رواية سكن روحي الفصل العاشر 10 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

الفصل العاشر: الجزء الثاني
بكل غضبه وغيظه وشراسته دخل شديد إلى الفيلا صائحاً بأعلى صوته:
“نهال!”
هبطت زوجته الدرجات مسرعة تهتف بقلق:
_ماذا بك يا شديد؟ لِمَ تصرخ بهذا الشكل؟
وقف أمامها والغضب يتقافز على وجهه متابعاً صياحه:
_أين هي ابنتك يا نهال؟ أتعلمين بمكانها الآن؟
نظرت له بقلق ثم أجابته متوترة:
_لقد أخبرتني أنها ستذهب لزيارة عَمَّار.
اتسعت عيناه بصدمة ثم صرخ:
_هذا يعني أن ما أخبرني به الحارس الخاص حقيقي، لقد تركتِ ابنتك تذهب إلى اللقيطة التي يأويها ابنك الغبي في بيته!
حدقت نهال به بغيظ ثم أجابته بتحدي:
_تغريد ذهبت إلى شقيقها يا شديد، وأنا لن أستطيع منعها عن ذلك، أما عن تلك اللقيطة فهي خطأك أنت في الأساس عندما قمت بخيانتي وتزوجت عرفياً لتنتج عنه تلك الثمرة التي خَرَّب ظهورها حياتنا وجعل ابني ينفصل عنا.
احتدت عيناه فتابعت بامتعاض:
_أنت حتى لم تتخلص منها واكتفيت بتهديد خالها فقط، بالضبط كما تركت ذلك الحقير الآخر بالرغم من أنه كان طفلاً ومن السهل التخلص منه حينها!
وها هي قد ضغطت على أكثر ما يثير غضبه منذ أشهر.. وبالتحديد منذ ذلك الزفاف اللعين!
ما إن خرج من تلك القاعة حتى هَمَّ بتدبير حادث لذلك الذي تجاسر على فضحه، لكن نصيحة مساعده له بالتريث هي من جعلته يؤجل عَزْمه؛
ثم قام بالبحث بدوره؛
ليكتشف أن ذلك الطفل الذي دعس وجهه بحذائه وجَلَدُه بِسَوْطه يوماً لم يعد من السهل الإضرار به!
فهو الآن مهندس معروف في مجاله، وما قام به أيضاً بالحفل معروف للجميع…
لِذا فأي مصيبة يتعرض لها ستتجه أصابع الاتهام على الفور إليه شخصياً، حتى وإن كان بريئاً منها!
ويا للسخرية! الآن يتمنى ألا يحدث له مكروه كي لا يُدان هو!
_كان بإمكانك محو تلك الأخطاء جميعها بعدة طرق لكنك لم تفعل، والآن نحن من تم فضحنا بين الناس بسبب خطئين تركتهما ينموان طوال سنوات بدون اقتلاعهما من جذورهما مرة واحدة.
والتقريع الذي صدح به صوت زوجته لاقى صداه بداخله، فهذا هو ما يندم عليه حتى الآن، لو كان انتظر قليلاً بعدما حرره من القبو ثم دَبَّر له أي حادث لِما حدث له كل ذلك، ولِما التهى منذ أشهر في محاولة ترميم فداحات خساراته المتتالية بعد ذلك الحفل!
نظر لها بغيظ مماثل هاتفاً:
_أتعتقدين أنني لم أفكر بتلك الحلول مع كليهما؟ أخبريني إذن ماذا كنتِ ستفعلين إن تخلصت منهما كل في وقته؟ ماذا كنتِ ستفعلين إن تم اكتشاف الأمر؟ هل كان خالها سيصمت؟ هل كانت أمه ستصمت؟ أنا من اكتفيت بتحذيرهما كي لا تهتز تلك المكانة الاجتماعية التي تتنعمين بها، والمظهر العام الذي تلهثين خلفه، بينما ابنك الساذج يعاند مثل الثور ويتمسك بالفتاة وابنتك يبدو أنها ستلحقه، بينما نحن وحدنا من نتعرض للخطر.
توترت ملامح نهال ثم سألته:
_ماذا تقصد؟
صاح شديد بغضب:
_أقصد أنه ومنذ ذلك الزفاف اللعين مصانعي في انهيار، أكثر من تاجر فض اتفاقاته معي، أكثر من معرض أثاث أرسلوا لي اعتذاراتهم على التعامل مع مصانعي، وأخشى أن يأتي اليوم الذي سنشعل فيه النيران بالأخشاب كي نحصل على بعض التدفئة!
