رواية سكن روحي الفصل العاشر 10 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية سكن روحي الفصل العاشر 10 بقلم سعاد محمد

 

الجزء الأول:
*بداية جديدة*
بعد مرور أربعة أشهر:
ظل إياد يقفز فوق فراشها وهو يصيح منادياً إياها فهبّت جالسة تهتف به:
_كُف عن القفز إياد! لقد استيقظت بالفعل.
ارتمى الطفل بجسده عليها ضاحكاً باستمتاع فضمته إلى صدرها بقوة وهو يصيح:
_صباح الخير عمتي.
لثمته على رأسه بحنان قائلة:
_صباح النور حبيب قلب عمّتك.
ابتعد الطفل مسرعاً والحماس يشع من خلجاته كلها هاتفاً:
_لديّ مفاجأة لكِ، لن تتوقعينها أبداً!
اتسعت عيناها بقلق مُفتعل قبل أن تتوسله:
_أرجو ألا تكون إحدى مكائدك التي ستجعل والدتك تطرد كلينا من البيت حتماً تلك المرة!
ارتفعت ضحكات الطفل المستمتعة فضمته مرة أخرى بحنان شاردة…
لقد كانت تنأى عن القرب منه منذ أن عرفت أنه ابن أخيها، لم تكن لتتقبل أي ما يربطها به، لكنها ومنذ أن تذوقت شعور الاحتضان والأمان الذي أغدق به عَمَّار عليها وكل شيء بحياتها تغير..
أصبحت تنتظر قُبلة عَمَّار على جبهتها قبل ذهابه إلى العمل، ومثيلتها عند عودته، مِزاحهم على مائدة الطعام، وتجمعهم كل مساء حيث تتنافس مع إياد على إحدى الألعاب الإليكترونية على شاشة التلفاز الضخمة فيفوز إياد عليها كل مرة، ثم مكائدها معه فيتنصّل منهما عَمَّار هارباً لتحتار مَوَدَّة في تحديد هوية الجاني!
مَوَدَّة؟!
اسم على مسمى هي، شقيقة لم تحلم يوماً بامتلاك مثلها، وأحياناً أم، أم تهتم بطعامها وملبسها وراحتها وتُدللها حد الاختناق.
تتذكر جيداً شجارها الأول والأخير معها منذ ثلاثة شهور ونصف عندما عرض عليها عَمَّار فكرة إدارة مكتباً للترجمة تساعدها به مَوَدَّة لكنها رفضت متجهة بكل انقياد نحو فُوهة اكتئاب مظلمة، عندئذٍ اتخذ عَمَّار جانب التدليل المُفرِط كي لا تبتعد عنه ثانية، لكن مَوَدَّة هي من صاحت بها بحزم:
“أفيقي يا فتاة، لم ينتهِ العالم!”
“لن تظلي مكانك ساكنة للطعنات ، يجب أن تضعي حداً لهم جميعاً!”
“إن كنتِ تريدين الشفقة على ذاتك فاغرقي بها كما شئتِ، لكنك ستندمين حينما تكتشفين ضياع عمرك بلا جدوى.”
“أنتِ لستِ ضعيفة رهف، أنتِ قضيتِ سنوات وحدك، الآن أنا معك، عَمَّار معك، لن نتركك أبداً، انتهزي فرصتك واجتذبي حقك من الجميع رغماً عنهم!”
وهكذا وجدت نفسها في اليوم التالي تتجه مع مَوَدَّة وعَمَّار لتتفحص إحدى الشقق الفاخرة التي سيبدأ عَمَّار بتأثيثها كمكتباً للترجمة مُستعيناً بخبرتها اللغوية وبخبرة مَوَدَّة في إدارة الأعمال..
وقفت تتأمل الجدران والأركان بينما يطالعها الاثنان بفضول وحماس، ورغماً عنها سألت بدهشة:
_لِمَ كل الطلاء باللون الأزرق عَمَّار؟! ألم تفكر في طلاء بعضهم بأي لون آخر؟!
ثم سكتت مفكرة قليلاً وقالت فجأة:
_لا أدري، ربما الرمادي مثلاً؟
وقفزة عَمَّار المجفلة تزامنت مع ضحكة مَوَدَّة العالية التي بترتها فوراً حينما لمحت التهديد بعينيه، وبينما رهف تنقل نظراتها بينهما بفضول بادرتها مَوَدَّة:
_نصيحتي لكِ رهف، لا تأتي على ذكر اللون الرمادي أمام أخيك لأنه يعاني بعض الحساسية الزائدة منه!
