فرحتك بهذا القدر سارة حتى لا يَغتَر “الأخ” بنفسه! تدللي قليلاً!
رَفَعت عينيها إليه بامتنان هامسة:
_أحبك ساري، أدامك الله لنا جميعاً!
ليجذب رأسها إليه مُقبلاً إياها قائلاً بتأثر:
_مبارك حبيبتي، رزقكما الله السعادة.
“هل أستطيع اصطحاب زوجتي إلى الخارج الآن؟!”
هتف بها حمزة وهو يجذبها لتقف بالفعل، حينما أهداه ساري نظرة ممتعضة متمتماً:
_خذها! ولا تعيدها بعد دقائق متلمساً الراحة بعد ثرثرتها التي لن تتوقف مُطلقاً!
…
على سطح أحد الفنادق متوسطة المستوى في مطعم أنيق حيث قام بحجزه لهما، انفرد بها بعد انتهائهما من تناول طعام العشاء الذي لم تتناول منه شيئاً بسبب شدة ارتباكها، وبرغم محاولاتها الخرقاء لتناول مواضيع شتى لا رابط بينهم إلا أنها لم تبد في نظره أجمل يوماً!
أحاط كتفيها بذراعه فتصلب جسدها في مفاجأة، لكنه مال على أذنها هامساً:
_اهدئي سارة، لن آكلك!
ثم أردف بصوت أجش:
_بالرغم من أنني أتمنى لو أفعل!
توترت أكثر وهي تحاول التخلص من ذراعه التي تكبلها إليه مرددة بضعف:
_ابتعد قليلاً حمزة، هناك ….
قاطعها قائلاً بخفوت:
_لا يوجد سوانا هنا، لذا توقفي عن محاولة الابتعاد!
وأضاف مبتسماً:
_أخبرتك قبلاً أنني لن أسمح لكِ بالهرب مني.
نظرت إليه فتابع بهمس، محدقاً بها:
_يا إلهي! أنتِ أجمل من رأت عيناي سارَّة!
أصبحت وجنتاها قانيتين واحتبست الكلمات على لسانها، فاستطرد بخفوت:
_أتدركين بِمَ أشعر لمجرد النظر إليكِ؟
هَزَّت رأسها نفياً ببطء متسائلة:
_بِمَ تشعر حمزة؟
ارتفعت أنامله تتحسس وجنتها بينما تابع بنفس النبرة:
_أشعر وكأنني لا أجد غضاضة في الغرق بداخل عينيك إلى الأبد، أشعر وكأنني أجد راحة لم أحلم بالحصول عليها يوماً، أشعر أنني..
وعندما بتر كلماته فجأة وجَفَّ حلقها، استحثته بلهفة:
_تابع!
وتثبتت عيناه على عينيها قائلاً باشتياق واضح:
_أريد طفلة مثلك سارَّة، ثرثارة، مندفعة، مجنونة، تشبهك تماماً، سأدللها، سأغدق عليها بالحنان، لن أدع أي شيء يتسبب بإيذائها، سأعمل على منحها ذكريات سعيدة، أريد سارة أخرى.. صغيرة…
وأضاف بصدق نبع من كل حررف يتفوه به:
_بلا أحزان، بلا احتياج، بلا فقدان، وبلا كوابيس!
وبرغم دقات قلبها التي تتابعت تعلن عن اقتران رغبتها بخاصته، فإنها تصنعت عبوساً قائلة:
_لقد بدأت أشعر بالغيرة منها!
لتتسع ابتسامته قبل أن يهمس:
_لكِ أنتِ دلال من نوع خاص سارَّة، دلال يليق بامرأة في مظهر فتاة صرخت في وجهي يوماً فعاثت فساداً في رتابة حياتي وأجبرتني على التراجع عن قراري بالاكتفاء بذاتي إلى النهاية.
ولمعة عينيها مع ارتجافة شفتيها أثارا بداخله توتراً وحنقاً ليقول معترضاً:
_لماذا لم نقيم زفافنا الليلة؟! عقد القران هذا غير كافِ تماماً!
ارتفع حاجباها دهشة ثم سألته مستنكرة:
_ألست أنت من أصررت عليه حتى ننتهي من تأثيث الشقة؟
ويبدو أنه لم يسمع سؤالها؛
فلم يُجب؛
ولم يتحرك؛
ولم يأتِ بأي رد فعل؛
إلا أنه تمعن بمقلتيها أكثر!
لتسأله مُتوجسة:
_لماذا تنظر إليّ هكذا؟!
وإجابته جاءت على هيئة سؤال:
_لماذا عيناكِ ملتهبتان؟
ضاقت عيناها دهشة، بينما التفت هو لينظر حوله ببطء، فقالت:
_ليستا ملتهبتين، لا توجد أتربة في الجو بالأصل!