اتسعت عيناها بذعر واضح بينما تابع هو بغضب أشد:
_كل ما تعبت به وعملت من أجله طوال سنوات سينهار في شهور قليلة بسبب ابنك الغبي وتلك اللقيطة وذلك الذي عاد إليّ من الماضي على هيئة كارثة محققة!
ثم تابع ساخطاً:
_وبالمناسبة! أخبري ابنك أن يكف عن البحث خلف شهود عقد الزواج العرفي، لأنه لن يجدهم، وهو لم يكف منذ وقعت تلك الفضيحة عن إجراء تحرياته عنهم، فليتوقف عن النبش خلف تلك القصة حتى لا أؤذيه حقاً!
بصوت متحشرج عَقَّبَت :
_إذن ماذا سنفعل يا شديد؟
وإجابته على سؤالها كانت نظرة صامتة حائرة أرعبتها شخصياً!
**********
أتتزوجينني سما؟!””
نظرت له ببلاهة للحظات فتابع مسرعاً:
_وأقصد بالزواج أن يكون حقيقياً وفعلياً.
ارتفعت دقات قلبها بسرعة ملحوظة بينما ظل هو محدقاً بها..
بتوتر وبارتباك وبقلق؛
بأمنية أخذت تنمو بداخله شيئا فشيئا؛
أن توافق؛
أن تمنحه رضاها؛
أما هي فقد ظلت متسمرة لا تستطيع الإتيان بأية ردة فعل على الإطلاق!
أهناك احتمال أن ما بدأت تشعر به تجاهه يوجد له صدى لديه هو؟!
أيعقل أنه أيضا يفكر بها طوال الوقت مثلما تفعل هي؟!
أيعقل أنه ينظر إليها الآن بعينين تتوسلان الموافقة على طلبه الصادم؟!
وانطلق سؤالها برغبة في معرفة إجابة حقيقية بدون سيطرة منها على لسانها:
_لماذا؟
نظر لها بلا فهم ثم سألها باستغراب:
_لماذا ماذا؟!
فأعادت سؤالها مُوضحاً:
_لماذا تريد الزواج مني أنا يا عاصم؟
اعتلى التوتر ملامحه وهو يدور بعينيه في جميع الأنحاء باحثا عن إجابة غير التي بدأت تظهر على استحياء بداخله، ثم عادت نظراته إليها مبتسماً برسمية قائلا:
_لأنني أريد الاستقرار وأستطيع تولي مسئولية بيت وأسرة.
ثم صمت فظلت صامتة بترقب، ولما لم يتابع حثته بأمل:
_ثم؟
توتر أكثر وهو يشعر وكأنه عاد إلى لجان الامتحانات بإجابات ناقصة، فارتجل سريعاً كي لا تهرب منه الدرجات:
_ثم إنكِ يا سما، فتاة مهذبة وبالرغم من سلاطة لسانك وعنفك معي فأنتِ طيبة، وأصيلة و…
هراء..
هراء…
هراء….
نظرت له بملل وهي تشعر أنها تقرأ أحد الإعلانات الصحفية حول الباحثين عن شريك حياة، فلا ينقصه سوى عبارتين:
“لأنكِ يا سما تُقدسين الحياة الزوجية، ولأنكِ يا سما تشاركين في الأثاث!”
ثم صمت فظلت صامتة بإحباط واضح، ولما لم يتابع حثته بخيبة أمل:
_ثم؟
لم تعد الدرجات العالية مطمحه، يكفيه فقط القبول، فما الذي يستطيع قوله ليمحي تلك النظرة الحزينة على وجهها؟!
وما عثر عليه لسانه _للأسف_ كان الأغبى على الإطلاق:
_إذا تزوجنا يا سما هكذا ستبقين مع أمي إلى الأبد!!
وانمحى الأمل مع خيبته، لتحل مكانه نظرة..
مستسلمة، ساخرة، متحسرة؛
وبتلك الحسرة وقفت ببطء قائلة:
_أشكرك عاصم على نُبل أخلاقك، لكن ليس بمخططاتي أن أتزوج من أجل الاستقرار مع أمي فقط، أو من أجل تحقيق أمنية أخرى فقط، وإذا قررت الزواج سوف أفعلها لأنني أريد الارتباط إلى الأبد بشخص معين يريدني أنا (سما محسن) بنفس القوة.
