رواية سكن روحي الفصل السادس 6 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية سكن روحي الفصل السادس 6 بقلم سعاد محمد

 

الفصل السادس: (الجزء الأول)
*صِراع*
قبل عدة سنوات:
بعد أن انصرف آخر مؤدِ لواجب العزاء جلس صلاح مربتا على رهف التي نامت بأحضانه بعد أن أعيتها شدة البكاء، أخذ يدعو بالمغفرة والرحمة لأخته التي انتقلت إلى رحمة ربها بعد معاناة كبيرة مع الاكتئاب انتهت بانتحارها.
عاد بذاكرته إلى تلك السنوات المُضنية، منذ فرارهما من أذى ذلك الحقير ورفضه تطليقها كعقاباً لها على الوشاية بزواجهما لديه، ثم نبذه طفلته بعدما أظهر عدم اهتمامه بتهديدها إياه!
لقد عاتب شقيقته ونهرها لسنوات بلا فائدة؛
ها هي قد سقطت في بحور آثامها حتى الأعمق وإلى أنفاسها الأخيرة!
جلست شروق بجانبه فجأة متأففة:
_أخيراً انصرف الجميع؟! لقد كاد رأسي أن ينفجر!
لم يبد على صلاح أنه استمع إلى عبارتها فنادته بتصميم:
_صلاح، فيمَ أنت شارد؟
نظر لها والألم ينضح من ملامح وجهه، ثم هبط بأنظاره إلى تلك النائمة مردداً:
_أفكر بتلك المسكينة وما ستعانيه مستقبلا.
وبنبرة يشوبها القلق ردت هي:
_بل يجب أن تفكر فيما سنفعله معها، من سيتولى تربيتها؟
ضيق عينيه بعدم فهم فتابعت مهددة:
_لا تخبرني صلاح أنها ستقيم معنا، لقد تحملتها مع أمها لثمانية سنوات كاملين، لكنني لن أسمح بتواجدها معنا أكثر، أبوها على قيد الحياة ويجب أن يتحمل مسئوليتها.
رد صلاح بذهول وهو ينظر لها وكأنها مجنونة:
_أنتِ تعلمين أنه رافض الاعتراف بها، وأننا ليس لدينا ما نثبت أبوته لها بعد أن فقدت عايدة_رحمها الله_ العقد، بالإضافة إلى أنني خالها وليس لديها سواي، أين ستذهب تلك اليتيمة؟
انتفضت شروق واقفة وهي تصرخ:
_وما خصني أنا؟ لِمَ أتحمل تربيتها؟ هي ليست ابنتي.
ليرد هو بصوت منخفض بعد أن تململت الفتاة بجواره:
_وفيمَ تتعبك هي؟ إنها هادئة لا تثير المتاعب، حتى صوتها لا نسمعه، كما أنني أعلم أنها تقوم بكافة مسئولياتها بالإضافة إلى مسئولياتك أنتِ وابنتك أحيانا!
لتصرخ بنبرة أعلى جعلت الفتاة تهب جالسة مستيقظة بذعر:
_أنا لا أريدها! لا أريدها ببيتي تأكل من طعامنا وتنفق أنت على تعليمها من دخلنا القليل، أريد أن أنجب أخا أو أختا لابنتي يكون لها سندا بالمستقبل، لا أريد لتلك اللقيطة أن تلطخ بيتنا أكثر.
ليقف أمامها صلاح متحدثا بحزم:
_اسمعي شروق وافهميني جيدا! ربما أنا أخبرتك أنني لا أريد أطفالا آخرين خشية الحاجة المادية، لكنني في الواقع لم أشأ أن أخبرك بأنني أخاف إنجاب آخرين منكِ، فأنا أرى بوادر نبتتك التي تتضح بسلوكيات ابنتي، لا أريد فردا أنانيا آخر في ذلك المنزل، وأفضل تكثيف جهودي في إصلاح ما ستفسدينه أنتِ بدينا، واعلمي جيداً أن رهف مسئولة مني أنا، ولن أتركها ما حييت، والآن لا أريد منكِ التفوه بحرف واحد بذلك الشأن.
