رواية سكن روحي الفصل السادس عشر 16 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية سكن روحي الفصل السادس عشر 16 بقلم سعاد محمد

 

الجزء الأول:
الفصل السادس عشر
*نهاية سعيدة أخيراً .. أَم؟!*
**********
لا تَلُم يا سَكَن الروح..عن الإنصاف أبحث أنا؛
لا تُعاتِب يا رفيق القلب.. إلى الراحة ألجأ أنا؛
لا أهرب، لا أظلم، لا أفِر، لا أقسو؛
فالكفة مالت ومالت حتى ضاقت أنفاسي تحتها..
ولحظة المساواة حانت ولن أتوانى عن اللحاق بها!
أُحِبَّك أَعتَرِف.. تُحِبني لا شك؛
والنهاية عادلة.. للسعادة الغابرة؛
فالحُكم اليوم واجب.. وسَيُعاقَب قلبي أولاً…!
**********
كانت تدور بغرفتها كالمجنونة وهي تحاول الاتصال به لعشرات المرات حتى ردَّ أخيراً ببرود:
_لا أصدق أنكِ اشتقتِ إليِّ بهذه السرعة!
صرخت به بهمس كي لا يسمعها أخوها وزوجته:
_هل أصبحت مُختِطف أيضاً؟ متى ستبدأ في تجارة الأسلحة؟
ضحك باستمتاع وهو يجيبها:
_ليست من مخططاتي حالياً رهف، لكن أشكرك، سأضع اقتراحك في الحُسبان!
جاؤه صوتها المُتوسل:
_أرجوك ساري، اتركه، أنت لا ترغب بإضافة مشكلة جديدة مع أخي.
ليصلها صوته المصمم:
_أنا سأفعل أي شيء رهف، بيدك أنتِ الآن أن أترك ذلك المائع إن وافقتِ على زواجك مني.
صرخت بغيظ:
_حتى إن وافقت أنا، أتعتقد أن عَمَّار سيرضى بسهولة؟
وبصوت قوي رد:
_وافقي أنتِ واتركي أمر أخيكِ لي، أنا كفيل به!
ضغطت أسنانها بغيظ شديد للحظات ثم ردت:
_هل أنت مستعد ساري؟ سوف أحصل على قصاصي منك بنفسي.
ولهفة صوته لم تكن لتخفى عليها وهو يُسرع بالإجابة:
_افعلي ما شئتِ رهف، يحق لكِ ما تريدين أياً كان طالما ستعودين إليِّ.
صمت قاتل وتوقفت أنفاسه؛
وتوقفت الأصوات من حوله؛
وأخيراً:
_موافقة!
أغمض عينيه واضعاً كفه فوق مَوضِع قلبه ثم أمرها:
_أعيديها!
بهدوء:
_موافقة!
ومرة أخرى بصوت متحشرج:
_أعيديها!
وبغيظ:
_موافقة!
رَبَّت على قلبه وبصوت مبحوح سألها:
_موافقة على الزواج مني رهف؟
بابتسامة هادئة مُريبة لم يرها أجابته:
_موافقة على الزواج منك ساري!
وبنفس النبرة قال:
_قولي سأصير زوجتك يا ساري.
أغمضت عينيها وتعالت دقات قلبها، إلا أنها هذه المرة قالتها ببرود برغم حلاوة مذاق الكلمات على شفتيها:
_سأصير زوجتك “للمرة الثانية” يا ساري!
فهم تلميحها لكنه لم يهتم؛
العبارة اخترقت عقله ونبضاته التي يُهدد وضعها بالخطورة حالياً؛
وأنهت المكالمة ليظل هو لِثوان مكانه
مُغمض العينين، مُبتسم، يتراقص قلبه طرباً فيُربت عليه أكثر..
ثم استقام من فوق مُقدمة سيارته واستقلها لينظر إلى خالد الجالس بجواره بملل والذي عاجله:
_ألن تُخبرني عن تلك الاستشارة؟
ليرد ساري بكل فرحة الدنيا:
_أشكرك أستاذ خالد، احمد ربك أنني لم أعد بحاجة إليها!
لكن ملامحه انقلبت فجأة وهو يقول مُشدداً على حروفه:
_اسمعني جيداً، أعلم أنك عشت طوال عمرك بالخارج لكن ذلك الهراء لا يُشكل أي فارق لدي.
