رواية سكن روحي الفصل السادس عشر 16 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

الفصل السادس عشر (الجزء الثاني):
“الآن وضعِك أنتِ لا يعجبني!”
قالتها سما بامتعاض فنظرت لها سارة باعتراض مُفتعَل وهي تهتف:
_وبِمَ ضايقتُ أنا الأستاذة؟
ردَّت سما بحنق:
_ما دُمتِ أنتِ تهتمين به، وهو من جِهَته قد أوضح اهتمامه، ما الذي يجعلك تتهربين منه؟ حقاً لا أفهمك!
همَّت سارة بالاستسلام لشرودها مرة أخرى حينما صاحت بها سما:
_يا فتاة بدلاً من أن تفرحي لأنه يبادلك المشاعر تسُدين الأبواب بوجهه؟ هل هي جينات متوارثة لديكِ أنتِ وأخيكِ وابن خالتك أم ماذا؟
زفرت سارة بحنق ثم أجابتها:
_الأمر ليس كذلك بالطبع يا ذكية، لكن.. أنا مُترددة، أنا غير مُتأكدة من مشاعره، أخاف أن يكون الأمر مجرد إعجاب عابر بسبب انفصاله الذي تم منذ فترة قريبة ثم يندم بعد ذلك، وإن أنا استسلمت لحبه سأنقاد بكل حمق كالبلهاء.
مطت سما شفتيها ببرود قائلة:
_ربما أنتِ بلهاء بالفعل كي تبحثي عن شُكوك تُكدرين حياتك بها.
هبَّت سارة واقفة وهي تهتف:
_أنتِ لم ترِ زوجته السابقة.
هزت سما كتفيها بلامبالاة قائلة:
_لم أنُل ذلك الشرف فعلاً لكنني سمعت أنها ساحرة شريرة!
ظهر الغيظ على وجه سارة وهي تتحدث بضيق:
_أنا رأيتها سما، إحدى ملكات الجمال!
ضيقت سما عينيها باستغراب ثم تساءلت ببطء:
_مهلاً سارة! هل تُحاولين القول أن سبب ترددك هو غيرتك من زوجته السابقة لأنها جميلة؟!
_بالطبع لا! لكن..
سألتها سما باهتمام:
_لكن ماذا؟
ردَّت سارة بحنق شديد وهي تسترجع ذكريات ذلك اليوم البعيد:
_عندما ذهبنا لخطبة رهف ذُكِرَت قصة زوجها السابق، وقتها لم أكن أعلم بالطبع أنه الدكتور حمزة.
حدَّقت سما بها باستغراب وهي تُعَلِّق:
_وماذا في ذلك لا أفهم؟ هل أنتِ لا تتقبلين أنه كان مُتزوجاً من قبل؟
هزت سارة رأسها نفياً بسرعة هاتفة بصدق:
_لا يا سما! مُطلقاً، لا أهتم بذلك الشيء في الأساس.
فاستحثتها سما على المُتابعة باهتمام متسائلة:
_وماذا إذن؟
زفرت سارة بضيق شديد وهي تستسلم قائلة:
_ذلك اليوم قالت زوجة خال رهف لأمي أن زوج ابنتها السابق كان يضربها باستمرار بالإضافة إلى بُخله الشديد، كما أن أهله كانوا يُهينونها كثيراً.
اتسعت عينا سما واعتلت وجهها نظرة ازدراء واضحة وهي تقول:
_لقد اتفقنا أنها ساحرة شريرة سارة، من الوارد جداً أنها كاذبة، رهف ومَوَدَّة مدحتا أخلاقه كثيراً، وشخصية مثل طليقته لن تُعلِن إن كانت السبب في انفصالها بالتأكيد.
مسحت سارة وجهها بكفيها وهي ترد بضيق:
_أعلم ذلك سما، أعلمه جيداً، ولذلك أنا حائرة وخائفة، لا أريد التعرض لصدمة مؤلمة.
عم صمت للحظات قليلة فمالت سما على مسند مقعد سارة قائلة بخفوت:
_هناك اقتراح يُدعى خطبة، هل سمعتِ عنه؟ إنها تلك الفترة التي تسبق عقد القران فيستطيع كلا من الرجل والمرأة اكتشاف بعض الأوجه بشخصيتيهما.
حدَّقت سارة أمامها بشرود هامسة:
_لا أعلم
نظرت لها سما بتدقيق ثم سألتها فجأة:
_هل أحببته سارة؟
أومأت سارة برأسها وهي ترُد ببساطة:
_أحببته.