وعاد بنظراته التي صارت غريبة إليها قائلاً بتمهُّل:
_لا، إنهما ملتهبتان بشدة دعيني أتأكد!
وقبل أن تتحرك.. سبقها هو؛
وقبل أن تفهم.. اتخذ الخطوة هو؛
وعندما أدركت ما يحدث.. كان بها يذوب هو!
تشبثت يداه بيديها بحنان ليرتشف اسمه من بين شفتيها بلا ارتواء، إلى أن ابتعدت هي عنه بخجل، مشيحة بوجهها، هامسة بصوت متقطع:
_ماذا تفعل حمزة؟! أين هدوءك ومراعاتك للمكان والــ…
ليعيد وجهها إليه بأصابعه قائلاً بلهجة واعدة:
_أي مراعاة يا بنت؟! أتعلمين سارة؟! لقد اتخذت قراري! سأوقع الكشوفات عليكِ من الآن وصاعداً بلا أسباب!
**********
عاد من العمل مُنهَك بعد أن تغيب عاصم وسارة هذا اليوم، الأول يلهث مع خطيبته خلف شراء ما يلزمهم من أجل تجهيز شقتهم ليتم زفافهما في موعده المرتقب..
والأخرى تلهث مع أمه وحمزة خلف تأثيث شقتهما أيضاً!
داعبت أذنيه دندناتها الرقيقة بإحدى أغنيات الأطفال التي تُسليهم بها في عملها، فاتجه على الفور إلى غرفتهما متحمساً، مشتاقاً، مبتسماً..
وتوقفت الابتسامة وهو يُحدق بها تقف أمام المرآة تمسك بشيء أثار…رفضه وذعره!
_ما هذا؟
صاح بها فجأة فانتفضت تنظر له عابسة، محاولة التقاط أنفاسها، ثم نظرت إليه بغيظ هاتفة بِلَوم:
_أهكذا تثير هلعي يا ساري؟!
اقترب منها بخطوات متسارعة وعيناه متسمرتان باتساعهما على الزجاجة الصغيرة بيدها، ثم كرر بتشديد:
_رهف أجيبيني! ما هذا؟!
نقلت عينيها بين الزجاجة الصغيرة في يدها والتعبير الغريب على وجهه، ثم قالت بِتوجس:
_إنه أحد الزيوت الطبيعية ابتعته اليوم، ماذا هناك؟!
ازداد تعبير وجهه غرابة وهو يسألها بِتحفُّز:
_وفيم ستسخدمينه؟!
مطت شفتيها قائلة ببساطة:
_سأستخدمه من أجل أهدابي.
بوجوم سألها:
_عفوا؟!
ثم أردف بِنبرة تحذيرية:
_ما بها أهدابك؟
هَزَّت كتفيها مُجيبة إياه ببراءة:
_سأقوم بفردهم به.
اندلع الجنون بعينيه دفعة واحدة وهو يختطف الزجاجة منها هاتفاً بدهشة:
_بِمَ تهذين أنتِ؟ كيف تفكرين بفعل كهذا بالأصل؟!
واتجه من فوره إلى نافذة الغرفة ليلقيها خارجاً دون تردد لتصيح هي به بذهول:
_يا إلهي!، ماذا فعلت أنت، أتعلم كم كلفني من وقت كي أعثر عليها؟!، إنها واردة الخارج وقد وصلتني بعد شهرين كاملين منذ طلبتها!
التفت إليها هاتفاً بِحزم:
_لا أهتم، أهدابك ليس من حقك التصرف بها كما تشائين!
اتسعت عيناها بدهشة فتابع بصرامة:
_وأي اقتراح بفردهم غير مقبول!
وقبل أن تجد رَدَّاً لائقاً عاجلها بِلهجة لا جدال بها:
_وأي مستحضر يتضمن التعرض لها غير مسموح بوجوده ببيتنا!
اقتربت منه ببطء رامقة إياه بِقلق ثم قالت:
_هل تستمع إلى نفسك ساري؟، إنها أهدابي أنا، ملكي أنا!
مط شفتيه قائلاً ببساطة:
_وأنتِ بكليتك ملكي أنا، إذن هم أيضا ملكي، ما الذي يتعسر عليكِ استيعابه؟ لا أفهمك!
عقدت حاجبيها بغيظ فلانت ملامحه قليلاً وهو يقول:
_لا تنظرين إليّ بتلك الطريقة رهف كي لا أضطر لمصالحتك الآن.
أشاحت بوجهها بعيداً عنه وكتفت ذراعيها فاقترب منها متسائلاً بخفوت:
_ألا تريدينني أن أصالحك؟
هَزَّت رأسها نفياً فقال بحنان:
_لكنني أريد أن أصالحك.