فترد رهف بنفس الدهشة:
_وما علاقة ذلك بتفاصيل حياته الزرقاء كلها؟! ملابس زرقاء، سيارة زرقاء، حتى ابنك المسكين ألعابه كلها زرقاء، أشعر أننا نعيش داخل غواصة أو ما شابه!
هنا أسرع عَمَّار ينفي اتهاماً لم تقصده رهف مطلقاً:
_أنا أبداً لم أجبره على اختيار أيا من ألعابه، هو من يحب اللون مثلي..
احتل القلق عينيه ثم استدرك عازماً:
_ لكن أنتِ مُحقة، ربما يجب أن أحذر من إرغامي له على أي شيء.
نظرت رهف لمَوَدَّة بتساؤل فأشارت لها الأخيرة بألا تهتم ثم سألتها:
_إذن ما رأيك رهف؟ هل نبدأ بتجهيز ذلك المكان؟ بالطبع بعد أن نُعيد طلائه بشكل لائق؟
هنا تلجلجت رهف وهي تُمسد على ذراعها اليسرى التي بدأت تعود لحركتها:
_أنا.. أنا لا أعرف، ربما تلك الخطوة لازالت مبكرة بعض الشيء، أخشى أن أفسد الأمر.
تململت مَوَدَّة وهي تهتف بحنق:
_يا إلهي! ستُصيبينني بالجلطة يا فتاة!
بينما اقترب منها عَمَّار مُشدداً على ذراعيها بيديه الاثنتين وهو يُحدق بعينيها هاتفاً بهدوء شابته الصرامة:
_لا رهف! أنتِ لن تُفسدي شيئاً، أنا أثق بكِ، وأثق بقدراتك، أنتِ أختى وبالتأكيد هناك تشابه ما بيننا، ربما نستسلم لفترة طويلة لكننا ننهض في النهاية مُثبتين لأنفسنا قبل غيرنا أننا لسنا بذلك الضعف.
تعلَّقت عيناها به باحتياج واضح ليتابع مبتسماً:
_ نحتاج لدافع فقط، دافع يُحركنا إلى استقامة حياتنا.
ثم نظر إلى مَوَدَّة بعشق مُضيفاً:
_وأنا قد وجدت دافعي منذ زمن، أعلم أنني تأخرت كثيراً حتى أدركته، فلا أريدك أن تتأخري ثم تندمي مثلي.
توردت وجنتا مَوَدَّة وهي لا تستطيع إبعاد عينيها عنه، فنقلت رهف أنظارها بينهما بحرج، عندما نظر لها عَمَّار مرة أخرى جاذباً إياها بين أحضانه..
ذلك الحُضن!
الحُضن الذي لم تشبع منه طوال الأيام الفائتة؛
الحُضن الذي يشعرها براحة لم تكن لتتخيل أبداً وجودها؛
الحُضن الذي اكتشفت أنه هو ما كانت تسعى إليه منذ زمن؛
ليس مجرد حُضن أخ..
إنه حُضن أب لم يوجد أبداً بحياتها..
حُضن آمن يقيها كل المساوىء خارجه..
ضمته بحنان مماثل ثم رفعت رأسها مبتسمة وقالت بامتنان:
_شكراً عَمَّار!
وانتزعت نفسها قبل أن تنطلق دمعاتها المتأثرة وهي تنظر لمَوَدَّة التي لازالت متوردة الوجنتين، وابتعدت خطوتين هاتفة بمرح:
_سأتجول بالمكان، وأعتقد أنني سأغير بعض الطلاء فعلاً.
وبنبرة شقية خاطبت عَمَّار غامزة:
_ربما أضيف بعض اللون العسلي!
ابتسم عَمَّار بمكر عندما انطلقت هي إلى الداخل تاركة مَوَدَّة متسعة العينين بحرج وتتظاهر بتأمل بعض الجدران الخالية من أي شيء يستحق التأمل بالفعل!
بينما اقترب هو ووقف خلفها تماماً متسائلاً بخفوت:
_تُرى لِمَ اللون العسلي بالتحديد مَوَدَّتِي؟!
أغمضت عينيها تتشبع بلفظة التملك التي أصبح يناديها بها طوال الوقت، حينما أردف بهمس:
_أنا لم أخبر أحداً أنني أحب ذلك اللون أيضاً.
لازالت محدقة بالجدار ولا تجد رداً ليتابع بنفس الهمس:
_متى ستحين لي الفرصة بالغرق بهما؟
عندئذٍ استدارت لتقع عيناها داخل عينيه تماماً متسائلة بارتباك:
_م..ماذا تعني؟!
