الفصل السادس: (الجزء الثاني)
“هيا ساري! لا تكن سخيفاً، أنت لم تتناول شيئاً منذ الأمس.”
هتفت بها سارة برجاء وهي تقدم له إحدى الشطائر بإلحاح بينما هو أكثر عناداً من تقبله..
نظر لها بلا تعبير متسائلاً:
_هل عينتكِ أمك مراقباً علي؟
وقبل أن ترد استدرك ساخراً:
_صحيح، لقد نسيت أنها تقاطعني ولا تتحملني ولن تهتم إذا ما مِتُ جوعاً حتى!
زفرت سارة بتعب وهي ترد:
_لا تحزن ساري، بعض الوقت فقط وستتفهم كيف تحبها وسيتغير موقفها.
لم يرد مكتفياً بتقطيبة حاجبيه، فارتسمت نظرة شقية على محياها وأردفت متسائلة:
_هل هي جميلة؟
ولاحت ابتسامة نادراً ما رأتها على وجهه وهو يجيبها شارداً بنبرة لم يخف بها الوَلَه:
_فاتنة! وجنتان متوردتان، عينان تائهتان، وأهداب مشعثة!
أطلقت صفيراً ناعماً وهي تعلق بابتسامة متسعة:
_يا إلهي! لا أصدق، ساري أخي الذي فقدت الأمل في زواجه يوما هو من يتغزل بفتاة بذلك الهيام؟ أصبحتُ لا أطيق صبراً لرؤيتها.
ثم مالت عليه بهمس ماكر:
_ألا توجد لديك_وأعني مصادفةً_ صورة لها؟
ليخرج من شروده تماما وابتسامته تتسع أكثر ويحتل عينيه مكر محبب وهو يخرج هاتفه، فرمقته بدهشة قائلة:
_لقد كنتُ أمزح، بالفعل كنتُ أمزح! لم أتوقع أبداً أنك أصبحت مُتيماً وتحمل صورتها على هاتفك يا ساري!
لم يرد وهو يعرض عليها صورتها منتظراً رأيها بحماس، فعلقت بإعجاب:
_إنها جميلة فعلا، لكن أين التقطت لها هذه الصورة؟ ومن هؤلاء الأطفال؟
ظهر الحرج على ملامحه وهو يتهرب من عينيها مجيباً:
_لست أنا من التقطتها، إنها مريم، هي معلمتها بالمعهد الملتحقة بإحدى دوراته.
لتسأله سارة باستغراب وهي لازالت تتفحص الصورة بفضول أنثوي:
_وكيف وصلت الصورة إليك؟
وعندما لم يتحدث مستسلماً للحرج، رَفَعَت عينيها إليه بإدراك بدهشة هاتفة:
-هل تسللت إلى هاتف مريم وسرقتها؟! لقد فسدت أخلاقك تماما بالفعل يا ساري!
اختطف الهاتف منها نزِقاً ووضعه بداخل سترته فسألته:
_ما اسمها؟
وارتسم العشق في عينيه وهو يجيبها:
_رهف!
عاجلته بآخر:
_ما قصتها؟
نظر لها ساري بضيق ثم أجابها زافراً بيأس:
_أمها متوفاة، عاشت مع خالها ثم استقلت عنه.
تساءلت بحذر:
_وأبوها؟
جمدت ملامحه ثم تحولت لاشمئزاز واضح وهو يرد بخفوت:
_أخبرتني أنه لا يريد الاعتراف بها، وأنا لم أفضل أن أسألها عنه حتى لا أضيف لآلامها، ولا يهمني هذا يا سارة، هي فقط من أريد، وعندما تكون لي، ستتحقق كل أحلامي.
وضعت سارة إحدى كفيها تحت خدها وهي تتنهد قائلة بهيام:
_ارزقني يا الله برجل يحبني كهذا الحب.
لتنتفض عندما طار أحد الملفات بوجهها وهو يهتف بها حانقاً:
_تأدبي سارة!
تعالت ضحكاتها ثم توقفت والباب ينفتح ليطل منه عاصم رامقاً إياهما بغيظ:
_ما شاء الله! تتبادلان الضحكات هنا وأنا غارق مع الطلبيات الجديدة، ثم تتصل بي خالتي تشكوكما إليّ، ماذا فعلتما للمرأة الطيبة؟
وعندما ارتسم الحنق على وجه ساري والتحذير على وجه سارة أغلق الباب وجلس على المقعد المقابل لها قائلاً:
_لنترك أمر الطلبيات الجديدة جانباً، ما قصة تلك الفتاة التي سببت المشاكل بينك وبين أمك ساري، أحقاً تود الارتباط بفتاة ليس لها أهل؟
وقبل أن يرد اندفعت سارة بحماس مختلط ببعض الحالمية:
_لها خال كانت تعيش معه، وأمها متوفاة، إنها معلمة مريم أختك في مركز الدورات، اسمها رهف، أحبها ساري منذ النظرة الأولى والآن يتعرضان لصعوبات تهدد بتفريقهما، لكنني أثق أنهما سينتصران عليها وسيجتمعان سوياً بالنهاية رغم كل العقبات.