ثم جذب ابنة أخته التي لا تعي ما يحدث حولها لكنها تشعر أنها قامت بخطأ ما لا تدري كنهه بسبب نظرات زوجة خالها التي تزداد كراهية وحقداً.
ومنذ ذلك اليوم بدأت معاناتها الحقيقية في بيت خالها على أيدي زوجته وابنته، فأقل خطأ كان يستوجب عقابا بالضرب ويصل أحياناً إلى التقييد في عامود الفراش حال خروج الخال إلى عمله ، مع تحذير صارم بإخباره لأنها حينها ستتذوق من العذاب ألوانا.
**********
“إلى أين أنت ذاهب يا عاصم؟”
توقفت يده فوق مقبض الباب بعد أن كان يهم بإغلاقه ثم أجاب أبيه باقتضاب دون أن يلتفت إليه:
_ذاهب إلى أمي.
اقترب منه متسائلا بحرج:
_كيف حالها؟
تسارعت أنفاسه ثم ما لبث أن صفع الباب بقوة وهو يستدير إليه والغضب يتقافز من عينيه هاتفا:
_بخير أبي، هي بخير، ربما ضريرة بعض الشيء ولا تستطيع التحرك خطوة بمفردها، لا تستطيع تناول الطعام ولا الذهاب إلى المرحاض ولا الاغتسال ولا تناول دوائها إلا بمساعدة..
صمت يلتقط أنفاساً يُهدىء بها ثورته الداخلية ثم تابع بحسرة:
_ أوتعلم من يساعدها؟ ابنة زوجها المتوفى، وأنا هنا ابنها الوحيد أمارس حياتي بصورة طبيعية بكامل صحتي ولياقتي وأستأنس بك وبأختي، عدا ذلك فهي بخير تماما!
تهرب أبوه من عينيه بندم واضح والتزم الصمت، وبعد عدة ثوان زفر عاصم آسفاً مرددا بخفوت:
_أعتذر! لم أقصد أن أكون وقحا.
أومأ أبوه رأسه بلا تعبير وهو يرد:
_لا عليك بني، اذهب إلى أمك واعتنِ بها.
ثم أولاه ظهره واتجه إلى غرفته بخطوات متثاقلة، فظل هو واقفا يتمزق بين الغضب والندم..
غضب من أبيه الذي تسبب في حرمانه من أمه طوال تلك السنوات ولم يعترف بحقيقة ما حدث إلا حينما صمم هو؛
وندم لأنه للمرة الأولى بحياته يرفع صوته أمامه؛
لكنه سرعان ما تخلص من كليهما وانطلق مشتاقاً إلى أمه.
**********
“أهو نوع جديد من المزاح ساري؟! لأنه سخيف جداً!”
ارتسم الإصرار في نظراته وبهدوء أجابها:
_لا أمي، أنا لا أمزح، ما أخبرتك به هو الحقيقة كاملة، الفتاة وحيدة تماما.
هَبَّت أمه واقفة تصيح به:
_هل هذا ما يهم الآن؟ أتريد إحضار فتاة لقيطة تعيش بمفردها إلى بيتي؟ مع شقيقتك؟ أتعلم عنها أي شيء؟ عن أخلاقها؟ عَمَّ تفعله بالخفاء؟ هل فقدت عقلك ساري؟!
وبنفس الهدوء الذي بدأ باستفزازها وقف أمامها وهو يرد:
_أعلم أنها معلمة محترمة، تعلم ابنة أختك التي تحبها بشدة بالمناسبة، أعلم أنها بغاية التهذيب وأخلاقها عالية وربما تتسم ببعض السذاجة والكثير من البراءة، أعلم أنها ضعيفة هشة عانت ماضياً أسوداً وتعاني حاضراً مظلماً، وربما مستقبلاً أكثر قتامة، لكنني أريدها هي فقط أمي.
دمعت عيناها مخاطبة إياه بتوسل:
_فكر بغيرها بني، لا يهم أي واحدة تختارها، فقط لها أصل ونسب.