نظر له خالد باستفهام فتابع ساري بلهجة مُحذرة:
_لِذا إياك أن تنظر إلى زوجتي مرة أخرى، حتى اسمها لا أريدك أن تنطقه مُطلقاً.
انعقد حاجبا خالد بدهشة بينما أضاف ساري:
_ومن الأفضل والأكثر سلامةً لك أن تتلافى تواجدك معها بأي مكان إن كانت هناك مناسبة ما سنضطر للاجتماع بها مستقبلاً، باستطاعتك حينها التحجج بأي عُذر..
بتر عبارته متظاهراً بالتفكير ثم قال بِجِدية:
_مرض خطير مثلاً، أو حادث مأسوي، أو ربما استدعاء بقسم الشرطة..
اتسعت عينا خالد بِعَدم فهم، فابتسم ساري ببرود شابه الغيظ متابعاً:
_أنا أمنحك بعض الخيارات فقط لأنك تعيش دور الأجنبي بإتقان هائل أوشك على إصابتي بالفالج.
ابتسم خالد متسائلاً باهتمام:
_لكن..لماذا تريد هذا؟ أعني أن رهف تعتبر…
هدر به ساري صائحاً:
_ألم تفهم أياً مما قلته لك؟!
ارتد خالد إلى الخلف بتلقائية فزفر ساري بحنق قبل أن يقول:
_يا رجل! أنا سأحصل على حياة تمنيتها أخيراً وأنت تُصر بشدة على أن أُزَج بالسجن رغماً عني!
ثم مسح على فَكُّه بغيظ واستطرد بهدوء لا يشعر به حقاً:
_إن.. إن تزوجت يوماً ورأيت رجلاً يتحدث مع زوجتك بأريحية واهتمام ستفهم شعوري، ستدرك مدى الغضب والغيرة التي تنتاب المرء حينما يرى أحدهم يتباسط مع
امرأة تخصه.
لكن خالد مَطَّ شفتيه بلامبالاة وهو يردد بهدوء:
_أعتقد أنني لن أفعل، لست رجعياً لأفكر بهذه الطريقة، مادامت لم تنزعج هي لماذا سأتدخل وأفتعل المشكلات و…
وصيحة ساري الغاضبة أجفلته فوراً:
_انزل من سيارتي!
حدَّق بملامح الامتعاض المرتسمة على وجهه بدهشة مُعَلقاً:
_عفواً؟!
كرر ساري بغيظ واضح:
_سمعتني جيداً، انزل من سيارتي!
ولم يجد خالد بُدَّاً من تنفيذ أمره مع ملامح الخطورة التي ارتسمت واضحة على وجهه..
أغلق باب السيارة فمال ساري رامقاً إياه بتهكم قائلاً بتحذير شديد اللهجة:
_أتمنى أثناء طريق عودتك أن تفكر جيداً بكل كلمة قلتها لك، ينتهي برودك وانفتاحك وميوعتك عند حدود زوجتي، لأنك إن لم تفعل لن تجد عندئذٍ وقتاً للندم!
وعندما انطلق بالسيارة وقف خالد يُحدق في إثرها ليكتشف أنه بمنتصف الليل في مكان مُقفر تماماً، مظلم تماماً.. خالِ تماماً!
**********
بعدما أنهى تامر مكالمته الهاتفية فوجىء بها تحيط كتفيه بذراعيها فسألها ببرود:
_ماذا هناك دينا؟ هل أنفقتِ كل النقود التي أعطيتك إياها منذ يومين؟
أرخت ذراعيها وهي تدور حوله لتقف أمامه هاتفة باعتراض:
_أتعني تامر أنني لا أحتاج منك سوى الأموال؟
ابتسم بسخرية وهو يواصل العبث بأزرار هاتفه، وبدا لها أنه اكتفى بذلك..
وفي الواقع كان هو يشرد ببداية معرفته بها، بمجرد أن قام بتطليق زوجته الثانية وجدها تتعقبه على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، كانت تتواصل معه طوال الوقت وتُخبره بكل تفاصيل حياتها وبدون حتى أن يسألها..
أخبرته كم أنها عانت مع طليقها البخيل وأهله المتطلبين؛
أخبرته بشكَّها بوجود علاقة بينه وبين ابنة عمتها حتى أن أبويها قاما بطردها من المنزل؛
ثم وصل الأمر إلى التعدِّي عليها بالضرب فتم الطلاق!