نظر لها الاثنان باستهجان ثم ما لبث عاصم أن هتف:
_مهلا! هل قلتِ رهف؟ لقد رأيتها من قبل مع مريم.
سألته سارة بلهفة:
_هل هي جميلة في الواقع مثل الصورة؟
هم بالرد حينما توقف ليختلس النظر إلى ساري الذي رَفَع أحد حاجبيه واسودت نظرته بتحذير شرير قائلاً بخفوت أرعبه:
_أجب عن هذا السؤال عاصم لأفصل رأسك عن جسدك على سطح هذا المكتب وفي التو!
حمحم عاصم بتوجس وهو يتهرب من نظرات ساري إلى أخته ليهتف بها بعبوس:
_ومالي أنا وشكلها؟ هل تعرفين عني أنني أنظر إلى الفتيات؟
لتعلق سارة وهي تهز كتفيها ببساطة:
_وحتى إن نظرت؟! من تلك التي ستبادلك النظر؟!
سبها من بين شفتيه وأخرجت لسانها له تغيظه، فاستدرك زافراً بغيظ:
_لا أعلم عنها الكثير، لكن مريم لا تتوقف عن التحدث عنها طوال الوقت، هي مقربة منها بشدة، حتى أنها في إحدى المرات صممت أن تهديها شيئا ما فاقترحت عليها الشوكولاتة.
لم يلاحظ أحدهما ابتسامة ساري التي اتسعت بينما استأنف عاصم سائلا إياه:
_أخبرني ساري، أهي تستحق إغضاب أمك؟
انمحت ابتسامته فورا ليحل محلها عبوساً شديدا وهو يرد حانقاً:
_أنت تعلم أنني ليس لديّ أغلى من أمي، وأنني أفتديها بروحي، لكنها حياتي، لِمَ لا تتفهم أمي أنها تمنع عني تحقيق حُلمي؟
نظر له عاصم بدهشة شديدة يحاول استيعاب ما يستمع إليه، لقد أصبحا صديقين منذ سنوات حينما تقرب منه ساري بعد وفاة زوجة أبيه، لم يفترقا أبداً طوال ذلك الوقت، إنه يعلم عنه كل شيء، لم يعهده أبداً بتلك الرومانسية، لقد اقتنع منذ سنوات أنه آلة للعمل ليلاً نهاراً وتلبية طلبات أسرته فقط، ماذا فعلت به تلك الفتاة لتغيره بذلك الشكل؟!
زفر باستسلام متحدثاً بنبرة مطمئنة:
_اهدأ ساري، سأتحدث أنا مع خالتي، مادُمت تحبها بذلك الشكل.
لم يرد وهو يعود لشروده المُقلق بينما صمم عاصم على مساعدة صديقه ليجتمع بالفتاة التي يحبها.
**********
تُحمم ابنها الذي يلعب ببعض الألعاب في المغطس بانهماك، بينما هي شاردة تماماً فيما أصبح عليه واقعهم..
خالتها وأمها ينهرانها على موافقة عَمَّار بترك الفيلا والاستقلال، بينما أبوها يبدو مؤيداً بشدة لزوجها تلك المرة..
زوجها يعاني بسبب عدم تقبل أخته لوجوده بالرغم من منطقية الأمر، وهي لا تستطيع مساعدته سوى بإسداء النصائح له بالصبر والتريُث قبل المحاولة ثانية..
وعلى جانب آخر لا يفوتها التطور الذي تتعرض له علاقتها به؛
لا تفوتها نظراته المُدققة بها وكأنه يبحث عن شيء ما..أو وكأنه قد وجد شيء ما!
لا تفوتها محاولاته للتقرب ولإظهار الاهتمام والندم والتمني ببداية جديدة معها؛
لقد ذهب البرود والجفاء واللامبالاة، أو ربما قد تركهم أيضاً بسجن والده..
تحاول هي الانصياع، تحاول المسامحة لكنها رغماً عنها لا تقوى على تجاهل تلك السنوات بسهولة؛
والسؤال الخبيث لا ينفك يطرق عقلها أحيانا:
“ألايزال يفكر في حبيبته السابقة؟”
زَفَرت بضيق وهي تقرر طرده بعيداً فالتفتت إلى ابنها متسائلة:
_أخبرني إياد، هل تحدثت معك اليوم الآنسة رهف؟
أجابها الطفل وهو يلعب بإحدى ألعابه المطاطية داخل المغطس:
_لم تأتِ اليوم.