وإجابته لم تكن بالكلمات..
إجابته كانت لطالما انتظرتها وانتظرها..
إجابته كانت قُبلة!!
قُبلة لطالما تمنى أن تسمح له بها وخاف من ردة فعلها..
لكن صبره الذي ولّى هارباً لم يدع له فرصة للانتظار أكثر..
وهكذا ..
احتضنها واحتضنته؛
تنفسها وتنفسته؛
غرق بها وغرقت به!
وحينما تراجعت بعد لحظات هَمَس لها:
_يا إلهي! لكم أحبك مَوَدَّة! لكم أتمنى تلك البداية الجديدة معك، هلا وافقتِ؟!
انتشر التورُّد بوجهها وهي تومىء برأسها إيجاباً بلا تركيز ثم ابتعدت بصعوبة حينما سمعت صوت خطوات رهف المقبلة فعادت مرتبكة متخبطة لتحديقها بالجدار الخالي..
وكان ذلك اليوم هو البداية الحقيقية لهما؛
بداية جديدة لحب متوازن بينهما؛
بداية واعدة ماحية ما قبلها من جراح.
……….
خرجت رهف من ذكرياتها بزيارتها لمقر عملها الجديد أول مرة على عبارة إياد المُتحَمسة:
_لا! ليست مكيدة، هناك من ينتظرك بالخارج وقد أرسلتني أمي كي أوقِظك.
عقدت رهف حاجبيها بدهشة متسائلة:
_من ينتظرني؟!
وفي الخارج:
تطلعت إلى فتاة رقيقة الملامح تصغرها بسنوات قليلة و تجلس بجوار مَوَدَّة رامقة إياها بترقب ومبتسمة بارتباك ثم وقفت تتقدم تجاهها قائلة برقة:
_مرحباً رهف، أنا تغريد، أختك الصغرى!
**********
نظرت إليها سما بصمت تام ثم هتفت فجأة بها:
_ولِمَ لا تعاودي الاتصال بها؟ لقد مرت أربعة أشهر يا سارة، كما أنكِ لم ترضِ أبدا عما حدث!
بادلتها سارة النظر باستهجان شديد ثم صاحت بنزق:
_أتمزحين معي سما؟ أنا آخر شخص يمكن له التواصل معها.
هزت سما كتفيها بلا اهتمام:
_ لا أظن ذلك، أنتِ سارة، من ظلمها هو ساري، لستِ أنت، لذا لا أعتقد أنها سترفض التحدث معك، فقبل ما حدث كنتما قد أصبحتما مقربتين خلال فترة قصيرة للغاية.
ردت سارة بضيق :
_لكنني أخته سما، أخته، أخت من ظلمها، كيف سترحب بي ثانية؟
عقدت سما حاجبيها بدهشة وهي تهتف:
_وهل أخبرتك أنها ستطير فرحاً بمقابلتك؟! بالطبع هي لا تطيقك وربما تدعو الله أن ينتقم منكِ ومن كل من ابتسم يوماً في وجه أخيكِ النبيه.
انعقد حاجبا سارة بغيظ وهي تهُم بجذبها من حجابها، لكن سما تابعت بتشديد:
_ وهذا لا يعني أن تتوقفي عن المحاولة، تقصي عن مكان أخيها واذهبي إليها، ربما الأشهر التي مرت قد هدأت من حدة غضبها قليلاً.
بان التردد على سارة حتى هتفت سما بحماس:
_أتعلمين؟! ربما بإمكانك الاستعانة بذلك الطبيب الذي هَشَّم نظاراتك، ألم يكن يقربها؟
ضحكت سارة ثم قالت ساخرة:
_الدكتور حمزة؟! أجزم أنه لو رآني بأي مكان صدفة لقتلني! أنتِ لم تكوني معي عندما ذهبت إليه بعد ما حدث بيومين.
بهدوء سألتها سما:
_وهل تلومينه؟
هزت سارة رأسها رفضاً تجيبها بشرود:
_بالطبع لا.
وقبل أن ترد سما ارتفعت طرقات على الباب ثم دخل عاصم مُحدقاً في أحد الملفات:
_سارة، أريدك أن تقابلي مندوب شركة الـ…
بتر عبارته وهو يرفع رأسه ثم هتف:
_سما! متى جئتِ؟
ردت عليه بابتسامة نادراً ما تهديه إياها:
_لقد وصلت لتوي، كيف حالك عاصم؟
جلس على المقعد المقابل لها مبتسما باستغراب:
_بخير حمداً لله، ماذا تفعلين هنا؟ لِمَ لم تأتي إلى مكتبي؟
هتفت سارة ببرود قبل أن ترد سما:
_هي ليست هنا كخطيبتك، هي هنا كصديقتي، أهناك ما يمنع زيارتها لي؟
نظر لها عاصم بدهشة شديدة ثم رد:
_لماذا أنتِ منزعجة هكذا؟، لقد سألت سؤالاً عادياً.