ثم استدركت بنفس البساطة:
_لا أدري متى وكيف وأنا لم أتحدث معه سوى مرات قليلة، لكني أحببته.
ابتسمت سما وهي تنصحها بحنان:
_لا تُصدِري حُكمك عليه إذن بدون أن تتقربي منه جيداً، لعله تعرض لافتراء منها.
وشرود سارة في كلمات صديقتها كان الرد الأبلغ..
لقد اكتشفت اهتمامه بها منذ ذلك اليوم الذي أهداها النظارات به، لتدرك في نفس الوقت أنها لا تنزعج من ذلك الاهتمام..
ثم تدرك أنها تبادله إياه بكل ترحيب؛
وبعدها تأكدت أن الأمر تعدى مرحلة الاهتمام بالفعل..
وعندما أخبرها بأنه كان متزوجاً كانت من الشجاعة بحيث اعترفت لنفسها ببساطة بأنها تغار عليه!
واستعادت ذلك الوقت القصير الذي تقابلت فيه مع زوجته السابقة ببيت خال رهف منذ شهور، واستعادت معه عبارات مُعينة وكأنها تسللت إلى عقلها دون وعي منها كي تقض مضجعها فيما بعد..
تستطيع أن تشك في اتهامه بالبخل؛ وتستطيع أن تشك في سوء معاملة أهله؛
لكن الضرب! لا تعتقد أن هناك من تجرؤ على الافتراء بهكذا شيء دون وقوعه حقاً!
“تُرى ماذا تخفي خلف مظهرك الهادىء دكتور حمزة؟”
**********
اتسعت عينا رهف بذهول وهي ترمق مَوَدَّة في صمت لِثوانِ ثم هبت من فراشها تصرخ:
_ما هذا الهراء؟ عن أي عقد قران تتحدثين مَوَدَّة؟!
وما إن همَّت مَوَدَّة بالرد حتى ارتفعت دقات الباب ليدخل عَمَّار فتهتف به رهف:
_ماذا يحدث عَمَّار؟
تظاهر عَمَّار بالدهشة وهو يُجيبها:
_ماذا بكِ رهف؟ إنه عقد قرانك، والمأذون ينتظر بالخارج، كما أن عريسك وأهله قد حضروا ولقد دعوت بعض زملائي، خالك أيضاً وحمزة بالخارج، هيا!
فغرت رهف شفتيها وهي تُحدِّق بأخيها ببلاهة فسألها:
_ماذا بكِ رهف؟
صاحت بعَمَّار:
_هل أنا فقدت ذاكرتي أو شيئاً من هذا القبيل؟ هل أخبرني أحدكما أن عقد قراني سيكون الليلة؟
افتعل عَمَّار ضحكة عالية هاتفاً:
_لا بالطبع، لا تقلقي بشأن ذاكرتك، لقد أعددنا عقد القران كمفاجأة مُشتركة بيني وبين ساري.
هتفت رهف بغضب:
_كيف تتحدث عنه بمثل تلك البساطة عَمَّار؟ هل نسيت ما فعله بي؟
أحاط وجنتيها ونظر إليها مُخاطباً إياها بهدوء وصدق:
_لم أنس رهف، لم أنس ظلمه لكِ ولا أذاه، لم أنس أيضاً الظلم الذي تعرَّض هو إليه، وأدرك تماماً أنه بالرغم من جنونه وحماقاته فهو يعشقك كما لن يستطيع سواه أن يفعل.
دمعت عيناها مُتسائلة:
_أتقترح أن أسامحه؟
ارتفع حاجبيه بدهشة هاتفاً:
_متى اقترحت أن تسامحيه؟ أنا أريدك أن تُذيقيه الويل فهو سيأخذك مني وأنا لا أطيقه بالأصل، ولولا الحصار المفروض عليّ من محاميتك هذه لكنت طردته في التو.
صمت لثوانِ ثم تابع بحنان:
_لكنه سيساعدك على الحصول على حقك و مُستعد لتلقي كل أنواع العقوبات بكل ترحيب!
وبقوة تُحسد عليها أطرقت برأسها أرضاً؛
إن كانت هناك معجزة ما جعلته يُقدِم على عقد القران قبل الزفاف.. فإن خطتها ستُنَفَّذ مهما حدث!
**********
تعمَّدت عدم النظر إليه وهي تُحاول كبح جِماح غضبها فلا تستطيع..