مطت شفتيها بشرود ثم قالت:
_عندما تذهب إلى الدورة المرة القادمة يمكنك أن تصافحها وتحتضنها.
نظر الطفل لها بابتسامة قائلاً بحماس:
_أنا أقوم بذلك بالفعل.
ثم عاد إلى اللعب فعادت هي إلى شرودها حتى أخرجه منها هاتفا بعتاب مفاجىء:
_لِمَ لا تشاركينني اللعب بالمياه ونقوم بالغناء سوياً مثلما كنا نفعل في المنزل الكبير أمي؟
انتبهت إلى نبرة الحزن التي تخللت صوت ابنها، وأدركت أنها انشغلت عنه منذ بدأت المشاكل الأخيرة وأهملته، فاجتاحها ندم شديد واقتربت منه بسرعة وهي تخاطبه بحنان:
_لا علاقة بالمنزل الكبير بذلك إياد، هذا المنزل أفضل كثيراً، إنه منزل ثلاثتنا فقط، نستطيع اللعب فيه والغناء كما نشاء، انتظر! سأبدل ملابسي وأشاركك اللعب!
تهلل وجه الطفل وتقافز الحماس بعينيه،
بينما بَدَّلت هي ملابسها فعلاً وعادت إليه تلوم نفسها بشدة..
المياه تتطاير من المغطس الكبير في جميع أنحاء المكان؛
صوتاهما يصدحان سوياً بالأغاني الطفولية والصخب سائد؛
العبث يعم الأرجاء دون تمييز؛
وهما يتضاحكان بمرح شديد؛
غافلين تماماً عن ذلك الذي يستند إلى الباب، مشاهداً، متأملاً، ومستمتعاً!
أغنية؛
تلو أخرى؛
وأخرى؛
ولا يتحرك من مكانه قيد أنملة!
أهذه الصاخبة هي زوجته؟!
أهذه المرحة هي من أصبحت تتحفظ معه وتتعامل معه برسمية مغيظة؟!
لقد عهدها بذلك الانطلاق منذ سنوات ولّت، لكنها عندما بدأت مرحلة مراهقتها أخذت تهدأ وتنكمش رويداً رويداً حتى ظنّ أنها تنزعج منه!
الآن أدرك أنه كان بالفعل أعمى وعديم الإحساس، كيف لم ير ذلك الجمال؟
كيف لم يدرك عقله كم هي رائعة؟!
كيف لم يشعر قلبه بحبها حتى أطفأ روحها؟!
قلبه؟!
مهلا!
أهذا قلبه الذي يدوي داخل صدره بعنف؟!
أهذا قلبه الذي ينتفض هاتفاً باسمها وحدها مطالباً؟!
أهذا قلبه الذي يتضخم الآن وعيناه تراقبانها بتدقيق حريصاً على ألا تفته هفوة من حركاتها؟!
لكن كان لابنه رأياً آخر عندما التفت فجأة إليه مقاطعاً أفكاره صارخاً بفرحة:
_أبي!!
وانتفاضة منها للخلف؛
توردت الوجنتان؛
تهربت العسليتان؛
وقُضِمَت الشفتان!!
ليميل محتضناً ابنه غير عابئاً بابتلال ملابسه وعيناه معلقتان بها، وبنبرة_اكتسبها مؤخراً_ خرجت ماكرة أردف:
_ما هذا الجمال يا إياد؟!
والطفل المتحمس صاح:
_هل رأيتنا نلعب ونغني أبي؟ لِمَ لا تشاركنا؟
استقام وعينيه لا تحيدان عنها مجيباً ابنه بإيحاء واضح:
_رأيت إياد، وأخيراً رأيت!
والطفل يتابع بثرثرة لا ينتبه إليها حقاً:
_من يغني أفضل أبي؟ أنا أم أمي؟
وخرج صوتها أخيراً متحشرجاً بحياء:
_إياد!
ليتابع هو بلهجته الماكرة:
_لا أستطيع أن أحكم بعد ست أغنيات فقط، يجب أن تعيدا ذلك العرض منذ البداية حتى أستطيع الحكم بضمير.
حدقت به بدهشة بالرغم من خجلها..
كم هو وسيم! حبيبها وزوجها ووالد طفلها؛
متى تستطيع التوقف عن عشقه؟
متى تنقذ نفسها من الغرق به أكثر؟
متى تبتعد عن هالة الجاذبية التي يفرضها حضوره؟!
ونبرتها خرجت مرتعشة وهي تمر بجواره:
_سأجهز الطعام.
ليتمسك بذراعها هامساً بأذنها:
_أحببت تلك الملابس عليكِ جداً.