وبدأت تلميحاتها عن رغبة أهلها بالتخلص منها بتزويجها من رجل يكبُرها بالكثير ولديه أطفال…
ثم هراء.. فهراء.. فهراء
علِم أنه هراء؛
تاجر مُحنَّك هو وقد تعامل مع جميع فئات المُجتمع، وأدرك أنها تدفعه نحو اتجاه واحد واثقة بذكائها؛
فقِبَل هو بسرور، ربما لن يُضيره الزواج منها، فهي مثل أية امرأة أخرى!
وهو كان يبحث بالفعل عن أخرى؛
فلِمَ لا؟!
وهكذا أصبحت زوجته بالرغم من اعتراض أهله، ليكتشف طبعها السيء وحقدها الشديد وطَمَعَها هي وأمها ومحاولتها استنزافه مادياً مُعتقدة عدم مُلاحظته…
والآن:
_أرغب بطلب شيء ما منك تامر!
“ها هو!”
اتسعت ابتسامته الساخرة وهو يسألها:
_كم تريدين؟
ابتسمت بعتاب مُجيبة:
_لا أريد مالاً تامر، أنا لستُ جشِعة.
رفع حاجبيه بدهشة ثم مط شفتيه باستهجان وهو يقول:
_بالطبع!
ازداد توترها وهي تُخاطبه:
_أنت تعلم أن أبي قام بتطليق أمي، وهي ستترك البيت، ليس لديها أي مكان تذهب إليه و…
قاطعها ببرود:
_أتقترحين أن أشتري لها شقة أم ماذا؟
افتعلت ابتسامة مرتبكة وهي ترد:
_لا بالطبع تامر، أنا قصدت أن.. الفيلا هنا كبيرة و…..
ونظرته ألجمتها وجعلتها تبتر عبارتها رغماً عنها بينما اقترب هو منها ببطء قائلاً:
_أنتِ لا تعنين أن تُحضري أمك لتعيش هنا أليس كذلك؟
شحب وجهها وهي ترد بخفوت:
_أنا.. أنا ابنتها الوحيدة و…
قاطعها صائحاً:
_هذا ليس من شأني، الفيلا ليست ملجأ لكل من ليس له مكان، يجب عليها أن تتصرف، وإياكِ دينا أن تتحدثي بذلك الموضوع ثانية، وإلا ستلحقين بها إلى الشارع!
فغرت فاهها دهشة وهو يوليها ظهره وينصرف قبل حتى أن تستطيع الرد، ظلت مكانها مُحدِّقة بالباب الذي صفعه بكل قوته.
و الآن ماذا ستفعل في تلك الورطة التي لا تجد لها حلاً؟!
إلى أين ستذهب أمها التي تعتمد عليها وتنتظر منها رَدَّاً بالموافقة؟!
**********
في اليوم التالي:
فتح عَمَّار الباب الذي ارتفع رنين جرسه منذ لحظات ثم اتسعت عيناه بدهشة هاتفاً:
_ماذا تفعل هنا؟
ابتسم ساري ببرود وهو يجيبه ساخراً:
_أهكذا تستقبلون الضيوف ببيتكم يا دكتور؟
ضغط عَمَّار أسنانه بغضب وهو يصيح به:
_أنت لست ضيفي، هيا اذهب من هنا!
دفع ساري نفسه إلى الداخل فصاح به عَمَّار ذاهلاً:
_أنا لم أسمح لك بالدخول!
افتعل ساري الدهشة وهو يرد باستنكار:
_وهل سأطلب يد كريمتكم وأنا أقف بالخارج؟!
ثم التفت خلفه وهتف:
_تفضلي أمي، تعالي سارة!
كظم عَمَّار غضبه بصعوبة وهو يحاول التزام الأدب أمام المرأتين، بينما هتفت سوسن بحبور:
_مرحباً بك يا ولدي!
رد عَمَّار بشبه ابتسامة لم تخفِ العنف الذي يكبته بصعوبة:
_أهلا بكِ سيدة، تفضلوا!
دخلت سوسن تتبعها سارة بينما وضع ساري باقة الزهور الضخمة التي يحملها على أقرب منضدة ولحق بهما.