أهدته نظرة ممتعضة فمنحها المثل مغمغماً:
_أنتِ وأخوكِ أصبحتما لا تُطاقان بالفعل، وأنا أعتبر نفسي أُكفِّر عن ذنوبي كلها بالتعامل معكما.
بدأ الشجار المعتاد بينهما فأخذت سما تتأملهما، أو.. بالأحرى تتأمله!
لا تفهم ما الذي يحدث لها بالتحديد، فعاصم بالنسبة إليها لم يكن أكثر من شخص ظهر بحياتها مؤخراً لينتزع منها أهم شخص لديها وهي ليست باستطاعتها منعه..
لقد اعتادت على معاملته بجفاء ولم تبخل أبداً في إظهار عدائيتها تجاهه، حتى خطبتهما المزيفة كانت تثير أعصابها في البدء، ولكن…
موقفه بعد فعلة صديقه وإحساسه بالذنب واستماعها صدفة لحديثه مع أمه عن معاناة أسرة ساري ومساعدته له تسببوا في تغيير شعورها تجاهه.
هو لم يتعمد المشاركة في ظلم الفتاة؛
لكنه لم يُبدِ تقاعساً في مساعدة صديقه الذي ظُلِم؛
وبالرغم من غضبها الواضح من ساري والذي تُظهره بصراحة فور سماع اسمه من سارة، إلا أن رؤيتها لعاصم نفسه تغيرت تماماً؛
لقد اكتشفت أنه حنون جداً ومهتم جداً بكل من حوله، حتى أنه أحضر أخته الصغيرة معه مرة ورأت كيف يرضخ لطلباتها ويُدللها، كما أنه يخاف على أمه بشدة ويعتني بها، وقد حرِص على اصطحابها لإجراء فحص طبي شامل منذ شهرين، لكن..
لكنها لم تتحدث معه منذ أشهر أكثر من بضعة تحيات عادية، لم يُصادف حضوره لزيارة أمه وجودها إلا مرات تُعَد على أصابع اليد الواحدة، وكأنه.. وكأنه يتعمد الحضور أثناء دوامها بالعمل!
يزعجها هذا الخاطر وترفضه بشدة ولا تعرف السبب ولا تريد أن تعرف مطلقاً!
لكن.. أمن الوارد أنه لا يُحبذ رفقتها؟
وهل يبحث عن فرصة للتخلص منها؟
“لماذا عبستِ؟”
نظرت إلى سارة باستغراب ثم نقلت انظارها إلى عاصم الذي يتفحصها بتدقيق، فهتفت على الفور دون تفكير:
_أريد التحدث معك عاصم!
توترت ملامحه لوهلة ثم انفرجت أساريره فجأة بترحيب ملحوظ وهو يستقيم واقفاً قائلاً ببشاشة:
_انتظريني نصف ساعة فقط مع تلك المُزعجة حتى أُنهي أعمالي ونتحدث كما تشائين.
أومأت برأسها إيجاباً فخرج هو من مكتب سارة التي بادرتها بتدقيق:
_وضعكما غريب ولا يعجبني!
تظاهرت سما بعدم الفهم وهي ترد:
_ماذا تقصدين؟
اندفعت سارة هاتفة:
_أقصد أنكما اضُطررتما إلى التظاهر بالخطبة، لكنها مازالت مستمرة، ليست حقيقية ولا تنتهي، ما هذا العبث؟!
استولى عليها الضيق وظهر قوياً على وجهها وهي تشرد للحظات ثم عَقَّبَت:
_أنتِ مُحقة سارة، إنه مجرد عبث!
**********
أنهى صلاح صلاة الظهر وخرج من المسجد ليبدأ سكان الحي بتهنئته بحرارة، فاليوم زفاف ابنته، وبالرغم من أنها وأمها لا تستطيعان إخفاء فرحتهما، وبالرغم من أن خاطب ابنته يبدو دمث الأخلاق وكلا من وضعيه المادي والاجتماعي ممتازين فإنه يشعر بقلق شديد من أن تفتعل دينا المشكلات معه مثلما فعلت من قبل مع حمزة.
وها هو عندما يفكر به يجده أمامه، اقترب منه ببشاشته المعهودة مصافحاً إياه:
_كيف حالك عمي؟ مُبارك زفاف ابنتك.