انخفضت نظراتها إلى ملابسها القصيرة المُلتصِقة بجسدها بفعل البلل فتصاعد حرجها أكثر، ثم ارتفعت نظراتها إليه بدهشة ليتابع محدقاً:
_وأحببت تلك الأغنيات، أنتِ ماهرة!
جذبت ذراعها منه مهرولة إلى الخارج وانفرجت شفتاها في ابتسامة خجولة فرحة، أما هو فقد أخذ يصدم رأسه بالباب هاتفاً:
_تحمل نتيجة تأخرك عَمَّار وادفع الثمن من أعصابك، تحمل!
_أبي؟!!
أجفل وهو ينظر لابنه الذي يرمقه بدهشة متسائلاً:
_لماذا تضرب رأسك بالحائط؟
وكانت الإجابة سريعاً حاضرة مُزينة بامتعاض موجه إلى نفسه بكل كرم:
_لأن أباك بطيء الفهم إياد، بطيء الفهم جداً!
**********
منذ بضعة أشهر:
انتفضت من نومها على صوت طرقات عنيفة على باب المنزل، ارتدت إسدالها البيتي بسرعة وهي تخرج لتجد زوجة خالها وابنته تحتميان ببعضهما مذعورتين بينما خالها يفتح الباب الذي كاد أن ينكسر بقوة الطرق، وما إن فتحه حتى ارتد إلى الخلف بلكمة عنيفة أسقطته أرضا!
_خالي!!
انتفضت صارخة تحاول مساعدة خالها على الوقوف وهي تنقل نظراتها بين ثلاثة وجوه يقفز الإجرام من كل ملمح بهم، ثم من خلفهم ظهر وجه..
قوي البنية؛
عريض المنكبين؛
فارع الطول؛
قاسِ الملامح مظلم العينين؛
بضع شعيرات فضية تخللت مقدمة شعره وشاربه؛
إنها تهذي حتماً!
لِمَ خرج ذلك الوجه الآن من ذاكرتها؟
لِمَ خرج من أسوأ كوابيسها؟
وأي مصيبة تلك التي أرسلته إلى هنا؟
وقفت ببطء يستند عليها خالها، وهي تحدق بوجهه بذعر واضح، قابلها هو بازدراء وحقد، بينما ارتفع نحيب زوجة خالها وابنته_التي تشاجرت مع زوجها أثناء سفره وتبيت هنا_ خلفهما، أما خالها فكان يحاول لملمة شتات نفسه التي بعثرها ذلك الوحش بدون كلمة واحدة.
لتتمسك هي بخيط البداية، وبارتجاف تساءلت:
_ماذا تريد؟
وإجابته ارتفعت صارمة:
_إذن أنتِ هي! أنتِ هي تلك الحشرة التي تجرأت وفكرت بتهديدي أنا؟!
تشتت انتباهها لِوهلة وهي تقول بدهشة:
_أنا.. أنا لم ….
لتقاطعها صرخة زوجة خالها:
_نحن ليس لنا ذنب فيم تفعله، هي ابنتك إن أردت تأديبها فهذا حقك، لكن زوجي ليس له شأن.
التفتت بدهشة إلى زوجة خالها بينما نهرها صلاح هاتفاً:
_اصمتي يا شروق، لا تتفوهي بكلمة واحدة.
لتعانده صائحة:
_لن أصمت يا صلاح! لقد صمتتُ لسنوات وسنوات، لكن إن وصل أذاها إلى داخل بيتي ولزوجي فسأتحدث كيفما أشاء، انظر لحالنا التي وصلنا إليها، هي السبب صلاح ، هي السبب.
مجددا!
“أنا السبب!”
هكذا فكرت وهي تحدق بعيني الرجل الأكثر قسوة على وجه الأرض، ثم برعب سألته:
_ماذا تريد منا يا بك؟ أنا لا أتذكر أنني هددت سيادتك بشيء! أنا لم أقابلك إلا مرة واحدة طوال حياتي ولا أريد تكرارها، ماذا تريد منا الآن؟
اقترب منها مزيحا أحد مرافقيه جانباً وهو يجيبها ساخراً:
_هل تريدين خداعي يا فتاة؟! أتعتقدين أن لقيطة مثلك تستطيع أن تتلاعب بي؟! أتأملين أن تحملي اسمي أنا؟ أتطمعين في إرث مني؟!
لتجيبه بلهجة خرجت مهزوزة:
_صدق أو لا تصدق شديد بك، اسمك قد صار آخر ما قد أرغب به، لم يعُد يعنيني بشيء، أموالك وسلطتك ونفوذك لم تعنِني بشيء مطلقاً، أنت نفسك لا تعنيني بشيء.
والصفعة التي امتدت يده بها إليها تلقاها عنها خالها بجسارة، لتتعالى صرخاتها مع زوجته وابنته، فتمسكت بخالها الذي أنهكه الحرج أكثر من الصفعة، ثم نظرت إلى ذلك المجرم صارخة:
_أنا لا أريد منك شيئاً، لا أعلم عم تتحدث، ابتعد عنا ولا تتعرض لنا وإلا أقسم أنني سأبلغ الشرطة.