تدخلت سارة التي التزمت الصمت بجانب باب الشرفة منذ البداية هاتفة باندفاع:
_وما ذنبها أمي؟ ما ذنبها في طريقة مجيئها إلى هذه الدنيا؟ هل سألها أحد عن رأيها؟ إن كانت بالفعل على خلق ودين ما الذي يمنعه من الارتباط بها؟
نهرتها أمها صارخة:
_اسكتي سارة ولا تتدخلي!
تقدمت سارة حتى وقفت بجانب أخيها متشبثة بكفه بقوة ثم قالت بِعِناد:
_لا أمي، إن كنتِ تعتبرينني لساري مجرد أخت صغرى فأنا أعتبره أبي، لقد خاض الكثير من أجلنا وحقق كل أحلامنا، وهو أبدا لم يتمن شيئاً لنفسه، كما أنه ليس ساذجا أيضا، اتركيه يخوض تجربته، عسى أن تكون تلك الفتاة له تعويضاً عن شقائه منذ الصغر.
شبَّك ساري أصابعه بأصابع أخته وهو ينظر لها بامتنان شارداً، نقلت سوسن أنظارها بينهما بحسرة وهَزَّت رأسها رفضاً ثم خرجت من الشرفة حانقة، التفتت سارة إلى ساري هاتفة بمرح مفتعل:
_الآن ستسرد عليّ منذ البداية قصتك مع تلك التي سرقت قلب أخي، بالفعل ساري لم أتخيل أبدا أن تسقط صريع الحب، اعتقدت دائما أنك عندما تقرر الزواج ستختار فتاة مملة لتنجب منها بعض الأطفال وتدبر لي المكائد فأُكدر صفو حياتها، لكن على ما يبدو أن هناك من قضت على أحلامي!
أدرك محاولتها المزاح معه كي تهون عليه الحالة البائسة التي وضعته بها أمه برفضها، لكنها فشلت بجدارة، فقد أولاها ظهره وهو يحدثها بنبرة حزينة:
_اعذريني سارة، أريد أن أبقى قليلا بمفردي.
زفرت بضيق ثم طبعت قُبلة حنونة على ظهره وخرجت رامقة إياه بحزن.
أما هو فقد تمسك بسور الشرفة وهو يعاني صراعا يتغذى على قلبه وعقله وروحه، ضغط أسنانه بشدة وأغمض عينيه هامسا بعذاب:
_اعذريني أمي، لم يعد باستطاعتي التراجع!
**********
في عمر التسعة:
ذات يوم عادت من المدرسة رأساً إلى غرفة خالها، وسؤال واحد يؤرقها منذ الصباح..
وبالتحديد منذ أن رأت إحدى زميلاتها تصطحب شقيقتها من أمام فصلها الدراسي بعد أن تشاجرت_الأولى_ مع أحد الأولاد الذين أزعجوا الصغيرة..
بحزن سألته:
_خالي! ألن يكون لي إخوة يوماً؟
بألم أجابها:
_أنتِ لديكِ أخ بالفعل رهف.
بفضول فَرِح سألته:
_أين هو؟ وكم عمره؟ وما اسمه؟
بقهر أجابها:
_ببيت والدك، يكبرك ببضعة أعوام، اسمه عَمَّار شديد الناجي!
……..
“عَمَّار الناجي، أخوكِ!”
العبارة البسيطة تتردد في ذهنها بتكرار رتيب وتزامُن مع ذكرى بعيدة جداً لاكتشافها الأول بوجود أخ لها..
أخ انتظرته طفلة أمام نافذتها كثيراً ولم يأتِ؛
أخ انتظرته مراهقة كي ينقذها من قسوة زوجة خالها وابنتها ولم يأتِ؛
أخ انتظرته شابة أن يضمها إليه مُذيقاً إياها حنان لطالما تساءلت عن ماهية الشعور به فلم يأتِ؛
إلى أن جاء أبوه ليُلقنها وخالها درساً ففقدت الأمل به ولم تنتظره أكثر، بل وتمنت ألا تراه مطلقاً حتى مصادفة؛
لكن منذ متى وتحققت أمنياتها؟
ها هي أمامه الآن كالصنم تقف..
“عَمَّار الناجي، أخوكِ!”