هَزَّت رأسها مرة أخرى وهي تقول ببرود:
_لا أريد.
اقترب أكثر وصارت نبرة صوته أكثر خطورة قائلاً بإغواء:
_سأصطحبك إلى مدينة الألعاب ثانية.
كبتت لهفتها وابتسامتها بصعوبة مشددة برقة:
_لا أريد.
وأمام وجهها ردد بتلاعب:
_سأبتاع لكِ المثلجات التي تُحبينها أنتِ، وسأطعمك إياها بالطريقة التي أحبها أنا.
اختلجت دقات قلبها وتوردت وجنتاها فقالت بحنق مصطنع:
_لا أريد.
وأوشك على مَس شفتيها هامساً:
_ربما سأمنح نفسي إجازة بالغد لتقومي بتكثيف دروسي التي صارت لا تُشبِع فضولي للمعرفة.
وعلى حافة استسلامها همست بالمثل بلا اقتناع:
_لا أريد.
زفر بضيق وهو يتراجع قائلاً بِنفاد صبر:
_أصبحتِ نزقة رهف، ما بك؟
تراجعت بالمثل صائحة بانفعال:
_وأنت أصبحت متحكما مسيطرا مجنونا ساري، ومن المفترض أنني أنا من أعاني تقلب الهرمونات بسبب الحمل لا أنت!
ارتفع حاجباه دهشة مُشيراً إلى صدره بسبابته صائحاً باستنكار:
_أنا أصبحت متحكمـــ…
وعندما راجع ذهنه بقية عبارتها توقفت الكلمات على لسانه..
لثوانِ ظل محدقاً بها بينما تخلت هي عن افتعالها سامحة لملامح عشقها بالظهور على وجهها..
بينما اتجه هو إليها ذاهلاً ثم سألها بخفوت:
_ماذا قلتِ؟!
زَمَّت شفتيها ثم تمتمت بِغيظ:
_هذا ما كنت أود إعداده لك كمفاجأة، لكنك رأيت زجاجة الزيت وكأنها حية ستلدغ عُنقك وجعلتني أنسى الأهم!
ازدرد لعابه وسألها بصوت أكثر خشونة بعض الشيء:
_رهف هل أنتِ حامل؟
تطلعت إلى حالته غير المصدقة فرغبت بمشاكسته لتقول بصوت منخفض:
_ربما!
تسارعت أنفاسه وهو يسألها بِتوسُل أثار حنانها:
_رهف هل هناك طفل مني ينمو بداخلك أنتِ لينتمي إلى كلينا معا؟
أومأت برأسها إيجاباً بسرعة، لكنه لم يرض بها كَرَد، فسألها التأكيد هامساً:
_رهف!
هنا فتحت ذراعيها على أقصاهما واقتربت منه أكثر هاتفة بكل سعادتها دون تردد:
_نعم ساري، أنا حامل.
أغمض عينيه في صمت، ولدهشتها لم يحتضنها كما كانت تستعد..
إنما تراجع إلى الفراش وارتمى عليه واضعاً كفيه فوق رأسه مُحدقاً في السقف قبل أن يغمض عينيه تماماً!
أرخت ذراعيها إلى جانبيها ورمقته بدهشة، ثم اقتربت منه متسائلة:
_ما هذا؟!، ألن تصرخ قائلا يا إلهي سأصير أباً؟!
لم يصلها رَد منه فتابعت بإحباط:
_ألن تحملني قائلا من اليوم ستستلقين طوال الوقت بالفراش ولن تتحركي مطلقاً؟!
ولم يبد أنه سمعها بالأصل فَعَوجت شفتيها قائلة بتهكم:
_ألن تتحسس بطني قائلا بحماقة هل تشعر بي يا ابني أنا أبوك و….
الصرخة التي أكملت بها عبارتها تزامنت مع جذبه إياه لتسقط فوق صدره، بينما أحاط وجهها ليحدق بعينيها..
وعيناه هو كانتا لامعتين، ذاهلتين، سعيدتين كما لم تتخيلهما يوماً!
وقبل أن تتاح لها الفرصة للتفوه بأي شيء التقط شفتيها في قُبلة عاشقة، حنونة…مُمتنة!
وعندما اضطرا للانفصال همس لها بكل ذهوله:
_ستصيرين أم أبنائي أخيراً يا قاتلتي، أنتِ وحدك ستصيرين أمهم.
وعندما اتسعت عيناها بابتسامة لامعة.. دامعة..، أردف هو آمراً:
_قوليها!
ولم تكن تحتاج لاستفسار عن مقصده، فداعبت وجنتيه بأناملها ودمعاتها هامسة:
_سأصير أم أبنائك يا ساري!