سارا جنباً إلى جنب وبنبرة متحسرة لم يستطع إخفائها رد صلاح:
_بارك الله بك يا ولدي، العقبى لك!
عبست ملامح حمزة فوراً وهم بالرد عندما أدرك أنه إن فعل سيتفوه بما لا يليق، فلا يصِح أن يقل له:
“كيف وابنتك جعلتني أكره صنف النساء كله؟”
أو..
“لست مجنوناً كي أكررها فيقع حظي فيمن تماثل ابنتك!”
أو..
“أنا لازلت أستعيد سلامتي النفسية منذ الطلاق ولا أنوي الوقوع في ورطة أخرى!”
لذا فقد آثر الصمت والاكتفاء بابتسامة مجاملة، أتبعها بسؤال عابر:
_كيف حال رهف؟
انمحت نظرة صلاح المتحسرة على الفور لترتسم بدلاً منها أخرى سعيدة فخورة:
_لقد أصبحت تُدير مكتب الترجمة الذي يملكه أخوها، حينما زرتها آخر مرة شعرت أنها تخطت ما حدث تماماً، لقد رأيتها سعيدة ومرتاحة كما لم تكن من قبل على الإطلاق، يبدو أن أخاها وزوجته يعاملانها جيداً.
هز حمزة رأسه موافقاً ثم عقّب:
_لقد عَلِمت ذلك وقد زرت عَمَّار ببيته فعلاً، هو ليس مثل أبيه أبداً.
وعندما وصلا سوياً إلى بناية صلاح حياه مودعاً فرماه صلاح بنظرة متحسرة أخيرة ثم انصرف.
ارتفع رنين هاتف حمزة ليجد اسم زميله فرد مسرعاً:
_أحمد لقد انصرفت لتوي من المشفى، ولم أصل إلى المنزل بعد، ماذا تريد مني؟
وجاؤه صوت صديقه مازحاً:
_اهدأ يا رجل، لن أطلب منك العودة، لكن هناك فتاة كانت هنا الآن وسألت عنك، وأعتقد أنني قد رأيتها معك من قبل.
عقد حمزة حاجبيه بدهشة متسائلاً:
_أية فتاة؟
أجابه صديقة بعد لحظات حاول فيها تذكر اسمها:
_سارة..سارة صبري رشوان!
**********
توتر متبادل وارتباك جليّ، فكرت رهف في افتتاحية للحوار بينهما فلم تجد سوى:
_كيف حالك؟
وتوتر الأخرى زاد أكثر وهي تُشبِّك أصابعها ثم ابتسمت مُجيبة:
_الحمد لله، كيف حالك أنتِ؟
هَزَّت رهف رأسها بابتسامة كانت مفتاحاً للصمت مرة أخرى..
لكن وصول عَمَّار كان نهاية لذلك الوضع، حيث هَبَّت كلتاهما إليه فاحتضنهما مُهللاً:
_ما هذا اليوم الجميل؟! حبيبتاي هنا معي وببيتي؟!
وكزته تغريد في إحدى كتفيه وهي تصيح به حانقة بافتعال:
_أنا أصلا لم آتِ من أجلك وأخاصِمك، لم أعد أرك عَمَّار، لم نتقابل الأسبوع الماضي كله، لذا فأنا لا أتحدث معك.
شعرت رهف بالذنب وهي تُدرك أنها قد قامت بالاستيلاء على حنان عَمَّار وحدها بينما شقيقته الصغرى تفتقده، إلا أنه سرعان ما أولى تغريد اهتمامه كاملاً وهو يعتذر:
_آسف حبيبتي، لقد انشغلت تماماً في افتتاح العيادة خاصتي فلم أستطع رؤيتك طوال الأسبوع، ثم وصل خالد ابن عم مَوَدَّة من السفر فانشغلت باستقباله والتأكد من استقراره، لكنني سأعوضك بنزهة بدلاً من ذلك، هيا اختاري إلى أين تريدين الذهاب؟
قفزت تغريد بلهفة هاتفة:
_مدينة الألعاب!
صرخ إياد مؤيداً عمته:
_نعم أبي، نريد الذهاب إلى مدينة الألعاب!
صاح عَمَّار بأعلى صوته:
_مَوَدَّتي! ما رأيك؟
وصله صياحها المماثل من الداخل:
_موافقة حبيبي!
هنا التفت إلى رهف التي تنقل نظراتها بين ثلاثتهم بابتسامة مندهشة:
_ما رأيك رهف؟
هزت كتفيها بتوتر مُجيبة إياه:
_أنا لا أعلم.. أقصد..