بل في الواقع
عَمَّار شديد الناجي!
نفس الاسم؟.. نعم؛
نفس الطول؟.. نعم؛
نفس النظرة القاسية؟… لا
نفس الملامح المرعبة؟… أيضا لا!
حنان… اشتياق… توسل؛
تفيض عيناه بالكثير، لكنه_للأسف_ يظل:
“عَمَّار شديد الناجي!”
ابن الرجل الذي ضرب أمها أمامها، ثم صفعها؛
ابن الرجل الذي تسبب في اكتئاب أمها ثم انتحارها؛
ابن الرجل الذي تسبب في شلل ذراعها؛
ابن الرجل الذي ضرب خالها ثم هددها بالمزيد إن لم تختفِ من بيته؛
ابن الرجل الذي بسبب نبذُه إياها أُهينت وعُذِبت وقُيدت ببيت خالها؛
ابن الرجل الذي بسبب عدم اعترافه بها يتعامل معها الجميع باشمئزاز واحتقار؛
وابن الرجل الذي ألصق بها صفة “لقيطة!”
ابن شديد الناجي..
قاتل أمها، مُكدر حياتها، ومُدمر أحلامها، ولاصق العار بها!
عَمَّار شديد الناجي ليس أخاها..
بل هو ابن عدوها!
وهتاف مشتاق منه انطلق:
_أخيراً يا رهف!
والصرخة خرجت منها مرتجفة:
_ماذا تريد مني؟
والرد كان حاضرا، سريعاً، وبمنتهى الصدق:
_أريدك رهف، أريدك معي وبجانبي، أريد تعويضك.
رَدَّت بصوت متحشرج:
_لماذا كنت تلاحقني طوال الوقت؟!
وأضافت:
_في الهاتف، وفي العمل، وأمام مسكني!
تحرك يهم بالدخول عندما رَفَعَت كفها أمامه ثم صاحت بحزم:
_إياك!
وبتنفس سريع كررت:
_إياك أن تدخل! ماذا تريد مني؟ لقد تركت بيت خالي حتى لا تؤذوه، تركت الحي كله وأعيش بمفردي الآن، ماذا تريدون بعد؟ أن أترك البلد بأكمله؟ أن أنتحر مثلها؟! لِمَ لا تدعوني وشأني؟ لِمَ لا تمحونني من عقولكم؟!!
هز رأسه بنفي قائلاً بألم:
_لا رهف، أنا لست مثله، أنا لن ألحق بكِ أي أذى، أنا أخوكِ رهف، وأريدك أن تعيشي معي، أريدك أن تدركي كم أنا أحبك وأرغب ببقائك بجانبي، أنا.. أنا لم أعلم بوجودك إلا منذ فترة قصيرة، أقسم رهف لو كنت أعلم عنكِ أي معلومة منذ زمن لما كنت تركتك يوماً واحداً بمفردك.
اللهفة، الاشتياق، الأسف، الندم..
يتزاحمون في عينيه؛
ارتجافة صوته، ذراعيه اللذين يجبرهما على الثبات إلى جواره..
يصرخون رغبة في احتضانها؛
لكنها ليست غبية، لن تصدق ابن ذلك الرجل، لن تصدق سليل نسل الأذى..
لن ترتمي بين ذراعيه الآن صارخة معترفة باشتياقها إليه؛
لن تخبره عن معاناتها في انتظاره هو على الأخص؛
لن تفعل ذلك مطلقاً!
نظرت له بسخرية هاتفة:
_أتعلم؟! لو لم تكن ابنه لكنت للتو صدقتك، أنا لا أفهم أي لعبة حقيرة يدبرها والدك لكنني لن أسمح لكم بإفساد حياتي أكثر، ارحل ولا تحضر مرة أخرى كي لا أبلغ الشرطة، فإن كنت لا تعلم أنا ليس لدي ما يثبت أنني ابنة والدك، ولا صفة رسمية على الإطلاق تربط بيني وبينك!
وبأقصى قوة تمتلكها أغلقت الباب ليغمض عينيه بألم متقهقراً، لم تفاجئه على أي حال لكنه تمنى لو أعطته فرصة؛
تمنى لو استطاع احتضانها..