تخصَّر عَمَّار بغضب شديد وهو يشعر بأن صبره على وشك النفاد، ثم تبِعَهم إلى غرفة الاستقبال وجلس أمامهم، و تحدث فجأة:
_اعذرني مهندس ساري، ألم يكن من المُفتَرَض أن تُعلِمني بزيارتك حتى أكون مُستعداً؟
حافظ ساري على ابتسامته المُستفزة وهو يُجيبه ببرود:
_نحن أهل دكتور عَمَّار، لا مجال بيننا لتلك الرسميات.

وفي الداخل حدَّقت رهف بغضب في مَوَدَّة التي سقطت على الفراش ضاحكة:
_بالله عليكِ كيف تضحكين بهكذا موقف؟ لقد جُن تماماً! وأخشى من تهور عَمَّار!
توقفت مَوَدَّة عن الضحك بالتدريج ثم وقفت قائلة:
_لا تقلقي! سأخرج أنا كي أحاول تهدئة الأمور وأنتِ تجهزي والحقي بي!
وعندما خرجت هتفت رهف بوعيد:
“حسناً ساري! سترى نهاية جنونك قريباً!”
**********
“ماذا تقصد أنور؟ هل خسرنا ذلك المعرض أيضاً؟ أتمزح معي؟”
هتف بها شديد وهو يواجه مُساعده الذي يتناول القهوة من مدبرة المنزل ويُجيب بقلق:
_أنا أحاول منذ فترة يا شديد بك، لكن للأسف الديون تكاثرت علينا ولا يوجد هناك حل سوى ذلك، إن كان لديكَ حلاً آخر أخبرني به وسأُنفِذه على الفور.
ركل شديد المقعد خلف مكتبه وهو يستدير ليقف أمام مُساعده الذي حدَّق به بقلق مُنتظراً صياحه حيث لم يتأخر كثيراً:
_هل تعلم ماذا سيحدث إن انتشر خبر بيع معارضي الواحد تلو الآخر بين التُجَّار والشركات؟ هل تعلم مقدار الخُسارة التي ستحل على مصنعي؟
وقف أنور يُدافع بضعف:
_وماذا بيدي شديد بك؟ أنا أدور هنا وهناك كي أحصل على بعض الصفقات، لكن كلما كنت على وشك حلّ الأمور من جهة تعقدت فجأة من جهة أخرى، وكأن….
بتر أنور عبارته فاستحثه شديد هاتفاً:
_وكأن ماذا أنور، انطق!
ألقى أنور عبارته كلها مرة واحدة:
_وكأن هناك من يتعمد دفعنا إلى الخسارة!
اتسعت عينا شديد بك بصدمة فتابع أنور بصوت خبيث:
_فكِّر معي شديد بك، لقد كان مصنعنا الأفضل بين الجميع، وكانت معارضنا الأكثر رواجاً وشُهرة بين الجميع، كنا لا نستطيع مُلاحقة الطلبيات، وشركات تصنيع الأثاث كانت تتوسلنا لعقد الصفقات معهم، ثم فجأة يتم دعوتك إلى حفل زفاف ينتهي بفضيحة علنية وتهمة أرادوا إلصاقها بك، ومنذ اليوم التالي بدأت تجارتنا في التدهور، وإلى الآن رغم مرور أكثر من خمسة أشهر فلايزال وضعنا يسوء أكثر، هل يبدو لك أي مما حدث صدفة شديد بك؟
شيطان..!
شيطان بصورة إنسان ينظر إليه أنور تلك اللحظة؛
حتى أنه شعر لوهلة أن هناك قُروناً حمراء ستنبُت أعلى رأسه و نيراناً ستندلع من بين عينيه وستمتد إليه لتحرقه بها؛
وقد شعر برعب هائل وهو يُطالع وجهه الذي أظلم فجأة وهو يهتف:
_أنت مُحق أنور، ليست صُدفة مُطلقاً!
لم يرغب أنور بإعطاء أي تعليق فتابع شديد:
_وأنا الآن أدرك المتسببين بكل ما حدث.
ثم أردف بنصف ابتسامة:
_وشديد الناجي أيضاً يُجيد فن الانتقام!
**********
جلسة مُربكة؛
عبارات مُجاملة؛
نظرات قاتلة من عَمَّار؛
ابتسامات باردة منه هو!