قاطعتها تغريد بضحكة:
_لا تقولي أنكِ تخافين ركوب الألعاب!
عضت رهف على شفتيها بحرج وهَمَّت بالرد حينما خرجت مَوَدَّة من الداخل قائلة برجاء مُفتَعَل:
_هذا هو نوع الخوف الوحيد المسموح لكِ به رهف، أجيبي بنعم كي أجد من تشاركني الاهتمام بالحقائب!
ترك عَمَّار أختيه واتجه إليها مُقبلا وجنتيها بحب هامساً:
_اشتقتُ إليكِ!
وكان ردها الهامس بعينين مبتسمتين:
_وأنا أيضاً!
لكنه التفت على صياح إياد المعترض:
_أهذا يعني أننا لن نذهب إلى مدينة الألعاب؟
وبدلاً من أن يجيب ابنه نظر إلى رهف متسائلاً:
_أتخافين ركوب الألعاب حقاً يا رهف؟
اختلست رهف نظرات مُحرجة إلى إياد وتغريد اللذين ينظران إليها بفضول ثم ردت بصوت خافت:
_أنا لم أقل أنني أخاف، لكنني لا أعرف ذلك الشعور، لم أجرب ركوب واحدة من قبل.
انقض الألم على ملامح عَمَّار فوراً وهو يدرك وجهاً آخر من الحرمان الذي عانته صغيرته بطفولتها؛
كل يوم يكتشف أنها ربما لم تعِش تلك المرحلة يوماً، وحتى عندما كبرت لم تعِش حياة طبيعية، ليس لديها أصدقاء، ليس لديها ذكريات جميلة..
ولم تذهب إلى مدينة الألعاب!
افتعلت مَوَدَّة لهجة تحذيرية ممتعضة وهي تهتف بها:
_استعدي إذن للكثير من الهلع والصراخ وتقطع الأنفاس، وسألتزم أنا صاغرة بالحقائب.
حاولت رهف بِجِدِّيَّة لملمة ابتسامتها المتشوقة فلم تستطع، الحماس يبدو جليّاً على وجهها ربما أكثر من تغريد وإياد نفسهما، إلا أنها ردت بالكلمتين اللتين اعتادتهما ورددتهما مراراً مؤخراً:
_شكرا عَمَّار!
وابتسامته الحنونة ثم قبلته على جبهتها دائماً ما كانا الرد، ثم جذب زوجته هامساً بخبث:
_عن أي حقائب تتحدثين حبيبتي؟ وأنا سأجهز لكِ جولة ببيت الرعب!
شهقت مَوَدَّة وهي ترمقه شزراً لكنه شدَّها مبتعداً إلى الداخل قائلاً:
_ولنبدأ بالتدريب بدءاً من الآن!
لم تنتبه إليهما أختاه، بينما قامت تغريد بالجلوس إلى جوار رهف لِتُرتبا معاً إجراءات النزهة المُقبلة بكل حماس، وجدت الأخيرة نفسها تبادلها إياه بالتدريج.
**********
سارت سما إلى جواره محاولة ترتيب حديثها القادم بذهنها قبل التفوه به، ولأول مرة ينتابها القلق والخوف عِوضاً عن شجاعتها المعتادة، لكنها الآن حينما تختلس النظر إليه تشعر أيضاً بارتباك غريب…
“ما رأيك بالأسماك؟”
نظرت له سما بدهشة حينما ألقى سؤاله وهو يقف أمام سيارته، انتظرت استئنافاً للاستفهام الغريب، فلما لم تجد أجابته بِحَذَر:
_كائنات لطيفة؟!
ضيق عينيه للحظات ثم انفجر ضاحكاً، وعلى الرغم من أن ضحكاته لطالما استفزتها إلا أنها في تلك اللحظة تجدها..مُمتعة!
وعندما انتهى أخيراً نظر لها ببشاشة قائلاً:
_أنا أسألك عن تناول الأسماك على الغداء، ما رأيك؟
نفضت رأسها تنهر شرودها الذي يتزايد في حضوره بدون مبرر ثم ردت:
_لا! شكراً أنا سأتناول الطعام مع أمي.
نظر إليها مدققاً مستغرباً، متسائلاً..
ألا يجب عليه الشعور بالغيرة من مناداتها لأمه هو بذلك اللقب؟!
ألا ينزعج مطلقاً؟!
لا! لا يُفكر بتلك الطريقة..
متأكد هو من حبها الشديد لأمه واهتمامها بها.