تمنى لو منحته فرصة للاعتذار..
ويا إلهي كم هي جميلة بريئة ضعيفة تصرخ رغبةً واحتياجاً!
ويا لحسرته! للمرة الأولى يراها بذلك القرب ولا يستطيع الدنو منها أكثر!
مسح على وجهه بِتعب حينما ارتفع رنين هاتفه فرد بخفوت:
_نعم مَوَدَّة!
وبصوتها المتلهف سألته:
_ماذا فَعَلَت؟
ليرد بنبرة ساخرة:
_كما توقعنا تماما، رَحَّبَت بي أشد الترحيب!
فأتته نبرتها مواسية:
_أعطها عذرها عَمَّار، واعطها وقتاً حتى تتأكد من حُسن نواياك تجاهها.
زفر باستسلام متمتماً:
_وماذا بإمكاني مَوَدَّة سوى الانتظار!
**********
“لقد أتيت!”
هتفت بها سما وهي تدلف إلى الشقة محملة بأغراض كثيرة وضعتها جانبا، عقدت حاجبيها عندما استمعت لضحكاتها مختلطة بضحكات رجولية، عندئذٍ زفرت بملل وهي تدرك هوية صاحبها، وما لبث أن انطلقت صيحة زوجة أبيها:
_تعالي سما، عاصم هنا!
“أعرف! لقد شعرتُ باختناق مفاجىء ورغبة في تهشيم رأس أحدهم ما إن وصلت، بالتأكيد هو هنا!”
تمتمت متجهة ببطء إلى غرفة الجلوس تحاول إخفاء ضيقها من وجوده، لقد احتمت بغرفتها عندما حضر بالمرات السابقة بحجة النوم، لكن أين لها من مهرب الآن؟!
_السلام عليكم!
رفع رأسه بابتسامة مغيظة ينظر إليها، فالضيق واضح تماما بعينيها، ويدرك جيدا أنه السبب، لقد أصبح يشعر بتسلية كبيرة حقا عندما يراها غاضبة، يعلم أنه يتصرف بطفولية لم يعتدها لكن الأمر أصبح خارج عن سيطرته.
_وعليكم السلام آنسة سما، كيف حالك؟ اشتقنا لكِ!
لم يفُته تكوير قبضة يدها في تأمل واضح بتسديد لكمة إلى وجهه، ومن بين أسنانها ردت:
_متى اشتقت وقد أتيت خمسة مرات خلال أسبوع واحد؟!
اتسعت عينا صفاء هاتفة باستنكار:
_سما!
تطلعت إلى ملامح السيدة المؤنِبة ثم تململت بِضيق وقالت بحرج:
_سأدخل غرفتي أم عاصم، إن احتجتِ أي شيء قومي بمناداتي.
ما إن استدارت حتى تنصرف فعاجلتها المرأة باستدراك:
_صحيح سما، الحاجة دلال أتت مع ابنها اليوم، إنها تصر بشدة على التحدث معِك.
التفتت سما والغضب يقفز من عينيها قفزاً هاتفة:
_ألا تمل تلك المرأة؟ كم مرة يجب عليّ إخبارها أنني أغلقت تلك القصة إلى الأبد؟ بالمرة القادمة لا تشجعيها على الحديث بالأصل، وإن صادفتها أنا سأجعلها تندم على ذلك الإصرار.
وانطلقت بغضب شديد إلى غرفتها، بينما زفرت صفاء بحزن، فلم يستطع عاصم التحكم بفضوله وهو يسألها:
_من دلال وابنها يا أمي؟
أجابته صفاء بنبرة حزينة:
_إنها جارتنا وكان ابنها خاطباً لسما من قبل، لكنهما انفصلا منذ بضعة أشهر، والآن هو نادم بشدة ويود استعادتها، لكنها ذات رأس كالجدار لا تود إعطاؤه فرصة ثانية.
وبلهجة أكثر فضولية تساءل:
_ولِمَ انفصلا أمي؟
بامتعاض واضح أجابته:
_لقد اكتشفت أنه يحادث فتيات أخريات، على سبيل التسلَّي، ذو الحظ النحِس تكون معه فتاة مثل سما وينظر إلى غيرها.