ثم مالت عليه محدقة بعينيه بألم لم تحاول مداراته متابعة:
_يريد سما سليطة اللسان ضئيلة القامة من أجله ومن أجلها، وليس لأنه وجدها بطريقه صدفة حينما شعر بوجوب استقراره.
ثم رفعت حقيبتها على إحدى كتفيها وهَمَّت بالانصراف فهب واقفا يهتف باضطراب:
_انتظري سما! إلى أين تذهبين؟!
وأولته ظهرها كي لا يرى التماع دموع الخيبة بعينيها وهي تجيب بخفوت:
_إذا أردت أن تذهب إلى أمي فافعل عاصم، أريد التمشية وحدي لبعض الوقت.
ولم تنتظر منه تعليقا، أو رفضا، أو رغبة بالمشاركة؛
فانصرفت وهو مكانه واقفا في إثرها محدقا..
بنفس الاستسلام؛
بنفس الخيبة؛
مع إضافة ندم هائل وشعور قوي بالحيرة والخسارة!!
**********
جلس حول إحدى الطاولات بقاعة الزفاف الفخمة مبتسماً يتظاهر بالفرحة وهو ينقل أنظاره بين زوجته التي لم تتوقف عن إطلاق الزغاريد لدقيقتين متواصلتين وابنته التي تتشبث بعريسها كأنه الهدية الأثمن على الإطلاق!
شرد بعقله في صور زفافها البسيط على حمزة منذ أكثر من ثلاثة سنوات ونصف والحسرة تتمكن منه ولا يستطيع التخلص منها أبدا.
يعلم جيداً أن كل شيء نصيب، لكن حمزة لم يكن له مجرد زوج ابنة، كان الابن الذي حرم نفسه منه بغباء لخوفه من تربية زوجته، صحيح أن علاقته بحمزة لم تنقطع بعد الطلاق ويشوبها الود والاحترام، لكنه لا يستطيع أن يتحدث معه على راحته عن كل ما يؤرقه من زوجته وابنته.
استغفر ربه زافراً بيأس وهو ينتقل بذاكرته إلى ذلك اليوم منذ أربعة أشهر عندما وضعه عَمَّار بقسوة أمام الصورة الحقيقية للمرأتين اللتين تعيشان معه والمفترض أنهما أقرب الناس إليه..
حقودتين؛
غادرتين؛
قاسيتين؛
كيف استطاعتا خيانته طوال تلك السنوات؟، كيف احتفظتا بدليل كان من الممكن أن يحُد من تأثير العار الملاحق لأخته وله ولابنتها من بعدها؟
ولماذا تمكن منهما الشر إلى تلك الدرجة؟
لشهور أخذ يبحث في ذاكرته عن مبرر قوي لفعلتهما الشنعاء فلم يجد..
هل دلل أخته؟
لا لم يفعل!
هل دلل ابنتها؟
لا لم يفعل!
هل أنصف رهف يوما على دينا؟
سخر من نفسه، لم تكن زوجته لتسمح بذلك أبداً..
بالطبع لا لم يفعل!
بل العكس ما كان يحدث طوال الوقت…
لقد كان يعلم بكم المسئوليات المُجحِفة التي تلقيها شروق على عاتق رهف وسكت؛
كان يعلم بأنها تضربها وتحبسها أحيانا وسكت؛
كان يعلم أن المصروف الشخصي لها حينما كانت طفلة بالمدرسة لم تحصل عليه فعلا إلا عدة مرات..
وأيضا سكت؛
ربما هنا يكمن الخطأ!!
لقد ظنِّ أن عن طريق سكوته على ظلمهما لرهف سوف يشعران بالملل أو حتى ببعض الشفقة ففضل عدم التدخل كي لا يزداد حقدهما عليها، لكن ذلك لم يحدث…
والنتيجة؟!
النتيجة أن اليتيمة التي نبذها أبيها ثم أمها اضطرت لتحمُّل طفولة قاسية داخل بيته ثم معاناة خارجه مع كل كل من يعلم بقصتها.
النتيجة أن الفتاة المستسلمة دوماً وثِقَت بإنسان واحد ورغِبت به وهو لم يقم بدوره بطريقة صحيحة ويسأل عنه قبل أن يتخلَّى عنها.
النتيجة أنها طُعنت غدراً من الجميع باستثناء أخيها الذي أرسله الله لها في صورة رحمة إلهية كي تتذوق القليل مما حُرِمت منه طوال حياتها.