لقد أصبحت زوجته!
بمنتهى البساطة أصبحت زوجته ثانية!
مالت عليها مَوَدَّة هامسة:
_ابتسمي قليلاً رهف.
لتُجيبها ببرود مُتعمدة رفع صوتها كي يصل إليه:
_لقد ابتسمت كثيراً بالمرة الأولى!
وقد وصل صوتها ومعه رسالتها كاملة!
لكنه لن ينجرِف الآن لمحاولتها جذبه لشجار فإفراغ غضب..
يكفيه التخبُّط الذي يكتنف جميع خلاياه الآن..
لقد رَحَل الشيخ بالفعل..
رحَلَ بعد أن قام بآداء الدور الأفضل على الإطلاق..
رَحَل بعد أن سجَّل أمامه أنها زوجته!
لقد رآه بنفسه وهو يكتب اسمها بجوار اسمه هو..
ثم رأى توقيعها المُرتجف بجانب توقيعُه هو!
تجول بنظره في أرجاء صالة الاستقبال الواسعة بشقة عَمَّار ..
أشخاص مُقربون؛
أمه وأخته؛
صديقه وخطيبته وأسرته؛
والخال الذي لا يطيقه؛
وذلك “الأخ”!
أيُثبت كل هذا أنها قد صارت حقاً.. زوجته؟!
رهف زوجته هو!
عادت إليه!
وعادت لتُصبِح من حقه هو وحده!
رهف أصبحت زوجة ساري صبري رشوان!
أخذ يُردد العبارة الأخيرة على عقله بضعة مرات لا يستطيع لها تصديقاً!
ثم رَفَع عينيه إليها فلم يندهِش مُطلقاً من تجاهلها له
لا يهم..
حانقة عليه .. غاضبة منه؛
لا يهم!
تريد الصراخ بوجهه .. تريد سبُّه وشتمه؛
لا يهم!
فما يهم الآن هو أنها عادت له وعادت.. زوجته!
**********
وفي شرفة منزل عَمَّار أنهت سارة المُكالمة الهاتفية مع صديقتها التي تُهنئها بعقد قران شقيقها والتفتت لتجده خلفها يرمُقها بعتاب فاضح، فافتعلت ابتسامة مرتبكة وهي تتوقف أمامه متسائلة:
_كيف حالك دكتور حمزة؟
ازداد العتاب بعينيه وهو يُجيبها:
_لست بخير سارة، لست بخير مُطلقاً!
أشعرتها لهجته بالضيق، ونظرته بالألم فوجدت نفسها تسأله بحنان تلقائي:
_لماذا دكتور حمزة؟ ما الذي يُحزِنك بهذا الشكل؟
غرق في عينيها ولم تستطع هي هرباً؛
أخبرها كل ما يُحزنه ويُقلقه دون كلمات؛
أخبرها عن خوفه؛
أخبرها عن إحساسه بالغضب والظلم إن اكتشف تبنِيها لنفس الأفكار البالية..
وفجأة هتف:
_ما رأيك بي سارة؟
ردَّت بدهشة:
_ماذا تعني؟!
ثم أعطته ابتسامتها الجميلة وهي تتابع باندفاع:
_نعم فهمت، أنت طبيب رائع بالفعل، القطرات التي وصفتها لي من قبل كانت كالسحر وقضت على التهاب عيني خلال….
قاطعها بغيظ:
_أنا لم أعنِ رأيك بي كطبيب سارة، قصدت كإنسان، ما رأيك بي كشخص؟
ازدردت لُعابها وحرمته من عينيها وهي ترد بارتباك:
_أنا أعتقد.. أعتقد أنك إنسان جيد، لقد كنت عادلاً معي حينما لم تُعاقبني بذنب ساري وساعدتني على التواصل مع رهف.
زفر بغيظ وهو يوشك على فقد صبره ثم تحدث من بين أسنانه:
_ولم أعنِ هذا أيضاً، أنا قصدت..
بتر عبارته وصمت للحظات ثم قرر التخلص من ثِقَل الأمر دَفعة واحدة فَهَتَف:
_هل تتزوجين ممن هو مِثلي سارة؟
استطاع سماع شهقتها رغم خفوتها بينما اتسعت عيناها بذهول وتوردت وجنتاها بخجل واضح، مما أعطاه بعض الــ.. أمل!