رد عليها عاصم بمرح:
_ أنتِ مخدوعة في تلك الفتاة يا أمي، إنها تجعل الرجل يلعن حظه الذي أوقعه مع من مثلها، سلاطة لسانها لم أر مثلها بحياتي، بالتأكيد ذلك المسكين ولى مدبراً ذعراً منها.
عبست أمه وهي تنهره:
_لا تتحدث عنها بتلك الطريقة عاصم، إنها ابنتي، هي فقط تتحسس من وجودك غيرةً منك لا أكثر، لكنها في الواقع لطيفة.
ثم استدركت بلا اقتناع:
_أقصد.. أحياناً تكون لطيفة.
ضحك عاصم وهو يُقبِّل كفها بحنان فربتت بيدها الأخرى أعلى رأسه، قضى معها بعض الوقت ثم وضعها في فراشها وظل بجوارها حتى نامت.
خرج من غرفة أمه متجها إلى باب الشقة ليستمع إلى صياح خافت قادم من المطبخ:
“دعني وشأني شريف، لا تتصل بي مرة أخرى ولا تجعل والدتك تحدث أمي في ذلك الموضوع، أنا التزم الصمت احتراماً لها فقط، لكنني قريباً سأفقد صبري وسأتصرف بطريقة غير لائقة! لديّ من المشاكل بالعمل ما يفوق دلالك وتفاهتك، وما كان بيننا قد انتهى منذ شهور!”
ثم أنهت المكالمة وهي تلقي الهاتف على سطح إحدى الخزانات بغيظ واضح.
أمي؟!
لقد سمعها مراراً تناديها “أم عاصم”، لِم تذكرها الآن ب”أمي”؟!
ألقى سؤاله جانبا واتجه _رغماً عنه_ إلى المطبخ لتتسع عيناه دهشة وهو يستمع إلى صوت بكائها الخافت، كانت توليه ظهرها مخبئة وجهها بين كفيها وجذعها يهتز ببطء، لا يعلم لِمَ لم يتحرك، لا يعلم لِمَ ظل واقفاً يراقبها بصمت، لا يعلم لِمَ انطلق ذلك اللسان الغبي بـ:
_سما!
التفتت مجفلة وهي تنظر له بدهشة من بين دمعاتها الغزيرة ثم مسحت وجهها بكفيها وبمنتهى العنف هتفت به:
_ماذا تريد؟ ما الذي تفعله بالمطبخ؟
ثم ارتخت ملامحها وهي تسأله بهدوء:
_أتريد أم عاصم الذهاب إلى المرحاض؟
هز رأسه مسرعا بنفي وهو يجيبها:
_لا، لقد نامت.
زفرت بتعب وهي تعاود سؤاله بخشونة بدت_لأول مرة_ لا تليق بها:
_إذن ماذا تريد؟!!
حك عاصم مؤخرة عنقه وهو لا يجد إجابة على سؤالها ثم_وبكل تهور_ رد بأول شيء جال بخاطره:
_أنتِ تقولين “أمي”!
ضيقت عيناها بحذر وهي تسأله:
_ثم..؟!
حمحم بعبوس مفتعل وهو يرد:
_أنتِ تقولين عن أمي أنا “أمي”، أي أمك أنتِ! انتظر تفسيراً!
اتسعت عيناها بدهشة وارتسم الشر على ملامحها فبحث بعينيه متوجساً عن السكين الضخم، لكنه عاد بنظراته إليها مسرعا وهي تتقدم منه ليتراجع بضع خطوات إلى الخلف، فتبادره هي بلهجة منتصرة:
_لقد كنت أعلم، كنت أعلم أنك ستأخذها مني، منذ أن ظهرت أنت وأصبَحَت طوال الوقت لا تتحدث سوى عنك.
ثم ابتسمت مُفتَعِلة حناناً زائفاً وهي تتابع مُقلدة صوت والدته:
_ كيف يبدو مظهره سما؟ كيف تبدو ضحكته؟ ألم أخبرك أنه فارع الطول؟! خفيف الظل سما أليس كذلك؟! وسيم بشدة أليس كذلك؟!