هنا توقف أمامها تماماً وهو ينظر إلى داخل عينيها بنظرة جمدت الدم في أوردتها مبتسما بتحذير:
_افعليها! افعليها وأبلغي الشرطة حتى لا يرى أحد من أربعتكم نور الشمس ثانية، وأنا لا أهدد جزافاً.
ثم تراجع إلى الخلف بضعة خطوات، وعند الباب وقبل أن ينصرف هتف بوحوشه آمراً:
_اعرضوا عليهم عينة مم يمكنني فعله بهم.
وانصرف..
وحده!
تاركاً معهم ثلاثة من الوحوش البرية التي تقتات على الدماء، حاولت الدفاع باستماتة عن خالها المسكين فنالت منها بعض الضربات والركلات، أما عن زوجة خالها وابنته فلم تحاول إحداهما الاستنجاد بالجيران، وقفا يشاهدان في صمت غريب وبعض البكاء، حتى ارتوت الوحوش أخيرا وانصرفوا..
وَشَبَّ الشجار بين زوجة خالها وابنته من جهة، وبينها من جهة أخرى_هذا إن تم اعتبار اعتذاراتها المتتالية ودفاعها الواهي تعادلاً للشجار_ ؛
سباب واتهامات ودعوات بالأذى ثم طردها شر طردة، وبالطبع لأنها”هي السبب!”
وحينها عَقَدَت المقارنة؛
بين ذلك البيت، المصدر الوحيد للأمان الظاهري؛
وبين خالها ذي الكدمات والسجحات والكرامة المبعثرة؛
وهكذا بعد عدة أيام تركت منزله صاغرة!
……..
عودة إلى الوقت الحالي:
انتزعها صوت هاتفها من ذكراها القريبة فمسحت دمعاتها واتجهت إليه بتثاقل لترتفع دقات قلبها وهي تتطلع إلى الاسم الذي سجلته منذ بضعة أيام فقط، عذاب آخر يقض مضجعها، حيرة أخرى وألم آخر، لكنه يبدو مصدر النور الوحيد في ظلمة حياتها.
_مرحبا ساري!
وصوته المازح جاءها بسؤال بطيء هادىء:
_ماذا تفعلين يا مشعثة؟
أغمضت عينيها باستمتاع ونبرته تطفو بالتدريج على ذكريات عقلها، لترد بخفوت:
_لا شيء!
افتعل نبرة غاضبة وهو يرد:
_لو كنتِ سألتني أنتِ نفس السؤال لكانت إجابتي بلا تفكير:”كنت لتوي أفكر بكِ” لكن يبدو أنكِ قاسية!
ابتسمت برقة ثم جمدت ابتسامتها فجأة وهي تناديه بخفوت:
_ساري! أريد.. أريد أن اطلب منك طلباً.
فرد بدون تفكير:
_كل ما تريدينه رهف سأحققه مادام في استطاعتي.
فتحدثت بنبرة ضعيفة متألمة، حاولت بقدر الإمكان إظهار البرود بها:
_أريدك أن تعيد التفكير في الأمر، أريدك أن تضع في حسبانك كل ما ستتعرض له أنت وأحبائك بسببي، لقد علمت من مريم أن لديك أخت، لا أريدها أن تتأثر، لا أريد لعملك أن يتأثر بسببي، لا أريدك أن تكرهني ساري، لذلك فكّر، واعلم جيداً أنك إن غيرت قرارك سأكون متفهمة تماماً.
وانتظرت ثانية..
ثانيتين؛
وطال الانتظار؛
إنه بالفعل يفكر!
الآن يزن جميع جوانب الأمر ويقارن!
الآن سيجبره عقله على رؤية ما عمي عنه بسبب تهوره!
والآن سيدرك قلبه أنه ربما بالغ قليلاً في اعتقاده بحبها بالرغم من عدم اعترافه به!
والآن سيعتذر لها بتهذيب؛
سيخبرها بأنهما سيظلان أصدقاء وأنه لن يتخلى عنها و…
سيبتعد!
ساري سيبتعد!
الوحيد الذي وثقت به بعد خالها وحمزة سيبتعد!
الوحيد الذي لم ينظر لها اشمئزازاً بعد أن علم علاتها كلها سيبتعد!
الوحيد الذي أيقظ قلبها بعد سنوات من السبات الإجباري ليعلن عن
فرحة..أمل..حياة..ومستقبل!!