فأعاد سؤاله بإلحاح:
_أجيبيني سارة! هل تتزوجين ممن له مِثل ظُروفي؟
شبَّكت أصابعها بتوتر وهي تتهرَّب بعينيها عنه فتوسلها:
_سارة!
وانطلق ردَّها المرتبك بدون أي معنى:
_أنا.. أنا لا أعلم .. أنا..
حلَّت الصدمة على وجهه وهو يفهم تحرُّجها ورفضها، ازدرد لُعابه بتوتر وهو يُشيح بوجهه بعيداً مُحاولاً إخفاء تأثير رفضها عليه بينما هي لاتزال تحاول إيجاد كلمات مناسبة فلا تنجح!
ازداد توتره وهو يحُك ذقنه بأصابعه بانفعال ثم هتف:
_ألا تشعرين تجاهي بأي مشاعر؟ أم أن هذا بسبب زواجي السابق؟
رَفَعَت رأسها بحدة وهي تنظر له بتوتر مُتسائلة:
_ما به زواجك السابق؟
افتعل ابتسامة ساخرة وهو يرد:
_أنتِ تعلمين قصدي، ذلك المبدأ السائد حيث لا يتزوج المُطلق أو الأرمل إلا ممن هي مثله.
اتسعت عيناها دهشة ثم غضباً هاتفة:
_وهل تراني أفكر بتلك الطريقة دكتور؟
انبثق الأمل بعينيه مرة أخرى وهو يسألها بلهفة:
_ما وجه اعتراضك إذن؟
هنا عاد تورد وجنتيها أقوى وهي ترد بخفوت:
_لم أقل أنني مُعترضة دكتور حمزة لكن.. لكنني لا أعلم.. أخاف أن..
ظهرت ابتسامة رائعة على وجهه وهو يقول:
_أنا لا أتعجلك بأي شيء سارة، أريد فقط أن أتأكد من قبولك المبدئي للفكرة، لفكرة ارتباطِك بي أنا.
واللهفة بعينيه جعلتها تهتف باندفاع كعادتها:
_لِمَ طلَّقت زوجتك السابقة؟
والصدمة عادت على وجهه بأقوى صُوَرِها فكررت بإصرار:
_أريد أن أعرف سبب انفصالك دكتور حمزة.
والتوتر اجتاح ملامِحه ليتهرَّب هو من عينيها هاتفاً:
_لم نتفاهم، هذا كل ما في الأمر، شيء وارِد ببعض الزيجات.
لم تكن تعرفه قبل خمسة أشهر..
لم تتقرَّب منه إلا منذ بضعة أسابيع ربما..
لكنها الآن وبِكل ثِقة تستطيع الجزم بأنه..
يكذب!
وَلَّى الإندفاع لتحل محلُّه القوة؛
فحاصرته:
_ما هو السبب الحقيقي لانفصالك عن طليقتك دكتور حمزة؟
والنزق في هتافه أكد لها صدق حدسها:
_لِماذا تسألين عن ذلك؟ إنها قصة انتهت منذ شُهور، لا تعنيني بشيء ولا تعنيكِ أيضاً بشيء!
فكتفت ذراعيها بتحدي مُتسائِلة:
_أحقاً لا تعنيني؟ ألا تعتقد أنه من البديهي أن أرغب بالمعرفة؟ ومن البديهي أن أهلي سيرغبون بذلك أيضاً؟
والغضب الذي فشل في كتمه فضحُه..
ربما.. كانت طليقته ساحرة؛
وربما.. هو أيضاً لم يكن ملاكاً كما يبدو؛
وربما.. أنها في نقطة مُعينة لم تكن مُطلقاً..كاذبة!
والسؤال انطلق منها مُتوسِّلاً إجابة نافية:
_هل ضربتها؟
والإجابة جاءت مُصممة، غير نادمة، وللأسف.. مُثبتة:
_نعم ضربتها!
وها هي النهاية!
وبدون كلمة أخرى تجاوزته راحلة.. ولِقِصة حب لم تبدأ بعد مُودِعة!
**********
تتقلب في فراشها بأرق، تحاول الحُصول على بعض النوم منذ قليل فلا تستطع، لقد مرت أربع ساعات منذ انتهاء عقد القران “المفاجىء” الذي لم تُخاطب خلاله زوجها بحرفٍ واحدٍ!
زوجها؟!
نعم زوجها..
وللمرة الثانية!
رنين هاتف.. ربما رسالة!
“أنتظرك أسفل البناية، انزلي فوراً!”