تهرُّب بالعينين منها هي؛
ابتسامات مُتسلِّية من سارة!
وحوار جانبي وِدِّي بين سوسن ومَوَدَّة..
هكذا كان اللقاء فعلياً بينهم!
ساري يطلب الزواج منها فيبدو على وجه عَمَّار الرفض ويهُم بالتعبير عنه لفظياً، لكن زوجته تنظر له بتوسُّل فيزفر بحنق ويُراوغ، لتهُب رهف فجأة صائحة بجرأة جديدة تماماً منها:
_عذراً عَمَّار أرغب بالتحدث مع ساري قليلاً!
حدَّق بها عَمَّار بدهشة غاضبة بينما اتسعت ابتسامة ساري لتُصبح حقيقية تماماً..

وفي الشُرفة وقف مُترقِبَاً أسئلة اختباره حتى واجهته بهدوء مُتسائلة:
_لِمَ تريد الزواج بي؟
اتسعت عيناه في دهشة وهو يرُد بحنان صادق تسلل إليها بسهولة:
_ألم تدركي بعد كم أحبك؟
كتفت ذراعيها وهي تمط شفتيها ثم علَّقت:
_ربما تعتقد أنت ذلك، ربما أنا لم أكن بالنسبة لك إلا وسيلة للانتقام ثم اجتاحك شعور بالذنب بعدما حدث، ربما أنت لم تحبني مُطلقاً بالأصل و…..
هنا قاطعها بغضب:
_توقفي عن الهذيان رهف! أنتِ تعلمين تماماً أنني أذوب بكِ عشقا، وأنني بصرف النظر عن ماضيَّ مع ذلك الحقير لا أهتم سوى بكِ ولا أتمنى سوى أن تصيرين زوجتي.
وأردف بألم:
_لو.. لو كنت اقترفت هذا الذنب بحق أخرى لكنت حاولت بكل طاقتي أن أعتذر لها وأعيد لها حقها مهما كلفني الأمر، لكنت طلبت سماحها حتى آخر يوم بعمري، لكنني لم أكن لأورط قلبي في الأمر.
وتابع بصوت أجش:
_إنما أنتِ يا رهف الوحيدة التي تمنيتها بكل كياني، أنتِ ولا سواكِ مُطلقاً!
العين بالعين؛
ونظرات العشق حائرة!
الألم بالندم؛
ودقات القلب ثائرة!
يتمزَّق هو..
ما بين رغبته بوشم اسمها باسمه ومُعادَلَة ميزان انتقامها!
وتتمزَّق هي..
ما بين رغبتها في الهرب من كل شيء إليه والصراخ في وجهه منه شاكية!
لحظات ولحظات تُقلِّب هي الأمر بذهنها وينتظر هو الحُكم بخوف
حتى..
مالت شفتيها في شبه ابتسامة، وبِهُدوء مُريب قالت:
_لي شرط واحد ساري، إن وافقت على تنفيذه تستطيع تحديد موعد عقد القران مع أخي، وأنا لن أعترض.
وكانت الانتفاضة منه، تتراقص عيناه بلهفة هاتفاً:
_أياً كان ما تريدينه رهف أنا أوافق عليه!
**********
تململت دينا في جلستها بعد أن أخبرت أمها برفض زوجها لانتقالها إلى الفيلا، فصرخت بها بثورة:
_أتعنين أنني الآن ليس لديَّ مكان لأقطن به؟ ألقاني أبوكِ بالشارع وزوجك يرفض استقبالي؟
تمسَّكت دينا بذراع أمها قائلة بلهفة:
_اعذريني أمي، أقسم أنني حاولت معه، لكنه رافض تماماً.
نزعت شروق ذراعها من يد ابنتها بعنف وهي تشير إلى المكان حولها هاتفة بهياج:
_انظري حولِك دينا، هذا هو بيتي الذي عِشت به سنوات عمري كلها تشاركني فيه عمتك ثم ابنتها بدون وجه حق، والآن حينما تخلَّصت من تلك الفتاة أُطرد منه على يد أبيكِ المخبول، ثم يرفض زوجك استقبالي!
وأردفت صارخة:
_هل أقضي حياتي بدار مُسنين أم ماذا؟
أسرعت دينا بالرد:
_لا أمي! أنا سأقنع تامر طبعاً، وستعيشين معي، امنحيني فقط بعض الوقت.