كما هو متأكد أيضاً من أنه لو لم تكن سما هي من تقيم مع أمه لم يكن ليتركها بعيدة عنه أبداً، فكلما قرر الضغط على أمه كي تعيش معه وجد نفسه تلقائياً يفكر في سما..
أيتركها وحدها؟
أيأخذ منها أمه.. وأمها؟
لتأتيه الإجابة طواعية بـ.. لا!
_لقد علمت أن أمي ستتناول الغداء مع جارتها، لذا ليس لديكِ حُجة!
قالها ببساطة فنظرت له بارتباك ثم قالت:
_أنا لا أتحجج، أنا فقط لم أعتد تناول الطعام دونها.
حدّق بعينيها متحدثاً بنبرة هادئة:
_اعتادي إذن، ثم إنها المرة الأولى حيث أقوم بدعوتك إلى الطعام، حتى لا تتهمينني بالبُخل.
ابتسمت برقة وهي تجيبه:
_ولكنني لم أتهمك بالبُخل مطلقاً.
اتسعت عيناه بدهشة فسألته متوجسة:
_ماذا حدث؟
لتأتيها إجابته وهو يتفحصها أكثر:
_أتعلمين أنك ابتسمتِ اليوم مرتين؟!
ولما لم تفهم استدرك:
_أنتِ لا تبتسمين مطلقاً سما!
عبست فوراً هاتفة باعتراض:
_وهل هناك إنسان لا يبتسم؟ ربما أنت من كنت تغيظني وتستفزني طوال الوقت فلا أجد فرصة للابتسام.
اقترب مرة أخرى، ومُحدقاً مرة أخرى، وقائلاً بنبرة خافتة:
_وهل اشتقتِ إلى استفزازي أم ماذا؟
توردت وجنتاها وهي تتهرب من عينيه بدون رد فتابع بابتسامة واسعة:
_أوتخجلين أيضاً؟!
هنا رمقته بنزق معترضة:
_ماذا تعني؟! أولست فتاة ومن الطبيعي أن أشعر بالخجل؟!
ليجد نفسه يرد بتلقائية:
_بل أجمل فتاة شهدتها عيناي يوماً!
تعالت نبضات قلبها بطريقة أنذرتها بالخطر، وعندما ازداد توترها وهربت منها الكلمات سألته بحنق:
_هل سنظل هنا؟ أريد أن أعود إلى البيت.
اتسعت ابتسامته وهو يفتح الباب الجانبي لسيارته:
_تفضلي سما، سنتناول طعام الغداء سوياً أولا، وستخبريني بما أردتِ ثم سأعود معِك لأرى أمي.
……….
وبعد أن أنهيا طعامهما جلس منتظراً إياها البدء بالحديث، لكن وجهها الذي ظهر عليه التوتر الشديد أثار انتباهه فبادرها متسائلاً باهتمام:
_ماذا بكِ سما؟ لِمَاذا يبدو عليكِ القلق بهذا الشكل؟
فهتفت به مرة واحدة وكأنها تريد التخلص من عبء ثقيل، أو كأنها تنتظر نتيجة ما بمنتهى التوتر:
_أريد أن أعرف ما هي نهاية وضعنا يا عاصم!
نظر لها بدهشة شديدة ثم سألها:
_أي وضع؟ هل تقصدين أمي؟! أنا اعتقدت أنكِ لا تريدين لها الانتقال معي، لكن إن أردتِ أن…
قاطعته بغضب:
_أمي لن تتركني عاصم، يجب أن تدرك ذلك جيداً!
ظلت دهشته قائمة مختلطة بسعادة غريبة، لكنها لم تلاحظ ذلك وهي تتابع بــــ:
توتر أشد؛
وجنتين متوردتين؛
وخوف واضح!
_كنت أعني.. وضعنا أنا وأنت.. أقصد..
فقاطعها بهدوء:
_تقصدين خطبتنا؟
أومأت برأسها بسرعة إيجاباً وعيناها متعلقتان به فتابع بعد برهة:
_أعلم أن تلك الخطبة طالت، أتريديننا أن ننهيها؟
وذعرها فاجأها، كما فاجأه امتقاع وجهها، وكما فاجأه أيضاً رفضه هو نفسه للعبارة بمجرد أن ألقاها..
لقد فكر كثيراً في إنهاء ذلك الارتباط الصوري بعد أن حقق هدفه بتأكد الجميع منه، لكنه في كل مرة يقرر إنهائه يتراجع؛
كل مرة يحاول التحدث معها لمعرفة رأيها يتخاذل؛
حتى أنه أصبح يتعمد الذهاب إلى أمه أثناء وجودها بالعمل كي لا يضطر لمناقشة ذلك الأمر معها.