أعادت قراءة الرسالة مرتين ثم هبَّت من فراشها بذُعر وبدأت تكتب:
“أتدري كم الساعة؟ إنها الثانية صباحاً!”
وجاءتها حروفه باقتضاب:
“أعلم، لازلت انتظر!”
ضغطت على أسنانها بغيظ شديد وهي تلتقط أقرب وِسادة تكتُم بها صرخة حانقة ثم انتفضت لترتدي أقرب ملابس طالتها يداها وتسللت بهدوء إلى خارج الشقة.
وأمام المَصعد أخذت تستجمع كل الشتائم المُناسبة التي ستُلقيها بوجهه؛
المُتسلط..
المُتهور…
المُستفز….
الـ…
استقلت المَصعد وعندما هبط لتخرج جذبتها يد قوية إلى أقصى ركن مخفي بمدخل البناية!
انتباها الذعر ثم الإدراك ثم الغضب فهتفت بِهمس:
_هل فقدت عقلك تما…..
وعبارتها اكتملت بين شفتيه!
ذراعاه يُلصقانها بجسده القوي..
وأنفاسها تهرب فوراً إلى رئتيه!
تسمَّرت مكانها دون أي ردة فعل وهي لا تُدرِك حقاً ما الذي يحدُث؛
لكنه هو أدرك!
أدرك أنه أخيراً يتنفس!
أدرك أنه أخيراً يفُك قيوده!
أدرك أن ساري الأول الآن فقط ينتصر!
أدرك أنه يودُّ البقاء هكذا طوال عُمره!
وأدرك أنه لن يسمح لها بحرمانه من تلك الهِبة مُطلقاً!
ثم إدراك مُتأخر منها لما يحدث.. فدفعة مُتخاذِلَة!
أنفاس لاهثة يُطلقها هو..
ولها وجنتان حمراوتان!
بنظرات ذاهلة يُحدِّق بها..
ولها شفتان متورمتان!
مع نبضات قلبين يتراقصان على كلتا الجهتين..!
حتى أغمض عينيه وهو يُتمتِم بخفوت دغدغ أعصابها:
_قاتلتي أنتِ يا رهف! أخبرتُكِ يوماً ما أنكِ قاتلتي!
والخجل بعينيها مُختلط بالصدمة يَتَسيَدهُما العتاب..
فاقترب متوسلاً:
_اليوم فقط رهف، الآن فقط هُدنة، وبدءاً من الغد تستطيعين العودة لغضبك مني كيفما شئتِ.
وصوتها المُتكسر تردد:
_ماذا تريد؟
تجول في كل ذرة من وجهها بعينيه ثم عاد إلى عينيها مرة أخرى قائلاً:
_أُريد احتضانك.
ثم أردف مُوضحاً:
_أحتاج احتضانك.
وأضاف راجياً:
_أموت الآن لاحتضانك!
وأدرك أيضاً عدم اعتراضها بدون رد.. فاقترب!
وإلى صدره جذبها.. فاستسلمت!
اختض جسدها في رجفة ماثلت رجفته..
وانتشر الدفء في أوصالها مُتعدياً إلى أوصاله هو..
هذا الحُضن أيضاً مُختلف!
هكذا فكَّرت وهي تطير بين ذراعيه إلى عالمها الخيالي، والخالي من الجميع إلاهما..
بدون ماضِ؛ بدون انتقام؛ بدون حقد؛
بدون موت؛ بدون ظلم؛ بدون عار؛
بدون شديد الناجي..
عالم رهف وساري فقط!
ثلاث دقائق من الدفء والاستمتاع والأمان والانتماء، ثم ابتعدت ببطء فأفلتها صاغراً، لكنه عاد لاإرادياً وأحاط رأسها بين كفيه وبداخل عينيها غرق هامساً:
_أعشقك رهف.
وأردف بابتسامة حانية لا زالت غير مُصدِّقة:
_بل أعشقك “زوجتي” رهف!
وقُبلة أخرى فوق جبهتها دامت.. قليلاً!
وشفتاه الحنونتان فوق رأسها يُشعرانها بضعف لذيذ..بشدة!
وقُبلة أخرى فوق شفتيها طالت.. كثيراً!
وشفتاه الدافئتان فوق شفتيها يُشعرانها برغبة بالمزيد!
عندئذٍ أفلتها هو بتوتر فاضح ، يتهرب_للمرة الأولى_ بعينيه منها، مُجتذباً ابتسامة تناقضت تماماً مع الحنق الذي تصرُخ به عيناه وهو يهتف بخشونة:
_اصعدي رهف!