الندم يُمزقه والحنين يقتات عليه، لو بيده إعادة الزمن لدافع عنها بكل ما أوتي من قوة ضد الجميع، وأولهم أمها وأبيها.
……….
ودَّت دينا لو وجدت أي طريقة تدعوها بها إلى حفل زفافها، تراها الآن بفستان أنيق بفندق فخم تجلس بجوار عريسها؛
وسيم كما ممثلي الأفلام؛
غني كما تجار الذهب؛
ذو هيبة كما أصحاب النفوذ؛
والحظ أخيراً ابتسم لها!
وسيتم زفافها في أبهى صورة مقارنة بما حدث في زفاف تلك اللقيطة.. وطلاقها!
اقتربت منها أمها تحتضنها وتُقبِّلها وهي تهمس في أذنها:
_أخيراً يا دينا! أخيراً ستعيشين الحياة التي تستحقينها! ستتنعمين في الثراء يا ابنتي، يبدو أن جميع أفراد عائلته من ذوي المراكز العالية، هنيئاً لقد اخترتِ بذكاء تلك المرة!
ابتسمت دينا بسعادة طاغية وهي تخاطبها:
_أكاد أطير من فرط سعادتي أمي، لا أصدق أنني وجدت من أحلم به وأكثر.
نظرت لها أمها بتحذير ثم همست:
_أخفضي صوتك وتدللي قليلاً كي لا يعاملك بغرور.
أومأت دينا بعينيها إيجاباً وهي تتابع تلقي التهاني من المدعوين الذين ينظرون لها على الأغلب بتعالي واستغراب..
العروس جميلة.. العريس وسيم؛
العروس لطيفة.. العريس لبِق؛
العروس ابنة موظف حكومي بسيط.. بينما العريس ابن صاحب عدة معارض سيارات!
نظرات دهِشة، مصمصة شفاه، ثرثرات هامسة، مقارنات بين الجديدة والاثنتين اللتين سبقتاها..
فالعروس سبق لها الزواج مرة.. بينما العريس سبق له الزواج مرتين!
**********
بمجرد خروجه من المشفى وجدها أمام البوابة الحديدية، فتصنع عدم رؤيتها وهم بالانصراف لكنها هتفت به بصوت عال:
_دكتور حمزة!
زفر متأففا وبقى مكانه دون الالتفات إليها، فاتجهت إليه حتى وقفت أمامه، ابتسمت بحرج وهي تلاحظ ضيقه الشديد، لكنها أجبرت نفسها على التحمل مُرحِّبة:
_كيف حالك دكتور حمزة؟
وبمنتهى الضيق أجابها:
_بخير، ماذا تريدين مني؟ لِمَ تلاحقينني؟!
بالرغم من توقعها لاستقبال مماثل فإنها نظرت له بدهشة ثم تساءلت:
_ألاحقك؟! أنا ألاحقك؟!
أومأ برأسه وهو يجيبها بلهجة ممتعضة:
_نعم، لقد أتيتِ بالأمس واليوم، ماذا تريدين ؟
تلجلجت بارتباك شديد ثم أجابته بخفوت:
_أنا.. أنا أردت الاطمئنان على رهف، فقد ذهبت إلى مركز الدورات الذي كانت ابنة خالتي تلتحق به وعلمت أنها لم تعد تعمل هناك، لذا جئت أسألك عنها.
مال برأسه تجاهها مُعَقِّبَاً بتشديد:
_بل طُرِدَت منه، طُرِدَت من عملها فوراً بعد فِعلة أخوكِ.
اتسعت عيناها بصدمة وتألم قلبها بشدة وهي تتساءل بداخلها: ترى بِمَ تسببت لحبيبتك أيضا يا ساري؟!
لكن حمزة لم يترك لها المجال للتفكير وهو يتابع ببسمة قصدها مُغيظة:
_لكن الحمد لله، لقد أكرمها الله بأخ حافظ عليها وعوضها عم أفسده بها أخوكِ، فإن كنتِ تعتقدين أنها منهارة تعاني الاكتئاب وتعتزل الجميع فأنتِ مخطئة، رهف الآن تدير مكتبا مرموقاً للترجمة، وقصتها مع أخيكِ قد نسيتها تماما.
ولاستغرابه وجدها تبتسم بفرحة شديدة هاتفة:
_أتعني أنها أفضل حالا الآن؟ أتعني أنني أستطيع التواصل معها؟
حدق بها وهو لا يفهم نيتها تجاه رهف، أليست أخت الرجل الذي دمرها؟!
ألا تريد الانتقام فيها مثله؟!