سيبتعد؛
وانتهى الانتظار، فأغمضت عينيها تترقب الحكم
ليتحدث بكلمات متمهلة:
_أخبريني رهف! إن حققت لكِ مطلبك، إن قلت الآن أنني سأتراجع، إن قلت أننا يمكننا أن نظل أصدقاء، إن قلت أنني لن أهاتفك مرة أخرى ولن ترينني ثانية، هل ستحزني؟ هل ستتذكرينني فيما بعد وتتأملي لو أننا معاً؟ أم ستنسينني بعد فترة وربما..
صمت فجأة ثم استأنف بصوت ازدادت خشونته:
_ربما تستبدلينني بآخر؟!
شددت من إغلاق جفونها تحاول السيطرة على دمعاتها التي تكافح للهرب فكرر بصوت أكثر صرامة:
_أنتظر إجابة رهف، وأوقن أنكِ دوماً صادقة.
لازالت مقيدة عينيها ودمعاتها خلف جفونها ثم أجابته بهمس متقطع:
_سأحزن ساري، سأحزن كثيراً.. جداً، ولن أنساك أبدا، ولن أستبدلك بآخر مُطلقاً.
زفرة حارقة وصلتها من الطرف الآخر أتبعها بقوله الذي_رغم هدوئه_ أرعبها:
_إذن فاسمعيني جيداً، لقد أخبرتك أنني لا أتراجع، أخبرتك أنني دائماً أحقق أهدافي، أخبرتك أنكِ ستكونين لي.
فتحت عينيها لتسمعه يردف بخفوت:
_أنتِ لا تعلمين كم انتظرتك رهف!
ثم أضاف بنبرة حانقة:
_وأقسم لو أتيتِ على ذكر آخر سترين مني ما لم تتوقعينه بأسوأ كوابيسك!
فغرت فاهها دهشة وهي ترد بحنق:
_أنت من قلت أن….
قاطعها بغضب:
_إذن لا تسمعي!
فتحت فمها وأغلقته بضعة مرات تبحث عن رد مناسب فلم تجد، ليتابع هو بجدية أقلقتها:
_سأكون صادقاً معِك رهف، لقد تحدثت مع أمي عنك، وكما توقعت عارَضَت، لكنني سأقنعها بكل الطرق حتى تدرك كم أنتِ مهمة بالنسبة لي، وأنني لم ولن أفكر إلا بك، لا تقلقي أبداً، لن أسمح لأي شخص أن يحول بيني وبينك.
تألمت بشدة بالرغم من الوعود التي يطلقها،
ها هي قد سببت المشاكل له أيضاً؛
ها هي قد أصابته بلعنتها؛
ها هي قد كدرت صفو حياته بعد أن أعطاها الأمل.
_بِمَ شردتِ؟
حمحمت بحرج وهي تجيبه بارتباك:
_أنا.. أنا أريد النوم!
وجاءت لهجته منزعجة:
_أتطردينني من هاتفك؟! خيراً خيراً!، فيما بعد سأنتقم منكِ رهف.
وابتسمت برقة وهي ترد:
_أنا لدي حصص في الغد لهذا يجب أن أنام مبكراً.
وبنبرة ملتوية جاء سؤاله:
_ألا زلتِ على إصرارك بعدم تدريس كِبار السن أمثالي؟!
وبمشاكسة نادرة أجابته:
_ألم تتخذ قراراً بحجز درس خصوصي؟
فسألها بسرعة:
_وهل وافقتِ أنتِ؟
افتعلت اللامبالاة وهي ترد:
_أنا كنت سأقوم بترشيح معلم آخر لك!
فجاء رده الهادىء:
_لا أريد سواكِ!
والعبارة البسيطة تلاعبت بدقات قلبها الذي أخذ يخفق بجنون فَعَم الصمت لحظات حتى حمحمت هي بخجل:
_سأغلق!
ليرد مسرعاً وقد بدا لها أن حالته مُماثِلة:
_هكذا أفضل!
وبدون كلمة أخرى انتهت المكالمة، اتسعت ابتسامتها والأمل يطرد الخوف بقلبها، حتى كادت تنطلق إلى الشارع بحبه صارخة!
**********
“ماذا تعني أنت؟ لقد استعنت بك كي تقنعه بالعدول عن ذلك الجنون، فإذا بك الآن تطلب مني التعرف على الفتاة؟ أتقبل بها على نفسك يا عاصم؟”
عوجت سارة شفتيها باعتراض وهي تختلس النظر إلى عاصم الذي يتلقى غضب أمها كله بصبر مخاطباً إياها بهدوء يُحسد عليه:
_يا خالتي! أولا لا فرق بيني وبين ساري، وأنتِ تعلمين جيداً أنني لا أقبل بالسوء له، ومستعد لمساندته في أي شيء يفعله وإنقاذه إذا احتاج، ثانياً أنا لم أقل لكِ هيا بنا نجلب المأذون ونزوجها له، عرضتُ فقط أن تقابليها.