وبتهور أشد سألها وهو يحدق بعينيها اللتين اكتشف لتوه أنهما جذابتين:
_وهل أنا وسيم بشدة؟
جَزَّت على أسنانها وهي ترد بسرعة:
_وبِمَ تفيد الوسامة إذا انعدم الذوق؟!
ملامحها أيضاً جميلة..نظراتها قوية واثقة..حتى ضآلة قامتها تبدو له الآن..مُحَبَّبَة!
جال في ملامحها مدققاً وبنبرة خافتة قليلا عقّب:
_قَلّ!
انعقد حاجباها بتساؤل واضح فأردف:
_قَلّ الذوق وانعدم “الإتيكيت” لا تنسِ نعوتك التي أطلقتها عليّ بنفسك!
أغمضت عينيها وهي تزفر بضجر باحثة عن صبر مفقود فتابع بابتسامة زاهية:
_هذا يعني أنكِ ترينني وسيماً بشدة.
وضعت إحدى كفيها على فمها في إشارة لكظم غيظ شديد فتحدث هو ثانية متسائلاً:
_لِمَ تبكين وليس هناك بصل؟!
ألقت كفها جانباً وهتفت به بنزق:
_ألا ترى أنك تتدخل فيما ليس لك به شأن؟ ألم تنم أم عاصم؟ هيا! ارحل كي أوصد الباب بالقفل!
نظر لها بِغِلّ شديد ثم خرج من المطبخ فتبعته هي، وعند باب الشقة توقف ملتفتاً إليها مُكرراً سؤاله بإصرار بدا_له شخصياً_ عجيباً:
_لِم تناديها ب”أمي” في غيابها وليس ب”أم عاصم” كما تفعلين دوماً؟
ولدهشته نحت سلاطة لسانها جانباً وهي تجيبه بهدوء وبصدق ظهر واضحاً بعينيها:
_لأنها أمي مهندس عاصم، لم تنجبني أعلم، لكنني لا أملك أم سواها، هي من رَبَّتني وعاملتني بحب وعطف أكثر مم أتمنى، وهي دائماً ما فضلت أن يناديها الجميع بـــ”أم عاصم” حتى يظل اسمك ملاصقاً لها.
حدق بها للحظات يستشعر حبها الهائل لأمه، ووفائها وإخلاصها، وحتى حنانها الذي تخفيه بِتعمُّد، ليشعر بشيء غريب يتسلل إليه، شيء ناعم، ممتن، فضولي… مُعجب!
وعندما هم بإلقاء أحد الردود اللطيفة التي تستوجبها اللحظة في دعوة للسلام هاجمته على الفور بهتاف مُتحفز:
_ولهذا احذر! أنا لن أسمح لك بأخذ أمي مني مطلقاً! لا تعتقد أنني منشغلة بعملي ولا أفهم ما يدور من محاولاتك المستمرة لاقناعها بالانتقال معك، لكنني أوقن تماماً أنها لن تتركني إلى الأبد، وأنصحك بأن تكف عن محاولاتك لأنها ستفشل!
عاد لتحديقه بها للحظات في صمت حتى بدأت هي تشعر بالتوتر؛
ألن يرد عليها بسخافة؟
ألن يغيظها ويتحداها؟
ولماذا يبتسم كالأبله هكذا؟!
أسئلة دارت برأسها ولم تحصل على إجابات لها، لكن أعصابها ارتخت فوراً عندما فتح الباب وانصرف دون كلمة.. مبتسماً!
*********
“ماذا حدث رهف؟ لقد أقلقني صوتك في الهاتف صباحاً”
ارتمت رهف بين ذراعي خالها باكية ليحتضنها بحنان شديد وهو يعيد سؤاله بقلق:
_ماذا حدث يا ابنتي؟
رَفَعت رأسها تنظر إليه من بين دمعاتها وهي تجيب:
_لقد عاد خالي، لن يدعني وشأني!
رمقها بلا فهم للحظات ثم ما لبث أن اتسعت عيناه بذعر وهو يسألها:
_شديد؟!