والدهشة حلَّت على ملامحها فتابع بصوت مُرتجف:
_اصعدي وإن طلبت منكِ مُقابلتي بمفردنا مرة أخرى قبل الزفاف فلا تُطيعيني!
ازدردت لُعابها وهي تُدرك ضعفه تجاهها؛ تماماً مثل ضعفها!
أومأت برأسها وهي تتراجع إلى المَصعد المُنتظِر لتدلف إليه ولا تستمع من الأصوات حولها سوى صوت دقات قلبها.. أو ربما هذا هو صوت قلبه هو!
_رهـــف!
والبحة التي يُناديها به تدفعها_رغماً عنها_ إلى العودة إليه مُجدداً.
نظرت إليه بتساؤل فتقدَّم يفصل بينهما باب المَصعد الذي يهُم بحرمانه منها فوضع إحدى كفيه عليه يمنعُه.
وعدة سنتيمترات تفصل بينهما؛
والعينين بالعينين تلتحمان؛
والقلب مثل قرينه يختلج؛
والأنفاس كما الأنفاس تتصارع!
و..
_شكراً رهف!
اومأت برأسها مرة أخرى لا تفهم حقاً علام يشكُرها؛
ورفع يده من على الباب فانغلق!
**********
بعد عدة دقائق أخيراً استطاعت استيعاب ما حدث؛
كيف يقدر على إشعارها بأنها المرأة الأهم بالعالم؟!
بل كيف يقدر على إشعارها بأن لا امرأة سواها بعينيه؟!
وكيف يحتاجها بتلك القوة؟
لقد اعتقدت يوماً أنها من تحتاجه أكثر منه، وأنه باستطاعته استبدالها ما إن يسأم وجودها..
والآن أدركت أن العكس هو الصحيح!
هو من يحتاجها بشدة وبعنف أثارا دهشتها؛
هو من يعشقها ملء قلبه؛
هو من_كما قال يوماً_ يتنفسها!
لم يكن يُبالِغ إذن!
هل سيغير ذلك من قرارها الذي انتوته؟!
وقبل أن تجيب نفسها ارتفع رنين هاتفها مرة أخرى، انتفضت بلهفة وفتحته ثم حَدقت في الرسالة النصية لثوان دون استيعاب…
“الدرس الأول كان رائع وشَيِّق، وقد استفدت وتَعَلَّمت أنكِ شهية حقاً..
يا قاتلتي!”
وبالرغم من أنها حاولت العبوس، فإن ضحكاتها المتوردة انفلتت رغماً عنها، حتى استحالت إلى قهقهات..
قهقهات اجتذبت أخيها الذي يمنعه حنقه من النوم!
ارتفعت دقاته على بابها بنزق، فسمحت له بالدخول محاولة السيطرة على اختلاج كيانها بأكمله..
“لماذا تضحكين؟”
سألها بغيظ فانعقد حاجباها دهشة، إلا أنه تابع:
_لماذا تمسكين بهاتفك الآن؟
هَمَّت بالرد حينما عاجلها بسخط:
_هل يهاتفك الآن ذلك البارد المُتفرغ؟ ألا لديه بالعالم بأكمله ما يُشغِله سِواكِ؟ ألا يملك أي حِس بالوقت؟ وهل يعتقد أنه طالما تم عقد القران سيتحدث معك ليلاً كما يحب؟!
اتسعت عيناها دهشة وظهرت مَوَدَّة من خلفه تكتم ضحكاتها بصعوبة، بينما هتف هو مُحذراً:
_الأفضل أن ينام ويدعك تنامين، وإياكِ أن تسمحي له بالتجاوز في الحديث معك، أستطيع أن ألغي كل شيء الآن.
وقبل أن يترك لها فرصة للرد جذبته مَوَدَّة بإصرار وهي تغلق الباب، وتمتمته الغاضبة وصلتها بالرغم من ذلك:
_لم أقضِ معها عام واحد بعد وأخذها مني ثانية ذلك السَمِج!
ورنين الرسالة الثانية انتزعها من حالة تأملها في حالة أخيها الغريبة، وبلهفة أشد من سابقتها التقطته لتطالع:
“متى يحين موعد درسي الثاني معك مُعلمتي؟ أكاد أموت شوقاً منذ الآن!”