وبغضب هتفت سوسن:
_ولِمَ أقابلها وأنا لن أوافق على دخولها بيتي بالأساس؟! أبعد كل من رفض حتى رؤيتهن يتزوج من هي بلا أصل؟! أبعد صبري وانتظاري طوال تلك السنوات كي أراه في بيته مع زوجة تحفظه يختار لقيطة؟!
صاحت سارة:
_أمي! لقد بدأت تلك الكلمة تثير أعصابي بالفعل، أنا لا أعرف تلك الفتاة ولم أرها مرة واحدة ولم تفعلي أنتِ بالمثل، لكنكِ حكمت عليها بتهمة لا يد لها بها، ما الذي تتعرض له المسكينة إذن من الناس عندما يعلموا بابتلائها؟، لم أعهدك قاسية أمي، لم أعهدك أنتِ بالذات قاسية!
هتف بها ساري الذي فَضَّل الصمت منذ بداية الحوار:
_سارة! لا تتحدثي مع أمك بهذه الطريقة.
التفتت له سارة دامعة وهي ترد بخفوت:
_أعذرني أخي! لقد نشأنا في أحوال صعبة لكن الله منّ علينا بك، لقد رأيتُ بنفسي كم أنت تعذبت وكافحت من أجلنا، الملبس، المسكن، والتعليم، والعلاج، والحماية، كل خطوة بحياتنا كنت معنا بها تدعمنا وتؤيدنا، ولوهلة وضعت نفسي مكانها تلك التي لا أب ولا أم ولا أخ يدعمونها، لم تلقي بنفسها إلى الشارع مستسلمة وحاربت للحفاظ على نفسها، وبالرغم من ذلك فها نحن نظلمها ونحكم عليها بجريمة لم تكن موجودة حتى وقت وقوعها!
عم الصمت المكان وارتسم الألم بأشد صوره على وجه ساري..
صراع؛
صراع عنيف يدور بداخله؛
لقد مسته كل كلمة تفوهت بها أخته..
كل كلمة كانت صحيحة تماما..
أهذا ما تعانينه رهف؟!
أهذا ما تقابله يومياً في أعين الجميع؟!
وكيف هي إلى الآن لم تتشوه روحها؟!
كيف هي إلى الآن ظلت صامدة؟!
وماذا عن المستقبل؟!
وماذا….
قطع صوت اندفاع أخته إلى غرفتها شروده فهب لاحقاً إياها..
نقطة ضعف أخرى تنخر بروحه؛
لا يتحمل الحزن لها أو لأمه؛
لا يتحمل أن يرى إحداهما غير راضية وعلى استعداد أن يخوض الكثير والكثير من أجل سعادتهما.
اقترب عاصم من سوسن متحدثاً بهدوء:
_أتعلمين خالتي؟! لقد نبهتني سارة بالفعل إلى مدى الظلم الذي يقع على الضحية، في حين أننا لا نبحث عن الجاني مطلقاً، الآن سأجيب عن سؤالك ، نعم أقبل! أقبل الزواج من فتاة لها ظروف رهف مادامت على خلق ودين، وبكل سرور.
نظرت له سوسن بحيرة متألمة، فاتجه هو إلى الباب مهموماً حتى أوقفته نبرتها الحازمة:
_قلت أنها معلمة مريم بالمركز؟!
**********
صف سيارته والتقط هاتفه ليكتشف أنه نسى إعادة تشغيل صوته، ثم حدق به مليا ليجد بضعة اتصالات من رهف، شعر بالقلق وبسرعة شديدة اتصل بها:
_مرحباً حمزة.
رد بوجل:
_هل أنتِ بخير رهف؟
جاءت نبرتها رائقة وهي تجيب:
_أنا بخير تماما الحمد لله، عذراً على اتصالاتي المتكررة، لكنني أريد رأيك بموضوع هام وبشدة بالنسبة لي.
وجاء صوته هادئاً مهتماً :
_طبعاً رهف تفضلي!
تلجلجت قليلا بحرج ثم تحدثت:
_أعلم أنني كان يجب علي إخبار خالي أولا، لكن.. لكني لا أريده أن يشعر بالقلق من أجلي الآن إلا بعدما اتأكد تماماً.
صمت منتظراً توضيحا فتابعت:
_أنا.. أنا.. هناك من يريد الزواج بي!
هتف بها بدهشة:
_من هو؟ وأين رأيتِه؟
فجاءت إجابتها متوترة:
_اسمه ساري، مهندس، هو أيضا ابن خالة إحدى طالباتي بالمركز.
واتسعت ابتسامته وهو يهتف بسعادة:
_مبارك مقدماً رهف.
فردت سريعا:
_لا! ليس مبارك! أقصد..ربما لا توافق والدته، لكنه يؤكد لي أن باستطاعته إقناعها.