والآن هو ينظر إليها وينتظر ردها بقلق شديد، وبعدم رغبة في التفكير باحتمالية انفصالهما..
وهذا ما يثير جنونه!
إنها سما! الفتاة التي منذ أن قابلها تشاجر معها كلما سنحت له الفرصة؛
وهي سما! الفتاة التي تعتني بأمه بمنتهى التفاني والحب والإخلاص؛
هي سما! الفتاة التي هددته بسكين وأظهرت له بكل وضوح أنها لا تطيقه وأنها لن تترك له أمها..أمه!
وهي أيضاً سما! الفتاة التي جعلته يواجه نفسه وصحة موقفه مم فعل صديقه بحبيبته؛
وأخيراً هي سما! الفتاة التي لولاها لما كان الآن ينعم بوجود أمه بحياته في الأصل!
زفر بضيق شديد وهو يدرك الآن أنها لو أجابت بــ نعم، لو طلبت منه الانفصال، لو طلبت منه إنهاء تلك العلاقة الزائفة سيشعر بعدم رضى..
فقط؟!
سيحزن..
فقط؟!
سيشتاق..
فقط؟!
بل سيرفض!!!
“ما رأيك سما؟”
والسؤال خرج منه عصبياً نَزِقَاً، وقبل أن تجيبه أتبعه بسؤال ثانِ لا يعلم لِمَ نَبَتَ بعقله الآن:
_هل كنتِ تحبينه؟
واستطاع بسؤاله اختطافها من حالة التوتر ليجعلها تنظر له بدهشة مُعقِّبة:
_عفوا؟!
ليكرر بنفاد صبر واضح:
_خطيبك السابق، ذلك الــ”كازانوفا”، أكنتِ تحبينه؟
وإجابتها الأولى كانت نظرة مندهشة، وتوتر، فَعُقدة حاجبين، ثم أخيراً نطقت:
_لم أحبه، لم أكرهه، اعتقدت أنه مناسباً ليس أكثر.
والإجابة جعلته رغماً عنه يزفر براحة، ثم يسألها متوجساً:
_ألم تشعري بالاشتياق إليه؟
هزت رأسها رفضاً مُجيبة بهدوء:
_إطلاقاً، حتى عندما اكتشفت تلاعبه بالفتيات تضايقت من أجلهن، لكنني ثُرت من أجل كرامتي فقط.
مال عاصم على الطاولة بينهما متسائلاً بخفوت:
_أتعنين أنه لم يصل إلى قلبك مُطلقاً؟
هزت رأسها نفياً على الفور فَعَلَّق متأملاً إياها:
_كان سيء الحظ إذن!
وتورُّد وجنتيها زاد، وتهرُّب عينيها واضح..
أحقاً تخجلين يا سما؟!
واتسعت ابتسامته وهو يلقي عليها العبارة الأغرب:
_أتعلمين أننا لا نرتدي حلقات حتى الآن؟!
نظرت له باستهجان ثم ردت:
_لقد لاحظت ذلك بالفعل!
ليدقق أكثر بعينيها قائلاً:
_إذن ما رأيك؟
عقدت حاجبيها بدهشة متسائلة:
_في أي شيء؟
بمنتهى البساطة رد:
_نبتاع شبكة تليق بكِ، ونبحث لكِ عن فستان أنيق وحذاء ذي كعب يرتفع لعشرين سنتيمتراً على الأقل، وبِزَّة رسمية تُظهر وسامتي، ثم يعلم الجميع بارتباطنا رسمياً.
نظرت له باستهجان ثم صاحت:
_يا رجل أنا أريد حلا حاسماً لميوعة تلك الخطبة، فتقترح أنت أن تجعلها رسمية؟
نظر إليها بغيظ شديد ثم زفر مستغفراً وَرَدّ:
_يا سما افهمي ما أعني، إذا ارتدينا الحلقات سنكون مخطوبان بالفعل.
هتفت به بحنق:
_لا حول ولا قوة إلا بالله! لقد فاجأتني حقاً، بِمَ سيفيدنا ذلك إذا كان الوضع بأكمله مُزيف؟
اتسعت عيناه وهو يستشعر مدى غبائها بينما تابعت هي بنفس الحنق:
_إذا نفذنا فكرتك العبقرية سنضطر لإطالة مدة تلك الخطبة الــ……
ليقاطعها صائحاً بغضب:
_أتتزوجينني سما؟!

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية قناع العروس ( جبابرة الصعيد ) الفصل الثالث 3 بقلم آية احمد - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top