حدَّقت فيها أمها بغيظ مُتسائلة:
_وهل سأظل أنا بالشارع حتى تقنعيه؟
توترت دينا وهي تتهرَّب بعينيها من أمها:
_لا بالطبع!
ثم فتحت حقيبتها وأخرجت ظرفاً ضخماً بعض الشيء ومدت يدها به تجاه أمها قائلة:
_تفضلي أمي! هذا المبلغ هو كل ما استطعت ادِّخاره بدون معرفة تامر، تستطيعين قضاء بعض الأيام في أي فندق حتى يوافق على استقبالك بالفيلا.
نقلت شروق أنظارها بين الظرف ووجه ابنتها ثم هتفت بازدراء:
_وعندما تنتهي إقامتي في الفندق، عندما تنتهي تلك الأموال، إلى أين أذهب؟
لم تجد دينا ردَّاً وهي تتململ بوقفتها فعاجلتها أمها بلهجة مُتوسِّلة:
_أعطني الورقة دينا، أعطني العقد، سأبيعه لشديد مقابل بعض الأموال التي تمكنني من شراء شقة أعيش بها.
رفعت دينا رأسها بِحدَّة وهي تعترض بهتاف قوي:
_هل تمزحين أمي؟! أنسيتِ أن ابنه يهددني؟ أنسيتِ أنه يستطيع الوصول إلى داخل بيتي ويُخرِّب عليَّ حياتي؟
لتُسرع أمها بلهفة شديدة:
_إذا تخلَّصنا من ذلك العقد سنخرج من تلك القصة تماماً وستكون مشاكله بينه وبين أبيه فقط، سنتخلَّص أيضاً من ذلك الهَمّْ.
هزَّت دينا رأسها برفض قاطع وهي ترُد:
_لا أستطيع المجازفة أمي، لا أستطيع المُجازفة بحياتي الجديدة.
دمعت عينا شروق وهتفت:
-لكنني أمك دينا، ليس لديَّ مكان آخر.
نظرت لها دينا بضيق شديد وهي تُفكِّر بِغيظ…
أكان ينقصها ما فعله أبيها الآن؟
في ذلك الوقت بالتحديد؟
وهي تمر بأزمة فاصلة بحياتها الزوجية؛
وهي تُكافح من أجل اكتساب تقبُّل أهل زوجها الذين يكرهونها بشدة؛
وهي تحاول التخلص من الحقير الذي يُهددها بإنهاء حياتها الرغدة التي حصلت عليها للتو؟!
لقد حاولت مُصالحة أبيها على أمها كي تتخلص من إزعاجها وإلحاحها الذي لا ينتهي؛
لكن أبيها لا يقبل بالتحدث معها هي شخصياً!
زفرت بغيظ وحنق وهي تنظر لأمها بجمود قائلة:
_أعتذر أمي، لا أستطيع المُقامرة بحياتي، خذي الأموال لتستطيعي قضاء بعض الأيام حتى أصل إلى حل مناسب.
نظرت لها أمها بصدمة استمرت للحظات ثم تحولَت لألم..
للحظات؛
ثم تحولَ لاشمئزاز؛
ثم مدَّت يدها وتناولت الظرف بكل خزي!
“أهذه هي نتيجة دفاعي الدائم عنكِ دينا؟!”
**********
وقف عَمَّار على سفح الهضبة الشهيرة مُحدِّقاً بالأفُق شارداً بذكريات سنوات بعيدة..
ذكريات قاتمة..
ذكريات تجعله يكره ضعفه السابق؛
وخزيه السابق؛
وسلبيته السابقة..
أخذ يُفكر في احتمالية عدم وقوع تلك المصائب لو كان تدخَّل مُبكراً، أو حتى لو كان استفاق مُبكراً، ثم زفر يائساً وهو يُدرك إلى أي مدى أصبح أحمق التفكير!
وبعد لحظات تطلع بغضب شديد إلى السيارة السوداء التي تقترب منه..
هبط ساري من سيارته مُتجهاً إليه ومُبتسماً ببرود هاتفاً:
_مرحباً صِهري! ألا ترى أن ذلك المكان شاعرياً بعض الشيء كي تطلب مقابلتي به؟!
ثم وقف أمامه تماماً؛
الاثنان مُحدقان ببعضهما مُتخصِّران؛
الاثنان يسافران عدة أعوام إلى الخلف؛
في باحة المصنع..