خاطبها بجدية:
_وأنتِ ترغبين بأن يقنعها؟ أم تخافين من عدم إقناعه لها؟
ردت بحنق:
_هل هو لغز؟
ليرد بنفاد صبر:
_سأكون صريحاً رهف ولا تغضبي مني، تعلمين قيمتك لدي، هل تريدين الزواج بذلك الرجل من أجل فكرة الزواج فقط أو الاستقرار خاصة مع.. مع ظروفك؟ أم تريدينه هو بالذات لشخصه؟
همت بالإجابة فعاجلها:
_إن كانت إجابتكِ هي الخيار الأول فسأنصحك بالتراجع بصرف النظر عن هوية الرجل، خذي من قصتي مع ابنة خالك عبرة، لا تتزوجي من أي شخص إلا إذا كنتِ على اقتناع تام بشخصه هو.
عم صمت للحظات حتى قطعته هي بهدوء:
_وإن أخبرتك أنني لم أفكر في الزواج مطلقاً إلا به هو؟ وأنني لا أستطيع استبداله بأي شخص آخر حتى لو تقبل كل ظروفي؟
اتسعت ابتسامته بشدة وهو يجيب واعِداً:
_إذن سأقوم بدوري حسب الأصول.
**********
اتجهت إلى مكتب الاستقبال مندهشة من تعدد الزيارات لها في الآونة الأخيرة على الرغم من أن عدد معارفها لا يتعدون أصابع يديها، حدقت في المرأة الجالسة أمامها بابتسامة مهذبة وهي تصافحها بود:
_مرحباً، أنا رهف، أخبروني أنكِ تريدين مقابلتي.
تفحصتها المرأة بدقة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها ثم ردت بصرامة:
_وأنا الحاجة سوسن، خالة مريم، وأم ساري!
وانمحت بالتدريج ابتسامتها الودودة، لتحل محلها أخرى متوترة!
**********
وفي الشركة:
وقفت سارة أمام المصعد تدق الأرض بضيق وتوتر ليمر بجوارها أحد الموظفين هاتفاً:
_آنسة سارة، ألا تعلمين أن المصعد معطل؟
حمحمت بحرج تدعي الصرامة:
_أعلم بالطبع، لقد كنت أبحث عن شيء ما بحقيبتي فَحَسْب!
وتجاوزته إلى السلالم متظاهرة بالعبث بحقيبتها، وبينما تهرول فوق الدرجات سقطت حافظة نظاراتها الشمسية إلى الأسفل، وعندما التفتت كان هناك حذاء رجولي ضخم يدعس_بمنتهى القسوة_ نظاراتها.
وضعت إحدى كفيها على فمها كاتمة صرخة ستجتلب جميع الموظفين بالشركة والشركات المجاورة بينما عيناها متعلقتان على حذاء المعتدي، ليلتقط الأخير الحافظة بتوجس وهو يقدمها لها قائلاً:
_آسف! لم أستطع تفاديها!
أتبكي الآن؟
يحق لها!
كانت تحبها!
باستغراب سألها:
_هل أنتِ بخير يا آنسة؟
لقد تحطمت تماما!
قبل أن تراها بعينيها تشعر بها بقلبها!
وبقلق سألها:
_أتعاني من انخفاض الضغط أو ما شابه يا آنسة؟
من أين ستحصل على مثيلة لها؟!
لقد كانت نادرة!
بإطار فضي فخم، وعدسات لامعة تضفي على مظهرها المتهور تعقلاً تفتقر إليه كثيراً!
بتوجس خاطبها:
_أستطيع مساعدتك، أنا طبيب.
تنقل نظراتها بين حذائه وبين الحافظة بحسرة واضحة!
رمقها بِحَذَر متسائلاً:
_هل تتعرضين للشلل الآن؟!
والرد كان صارخاً، بالمرة غير متوقعاً:
_لِمَ لديك حذاءاً ضخماً بهذا الشكل؟!!
وحمدا لله لم تنتظر إجابة لن يستطيع الحصول عليها، وانطلقت مختطفة حافظة نظاراتها منه فوقف قليلاً يحدق في إثرها بدهشة.
**********
وفي مكتب ساري:
_هناك شخص يريد مقابلتك للضرورة القصوى، هو نفسه الذي اتصل صباحاً.
أشار لسكرتيرته بالإيجاب فخرجت لتسمح للزائر بالدخول، ذلك الذي تقدم منه بجدية متحفزة بادله إياها بكل سرور وهو يبادره:
_مرحباً دكتور، كيف لي أن أخدمك؟
وكان الرد بهدوء:
_لقد جئت من أجل رهف، أنا دكتور حمزة، كنت…..
ليقاطعه ساري ببرود:
_أنت إذن ذلك “الأخ!”