وكلمات أخيها رَنَّت بعقلها فأطاعتها بلا اقتناع، ثم أطفأت الضوء وحدَّقت في سقف الغرفة، حيث ارتسمت العينان الخضراوتان.. واللتين للمرة الأولى رأت ذلك الشغف بهما!
**********
تلفتت دينا حولها بذُعر شديد وهي تُخفي وجهها خلف النظارات الشمسية الضخمة وتتطلع من آن إلى آخر نحو مدخل المطعم في انتظار.. مُهددها ومن أوشك على تدمير أحلامها!!
عادت بذاكرتها لأسابيع إلى الخلف عندما نفذ الوغد تهديده لتُفاجأ بتامر يعود مُبكراً ويصفعها..
لا تعلم إن كان زوجها صدق كذبتها حقاً أم لا، لكنها لن تدع ذلك الحقير عَمَّار يهدم حياتها الجديدة، ستُعطيه العقد وإن حاول شديد أذيتها ستُخبره أن ابنه هددها ثانية وليحترقوا جميعاً في الجحيم.
وستبدأ في تركيز جهودها على إصلاح حياتها الزوجية وإنهاء حالة التوتر التي تسوده منذ البداية، ولهذا ربما كان الاستماع لنصيحة أمها والإنجاب من تامر هو ما سيجعله يهتم بها قليلاً.
وضعت يُمناها على بطنها وهي تتنتظر تأكيد حملها بعد يومين فتحصل على الرابط الأقوى الذي سيثبت أقدامها لدى زوجها وأهله.
لكنها سحبت يدها مُجفلة وهي ترفع رأسها بحدة عندما صدحت العبارة بجوارها:
“مرحباً سيدة دينا! اعذريني إن كنت قد تأخرت عليكِ بعض الشيء!”
وبهدوء شديد جلس فحدَّقت به للحظات بصدمة وهي تتلفظ بالكلمة الوحيدة التي استطاعت الحصول عليها:
_ك..كيف؟!!
**********
“تُرى هل يحمل صديقك أي مفاجآت لنا اليوم؟”
ألقت سما سؤالها المُتلاعِب فنظر لها عاصم ضاحكاً:
_لا أعلم سما، فأنا_على العكس من توقع الجميع_ أندهِش من فعلاته أحياناً!
تطلعت إلى سارة التي تجلس إلى جوارهما لا تستطيع إخفاء ألمها، نقلت نظراتها إلى الطاولة المُقابلة لتجد حمزة ينظر إليها بنفس مِقدار الألم فزفرت بحنق شديد وهي تميل عليها هامسة:
_أعتقد أنكِ تسرعتِ قليلاً سارة، انظري كيف يلاحقك بعينيه، أقسم أنه يُحبك ولا يُجيد إخفاء مشاعِره، ربما استفزته هي فاضطر لضربها.
والعبارة الأخيرة خرجت من شفتي سما بلا اقتناع فردَّت سارة:
_هل تقترحين أن أبحث له عن مُبرِرات للضرب؟
هزت سما رأسها نفياً بسرعة هاتفة:
_لم أقصد مُطلقاً لكن…
مال عاصم برأسه سائلاً:
_علام تتهامسان؟ من الضحية القادمة يا تُرى؟
والنزق بعيني كلتيهما أجبره على التراجُع مُحتفظاً باحترامه لذاته، بينما تمتمت سارة وهي تنظر بعيني ذلك القريب البعيد بقوة:
_لم يعد هناك “لكن” سما، لم يكن هناك شيئاً بالأصل!
وحمزة.. لم يستطع نزع عينيه عنها، وإلى الآن لا يصدق أن الأمر انتهى بتلك السرعة..
لماذا هي متشبثة بمعرفة أكثر ما يؤلمه؟ هو حتى لم يخبر أي شخص بالسبب الحقيقي للطلاق وترك الجميع يعتقدون أنه فعل ذلك بسبب اكتشافه استدعاء طليقته لشديد وتسببها بالأذى لرهف ولأبيها أيضاً…
فبالرغم من معاناته معها فإنه لا يود كشف شيء كان يخصهما وحدهما..
لكن..سارة، يحق لها أن تعلم الحقيقة، يحق لها أن تطمئن..
ربما سيجب عليه القيام بشيء لم يكن يُحبذه مطلقاً!
**********
تود الصراخ، تود القتل، تود التدمير ..
كيف تلاعب بها بهذا الشكل؟!
كيف خانها ذكاؤها بذلك الشكل؟!
كيف ظلت لفترة طويلة تعتقد أن الخيوط كلها بيديها بينما في الواقع هي وخيوطها بيديه هو؟!