جذب انتباهه التوسل الواضح بعينيها وهي تسأله:
_أرجوك اخبرني عن مكان عملها الحالي، أو مكان إقامتها، لا أستطيع التحدث معها هاتفيا فهي لن تقبل بمحادثتي، أريد رؤيتها فقط لو سمحت.
هنا وجد نفسه يصيح بها بنزق:
_لماذا هذا الإصرار الشديد على رؤيتها؟ ماذا تريدين أكثر؟ ابتعدي عنها أنتِ وأخوكِ ودعوها تنسى معاناتها معه!
وقبل أن تفيق من صدمتها وترد وجدت من يقترب منهما، ضيقت عينيها تحاول تذكره حتى نجحت..
إنه زميله الذي سألته عنه بالأمس.
أمسك أحمد بذراع حمزة بدهشة متسائلاً:
_ماذا بك يا حمزة؟ لماذا تصيح بذلك الشكل؟
ثم التفت إلى سارة مبتسما بترحيب:
_مرحبا آنسة سارة، أرى أنكِ أخيراً استطعتِ مقابلته.
ابتسمت بمجاملة وهمَّت بالرد حينما صاح حمزة فجأة وهو ينظر لصديقه:
_أحمد!، بأي وقت تطلب الآنسة مقابلتي أخبرها بأنني غير موجود، معرفتي بها في الأصل كانت سطحية وانتهت تماماً.
نظر له صديقه بدهشة ثم نقل نظراته إليها وإلى الصدمة التي تعتلي ملامحها فشعر بالحرج من أجلها، حمحم بخشونة ثم استأذنهما بخفوت، فالتفت حمزة كي يتابع تعنيفه لها لكنها بادرته صارخة:
_اسمع يا هذا! أنا لا ألاحقك، لم أرغب منك سوى بمعرفة مكان رهف كي أقابلها هي، ولا أريد بها أي سوء، وما فعله ساري فاجئني وفاجأ أمي وعاصم وكلنا غاضبون منه حتى الآن بالرغم من عذابه الحالي، لكن رهف…
دمعت عيناها فجأة وهي تستأنف:
_رهف أنا أحببتها بشدة، وانتظرت بشوق كي تعيش معنا، رهف _بصرف النظر عن أنها كانت خطيبة أخي _ إلا أنها أيضاً كانت بالنسبة لي تعويضا عن “سلمى”، تعويضا عن الأخت التي فقدُتها قبل أن أراها، فلا يحق لك تخمين نواياي تجاهها.
ثم أردفت بصراخ أشد:
_ولا يحق لك مطلقاً إهانتي بهذا الشكل!
ثم مسحت وجهها وقالت بهدوء ظاهري:
_أنا آسفة بسبب”ملاحقتي” إياك دكتور حمزة، وأعدك أنها لن تتكرر مجدداً.
وبدون كلمة أخرى أولته ظهرها وانصرفت، أما هو فقد تسمر مكانه محدقاً بها، يستعيد كلماتها ودمعاتها ويشعر بذنب وندم هائلين..
عيناها كانتا صادقتين تماما؛
حُزنها كان صادقاً تماماً؛
والآن يشعر فجأة أنه كان قاسيا!
**********
“هل أنتِ بخير سارة؟”
ألقت سوسن سؤالها على ابنتها التي تنعزل بغرفتها منذ عودتها من الخارج على غير عادتها، فمسحت سارة دمعاتها بسرعة وهي تجيب أمها:
_نعم أمي، أنا بخير تماماً.
اقتربت سوسن منها تتفحص ملامحها فحاولت التهرب منها، لكن أمها فوراً علمت أن هناك خطباً ما، فسألتها بهدوء:
_ماذا تخفين عني سارة؟ ماذا حدث اليوم؟ هل ضايقك ساري بالعمل ثانية؟
لم ترد سارة فتابعت أمها بنبرة مُشفِقة:
_اعذريه ابنتي، لقد تبدّل تماماً وغضبه أصبح يجتاح الأخضر واليابس، عسى الله أن يهديه قريباً.
انفجرت سارة باكية بين أحضان أمها، فأخذت تربت عليها بحنان وهي تُرتِّل بعض الآيات القرآنية، حتى هدأت بعد عدة دقائق، ثم تحدثت تلقائيا بصوت باكِ:
_أنا لست حزينة بسبب ساري، أعلم أنه يحاول مداراة ألمه وحسرته واشتياقه عن طريق الغضب والعصبية، في الواقع_رغم ضيقي الشديد منه_ إلا أنني بدأت أشفق عليه، لقد علمت أنه يحبها منذ يوم الخطبة، لكنني لم أتصور أبداً أن يكون غارقاً فيها بذلك الشكل.