هزت رأسها نفياً هاتفة:
_بل ابنه!
انفرجت ملامح صلاح بلحظة وهو يربت على ذراعها التي لاحظ تصلبها ثم جذبها برفق ليساعدها على الجلوس على المقعد القريب وجلس أمامها، انتظرها حتى تكف عن بكائها تماما، عندئذ تحدث قائلا:
_أعطِه فرصة رهف!
نظرت له بدهشة ثم سألته بضعف:
_من؟!
ليجيب بحذر:
_أخوكِ.
عندئذ هبت واقفة تصرخ بهياج:
_أنا ليس لدي إخوة، ليس لدي أب، ليس لدي أم، ليس لي إلاك خالي، ولا أريد آخرين، هو مؤذِ، مؤذِ بالتأكيد مثل أبيه، الذي تسبب بانتحار أمي وتسبب بإلصاق العار بي، وأنا لست بلهاء إلى الدرجة التي تجعلني أصدق تمثيله البارع.
ثم استدركت وهي تحدق بخالها بدهشة قائلة:
_لحظة! أنت لم تفاجأ عندما أخبرتك بحضوره، هل كنت تعلم؟
طأطأ صلاح رأسه أرضا يجيبها بخفوت:
_لقد أتاني عند مقر عملي يرجوني أن أحدثك عنه، وأن أخبرك أن نواياه ليست سيئة تجاهك، وأنه.. يريد تعويضك…
قاطعته رهف بصراخ باكِ قلّما انطلق منها:
_عن أي تعويض يتحدث؟! كيف سيعوضني عن كراهية أمي لي؟، عن حرماني منها في عمر الثمانية؟، كيف سيعوضني عن نومي كل ليلة أتقلب بداخل كابوس يحمل وجه مظلم وعينين حاقدتين؟ أيستطيع تعويضي عن كل مرة ناداني فيها أحدهم بـ”عديمة الأصل”؟ “ابنة الخطيئة أو اللقيطة”؟ أيستطيع تعويضي عن النبذ الذي أقابله بكل من يعرف حقيقتي؟ أيستطيع تعويضي عن العذاب والإهانة والألم الذين تمرغتُ بهم على يد زوجة خالي وابنتها؟ أيستطيع تعويضي عن بقائي بمفردي هنا أعاني الوحدة والحرمان واحتقار الذات؟
صمتت للحظات تنتحب ثم تابعت من بين شهقاتها بقهر:
_أيستطيع تعويضي عن ذكرى سيئة لأبيه بينما يتعدى بالضرب عليك أمامي وأمام زوجتك وابنتك؟ أخبرني خالي، أيستطيع تعويضي عن كراهيتي لرؤية وجهي بالمرآة حتى لا أرى أي صورة ضعيفة وضيعة متدنية أحملها أنا؟!
لم يتفوه صلاح بكلمة وبكاؤها المرير يتسرب إلى خلاياه، وبصعوبة منع دموعه من مشاركتها وهو يدرك أنها للمرة الأولى تتخلى عن صمتها، يدرك أن ظهور أخيها تسبب في ظهور بوادر تمرد لم يكن مطلقاً من شيمها، يدرك أن الغضب الذي لطالما ادّعت عدم وجوده يزأر للإعلان عن نفسه بقوة الآن.
انفجار وشيك يستطيع رؤيته عن بُعد، وما يتمناه ألا تتضرر هي منه أولاً.
اقترب منها مربتاً عليها بحنان، وبصرامة خاطبها:
_إن كنتِ لا تريدينه بحياتك لن أُجبرك، وإن حاول التواصل معِك مرة أخرى فقط أخبريني وأنا من سيتصدى له.
لم تستطع حتى رسم ابتسامة ممتنة على وجهها وهي توميء لخالها بشرود.
لكن صورة أخيها النادمة تعلَّقَت بذهنها مورثة إياها ندماً مماثل، لكنها سرعان ما تجاوزت ذلك الندم مستعينة بكل لحظة ذل

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية احببت متهم (كاملة جميع الفصول) بقلم نهلة ايمن (الرواية كاملة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top