إلى بدايات صداقة لم تكتمل!
إلى عرض وِدِّي لمُشاركة لَعِب لم يتم!
ثم يعودان للحاضر وملامح “الخسارة” تحتل وجهيهما؛
ثم..
سفر آخر إلى نفس الزمن؛
سفر آخر إلى نفس باحة المصنع؛
هجوم ضاري..
ودفاع متأخر!
قهر وحسرة..
ضعف وخُذلان!
ثم يعودان للحاضر وملامح “الغضب” تحتل وجهيهما؛
ثم…
لكمة!
من عَمَّار إلى ساري صارخاً:
_ما ذنبها ساري؟
ثم…
لكمة!
من ساري إلى عَمَّار صارخاً:
_لِمَ لم تدافع عني عَمَّار؟
دماء تتناثر من شفتي كلا منهما؛
أنفاسهما تتسارع ويرتفع صدراهما؛
عتاب، ولوم، وندم، وأسف، وألم؛
من كلا منهما تجاه الآخر؛
ثم بدمعتين مُستأنِفاً:
_لقد اعتبرتك صديقي الوحيد عَمَّار!
وبخفوت أردف:
_لقد انتظرتك أنت فقط في ذلك القبو كي تُحضِر جهازيك لنتنافس بهما معاً علِّني أجد الهاءات عن آلام تعذيبي على يد عبيد أبيك.
وبابتسامة ساخرة تابع:
_ثمانية أيام عَمَّار، ثمانية أيام كنت متأكداً أنك ستأتي وتُخلِّصني من أبيك.
دمعت عينا عَمَّار بالمثل وهو يرد:
_كنت صبي ساري، كنت مجرد صبي!
ليرد ساري مُبتسماً من بين دمعاته:
_أنا أيضا كنت صبي عَمَّار.
عتاب، ولوم، وندم، وأسف، وألم..
من كلا منهما تجاه الآخر؛
ليصرخ عَمَّار بأعلى صوته وهو يلكُمه مرة أخرى:
_أختي ما ذنبها؟ ما ذنبها هي ساري في ثأرك مع أبي؟
فيصرخ ساري وهو يلكُمُه بالمثل:
_أتعتقد أنني خططت منذ البداية كي أُطلقها بزفافنا؟ أتعتقد أنني منذ البداية خططت للزواج منها في الأصل؟
وبتقطع أضاف:
_في تلك القاعة، ما إن أخذتها أنت وانصرفت، تخيلت لو.. لو أن سارة هي من تعرضت لنفس الموقف.
صمت لتزوغ عيناه بشرود وتابع:
_لو أن فتاة أخرى تعرضت لظلمي دون أن يتعلق قلبي بها، لو أنني جَنَيت بنفسي على أخرى.
ثم مَسَح على وجهه بكفيه وقال بخفوت:
_صدقاً عَمَّار لم أكره نفسي قبلاً بهذه الدرجة كما فعلت عندئذٍ.
والغضب يجتاح أعينهما حتى كادا أن يفتكا ببعضهما بدون تلامس، ليردف ساري مُوضحاً:
_ كنت أنتظر أن تطلب من أبيك اثبات نسبها لأدعمها ، كنت أتمنى أن أذيقه من العذاب ألواناً، لكن.. لكن ما إن وقعت عيناي على رهف حتى انقسمت لاثنين.
أولاه جانبه ثم استند إلى مُقدمة السيارة الزرقاء وهو يشرد في الأفق مُبتسماً بعشق و مُتابعاً:
_الأول يراها رهف المُعلِّمة، الفتاة الجميلة الهادئة، الأول تخلص من كل همومه وأعبائه، له روح خفيفة، له أجنحة، له قلب ينبض، أحبها بكل كيانه، وبدأ ينساق إليها رغماً عنه، أرادها بكل ما فيه، واتخذ عهداً على نفسه بتعويضها عن كل ما عاشت.
ثم أظلمت ملامحه فجأة مُستكملاً بقهر:
_والثاني يراها رهف شديد الناجي، ابنة الرجل الذي دمَّر أسرته وسحق رجولته الوليدة وكرامته، والوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها مواجهة نفسه أمام قبور ثلاثة دون الشعور بالخزي أو الضعف.