زفرت سوسن بتعب وهي تردد بخفوت:
_غرِق سارة، غرِق فيها وأغرقها معه ولا يستطيع العثور على سبيل نجاة!
عم الصمت للحظات حتى هتفت سارة بعصبية وهي تهب واقفة:
_لكن ذلك الغبي الآخر هو من أغضبني، كل ما طلبته أن أتواصل مع رهف، لِمَ يعتقد أنني سأؤذيها؟! هل أبدو كآكلة لحوم البشر؟!
سألتها سوسن بدهشة:
_أي غبي آخر؟!
ثم استدركت بعبوس:
_هل تشاجرتِ مع عاصم أيضاً؟
أشارت سارة بيدها بضيق ثم أجابتها:
_ليس ذلك أيضاً، بل قريب رهف، جارها الذي له صلة طيبة مع خالها.
ضاقت عينا سوسن بلا فهم فتابعت سارة بسأم:
_ الطبيب يا أمي الذي أخبرتك أنني ذهبت إليه بعد الزفاف كي أسأله عنها.
لحظات مرت وسوسن تحاول التذكر حتى انفرجت ملامحها أخيراً قائلة:
_نعم، لقد تذكرته، ماذا به؟ ماذا فعل؟
هتفت سارة بغيظ:
_لقد ذهبت إليه اسأله عنها بعد أن علمت أنها تركت المركز، والعبقري المتذاكي يعتقد أنني أريد الشماتة بها، يعتقد أنني سأفرح إن علمت بسوء حالها.
تمتمت سوسن بأسى:
_سامحك الله يا ساري!
ثم سألت ابنتها باهتمام:
_ألم يخبرك عن مكان إقامتها أو عملها الجديد؟
هزت سارة رأسها نفياً وهي تجلس على فراشها مرة أخرى باستسلام:
_لا أمي، لكن هي تعيش مع أخيها الآن، أو هو يعلم مكانها على أقل تقدير.
ثم ابتسمت بحماس:
_أتعلمين؟ لقد أخبرني أنها تدير مكتباً للترجمة، وأنا كنت مترددة في التواصل معها طوال الشهور الماضية اعتقاداً مني أنها في حالة اكتئاب وانعزال ولم أود التسبب في سوء حالتها إن رأتني.
بدا على سوسن التفكير الشديد فسألتها سارة:
_ما بك أمي؟ بم شردتِ؟
هزت سوسن رأسها بسرعة وهي تقف:
_لا شيء، ولكن لا تذهبي لذلك الطبيب ثانية طالما ضايقك، بالرغم من تأكدي من أنكِ لم تظلي صامتة مستسلمة بالطبع.
ضغطت سارة أسنانها بغيظ وهي ترد من بين شفتيها:
_لم أشفِ غليلي أمي، للأسف!
**********
للحظات وربما دقائق وقفت بجانب مَوَدَّة وتغريد تحدق في البوابة الخارجية لمدينة الألعاب بانبهار أعلى من انبهار إياد بجوارها، ثم انتفضت فجأة على صوت التقاط صورة على الكاميرا التي يُعَلِّقها عَمَّار حول عنقه، مطت شفتيها وهي تنظر له بعبوس ليضحك بصوت عال فهتفت به:
_لِمَ تقوم بالتقاط الصور لكل حركة أقوم بها؟ هل ستصنع لي فيلماً مُصَوَّرًاً؟! نحن لم ندخل من الباب بعد!
حدق بالصورة على شاشة الكاميرا بحنان شديد، ثم اتجه إليها وأحاط كتفيها بإحدى ذراعيه، بينما وجه الكاميرا إليهما سوياً والتقط صورة أخرى لم تجد الوقت للابتسام من أجلها وهو يخاطبها بِحُب:
_سوف ألتقط عشرات الصور لكِ بكل وقت وبكل فعل، أنا أريد تعويضاً ملموساً عن كل ما فاتنا سوياً كأخ وأخت.
ابتسمت له بحنان شديد فالتقط صورة لهذا التعبير أيضاً ثم قام بمناداة تغريد ومَوَدَّة وإياد لمشاركتهما.
…..

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  مدونة كامو - رواية قدك الفصل الثالث عشر 13 بقلم منة محمد - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top