الآن تكاد تنفجر..
تكاد تجري بالشارع تسُب الجميع وتلعنُهم..
لقد خسرت أمها؛
خسرت أبيها؛
وخسرت ورقتها الرابحة؛
والآن تشعر بأمومتها التي تجاهلتها لسنوات تجتاحها؛
فترغب بطفل..
طفل لها وحدها!
فلم يعد لها إلا زوجها؛
“ما بالك؟ لِمَ تُحدِّقين بالمرآة بذلك الشكل؟”
التفتت إلى تامر الذي يُناظِرها باستغراب، ليتحول غضبها كله إلى ابتسامة ناعمة لا تجيدها امرأة أكثر منها، ثم اقتربت منه بدلال وبتعجل هتفت:
_ما رأيك تامر في إنجاب طفل؟
انقلبت ملامحه إلى الغضب فوراً وهو يسألها ببطء:
_هل أنتِ حامل؟
هزت رأسها نفياً:
_لا.. أقصد ليس حتى الآن، ربما سأتأكد بعد يومين.
ارتخت ملامحه ثانية ثم رد بمنتهى الهدوء:
_لم أعتقد أنني اتفقت معك على إنجاب أية أطفال قبل الزواج، عذراً دينا أنا لا أحبهم!
وببساطة شديدة تركها وانصرف؛
بعد أن هدم بعبارة واحدة كل آمالها؛
بعد أن حطَّم ببرود شديد كل أحلامها؛
لكن..
سبق السيف العذل..
هي حامل بالفعل وستضعه أمام الأمر الواقع
وحتى يمر اليومان اللذان يفصلاها عن إعلانها نمو جنين بأحشائها يجب أن تأخذ بثأرها!
لذا فقد التقطت هاتفها وطلبت أحد الأرقام، وبمنتهى البرود صدح صوتها:
_مرحباً شديد بك، لقد علمت اليوم من الذي يهددني ويهددك، وهو الذي يملك الآن العقد الذي سيثبت انتماء تلك اللقيطة إليك!
**********
نفس القاعة؛
نفس الحضور؛
نفس فستان الزفاف؛
فهذا كان شرطها الوحيد…
أن يتم الأمر بكامل حذافيره كما المرة الأولى؛
والآن يدق قلبه بكل القلق!
يعلم تماماً أن الأمر لم ينته عند ذلك الحد..
لكنه لن يسمح بأي فِراق آخر؛
سيجد الفرصة للتكفير عن أخطائه بحقها وهي معه..
أغمض عينيه ثم فتحهما وابتسامته أخذت
تتسع..وتتسع..وتتسع؛
اتجه بعينيه إليها ليجدها تنظر إليه..
من نفس المكان..
كما المرة الأولى!
بنفس النظرة..
كما المرة الأولى!
بابتسامة على وجهها حملها هو بالمرة الأولى!
واتحدت عيناهما كأن لا سواهما بالمكان
ولَملَمَت فستانها لتستقيم ببطء متجهة إلى..
نفس القاعدة الخشبية!
مُلتقطة نفس مُكبر الصوت!
لتتوقف ابتسامته فجأة..
وتنحسر..وتنحسر..وتنحسر؛
وصوتها الرقيق الذي اكتسب ثقة راقت له كثيراً صدح:
_من فضلكم أرغب بدقيقة واحدة من انتباهكم!
توقفت الهمسات واتسعت الأعين بدهشة..
ألم يحدث ذلك أيضاً في المرة الأولى؟!
ألم يكن العريس هو مُطلِق نفس العبارات، بنفس المكان، بنفس النظرة كما المرة الأولى؟!
حدَّقت مَوَدَّة بها بقلق..
وشهِق عَمَّار بفَهم مُتأخِّر!
اتسعت عينا عاصم بتوجس..
واتسعت ابتسامة سما بتسلية!
هَبَّت سارة هامسة:”ليس ثانية!”
وزفر حمزة بضجر:”مجانين!”
وساري…
توسلها بعينيه، هامساً:
“افعليها رهف! افعليها وحرريني!”
فنفذت رغبته على الفور وهي ترمقه بتحدِ هاتفة بصوت واثق:
_أنا رهف_للأسف_ شديد الناجي أُعلن أمامكم أنني أريد الطلاق من ساري صبري رشوان!

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  مدونة كامو - رواية خادمه الفصل التاسع 9 بقلم جمانة السعيدي - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top