ابتسم بسخرية مُردِفاً بصوت مُتكسِّر:
_أتعتقد عَمَّار أنني انطلقت في طريق انتقامي بلا أية عقبات؟ لقد توقفت كثيراً عندما تغلَّب ساري الأول على ساري الثاني، لكنني كالعادة نصرت الثاني وقتلت الأول بمنتهى العناد والقسوة، وها أنا أعاني، وها هي تعاني، ولا أجد أي مخرج.
نظر له بألم مُتابعاً بشرود:
_تاريخ الزفاف هو نفسه تاريخ وفاة أبي وأخي وأختي، لقد تعمدت ذلك إيماناً مني بأنني سأرتاح بتلك الطريقة وأحصل على العدل كاملاً.
ثم عاد لينظر أمامه هامساً:
_لم أكن أعلم أنه تاريخ وفاتي أنا أيضا!
عاد الصمت يلفهما فاتجه عَمَّار لاإرادياً ليستند بجواره إلى مُقدمة سيارته، مُحدِّقاً _مثله_ في الأفق بشرود، وبعد قليل قطع عَمَّار ذلك الصمت بهدوء قائلاً:
_أنا أحضرت الجهازين بالفعل.
رمقه ساري بجمود فتابع بدون النظر إليه:
_باليوم التالي خبأتهما بملابسي كي لا يراهما شديد بك ويعلم انني سأ…
بتر عبارته بحرج فأكملها ساري متهكماً:
_أنك ستشارك أحد أبناء العاملين اللعب!
خاطبه عَمَّار بهدوء:
_كنت أراقبك أنا أيضاً!
نظر له ساري فتابع:
_كنت أُعجب بقوتك الجسدية وأنت تحمل الأخشاب الثقيلة، حاولت التقرب منك بحجة العمل، لكنني.. لكنني في الواقع كنت بحاجة لصديق ولم يكن لديَّ واحداً.
رد ساري بهدوء:
_كنت أعلم!
صمت قليلاً ثم استدرك:
_رأيتك تراقبني ذات مرة واعتقدت أنك ستشي بي وتجعل أبيك يطردني، لكنني بعد ذلك علمت أنك لست مثله.
صمت طويل تلك المرة؛
كلاهما عابس،كلاهما غاضب،كلاهما حائر..
وكلاهما نادم!
قطعه عَمَّار بعد فترة بسخرية:
_والآن ماذا؟ أتقترح أننا سننسى كل شيء ونبدأ مُجدداً؟
مط ساري شفتيه بشرود ثم رد بغموض:
_الآن أختك هي من ستقوم بالخطوة الأخيرة، وأنا أثق بها، أثق أنها من ستقتلع ذلك الانتقام من جذوره.
نظر له عَمَّار بتساؤل:
_ماذا تقصد؟
ثم اتسعت عيناه بتحذير وهو يهتف:
_اسمع! إن كان في رأسك هذا أي خطط تتعلَّق بأختي سأقتلك هذه المرة ساري!
ثم تابع مغتاظاً:
_لو كان الأمر بيدي لم أكن لأسمح لك بالتجاسر على طلبها مني ثانية، لكنني للأسف لا أريد إجبارها على شيء لا تريده، أو إثنائها عن أحمق مثلك تريده!
فاجأه ساري بضحكة طويلة عالية حتى أنه مسح بعض الدمعات من جانبي عينيه متظاهراً بأن سببها الضحك وليس الألم، وبعد قليل رَد:
_أنت لا تفهم حقيقة الوضع عَمَّار، يجب أن تخاف عليَّ أنا مما تنتويه أختك، وليس العكس!
نظر له عَمَّار بدهشة ولم يُعلِّق فتابع ساري:
_هل تثق بي عَمَّار؟
صمت طويل ثانية انتظر ساري انتهائه بفارغ الصبر، حتى ردَّ عَمَّار بغيظ:
_بالرغم من دنائتك مع رهف، إلا أنني للأسف أثق أنك أحببتها دوماً، أدركت ذلك في الزفاف عندما نظرت إلى الحسرة بعينيك بدلاً من الشعور بالانتصار.
أظلم وجه ساري ككل مرة يتم فيها ذِكر ذلك اليوم، وبعد قليل تحدث:
_سأطلب منك طلبًا!
******

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثالث عشر 13 بقلم صابرين - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top