الفصل السابع: (الجزء الثاني)
كانت تقف بأحد أركان باحة المركز تراقب الأطفال أثناء مغادرتهم باهتمام؛
لا تعلم لِمَ تفعل ذلك؛
لا تعلم هل هو الفضول الذي يجعلها تنتظر منذ نصف ساعة مترقبة انصراف الأطفال أم ماذا؛
هل سيأتي هو ليصطحب ابنه؟ أم زوجته؟
تُرى ما شكل زوجته؟
وكيف تقابلا؟
تُرى كيف كان زفافهما؟
وكيف كان يوم ميلاد ابنهما؟
ترى هل له أشقاء آخرين؟ وبالتالي يكونون إخوة لها؟!
أسئلة تتصارع بعقلها ينبهها كل واحد منهم إلى ما فاتها..كأخته!
وانطلق إياد إلى خارج المبنى مهرولاً لتتبعه عيناها بإصرار حتى توقف أمام إحدى الشابات ثم ارتمى بأحضانها، ضيقت عينيها قليلا محدقة بها بدهشة..
لقد رأتها من قبل! هي أيضاً رأتها من قبل! وبلا إرادة منها اتجهت إليهما حتى شعرت الأخرى بها فرفعت رأسها مجتذبة ابتسامة متوترة قائلة:
_مرحباً رهف!
فجاءها الرد المتشكك فوراً:
_لقد رأيتك من قبل! هل كنتِ معه وهو يراقبني؟!
هزت مَوَدَّة رأسها بسرعة وهي تجيبها والصدق واضح بعينيها:
_لا! لقد.. لقد تحدثنا سوية من قبل، أنتِ من أخبرتني عن الدورات هنا.
ثم أشارت إلى ابنها متابعة:
_كنت أسأل من أجل إياد.
نظرت رهف إلى الطفل المبتسم بفرحة شديدة لأن معلمته تقف معه وتتحدث مع والدته هو على الأخص، لكن معلمته كانت بوادٍ آخر وهي تعود بنظراتها لأمه متسائلة بتهكم لم يخف عليها:
_صدفة غريبة، أليس كذلك؟!
لقد كانت مَوَدَّة طوال عمرها فاشلة في الكذب، فاشلة في الاصطناع، فاشلة في التمثيل، ولذا فقد تهربت عيناها منها فورا فأردفت رهف:
_هل كان يجعلك تراقبينني؟
وبسرعة نفت مَوَدَّة:
_لا! لم يكن له شأن بذلك، عَمَّار لم يطلب مني أبداً مراقبتك.
كتفت رهف ذراعيها وهي ترمقها ببرود ثم سألتها:
_ماذا تريدون مني؟
وبلهفة اقتربت منها مَوَدَّة هاتفة:
_عَمَّار مظلوم رهف، هو ليس مثل والده على الإطلاق، عَمَّار يريدك معه، يريدك إلى جواره، أنتِ أخته مثل تغريد تماماً، لا تدرين كم يتعذب هو بسبب كراهيتك له ونفورك منه.
وبالرغم من الألم الذي ازداد بقلبها صَامَّاً أذنيها عن أي شعور آخر يرغب بالتصديق، فإن كلمة واحدة اجتذبت انتباهها، وبالأحرى..اسم!
والسؤال غير المتوقع انطلق بلا تفكير:
_من هي تغريد؟
والإجابة التلقائية خرجت بحماس:
_أختك، تغريد أصغر منكِ بستة سنوات، هي أيضاً متشوقة جداً لرؤيتك، مثل عَمَّار.
تراجعت رهف إلى الخلف خطوة وهي تهز رأسها
رفضاً..
رفضاً لأخ ظهر مؤخراً؛
رفضاً لأخت علمت بوجودها للتو؛
رفضاً لزوجة أخ يبدو التوسل بعينيها صادقاً؛
رفضاً لابن أخ ينظر إليها بانبهار حالاً؛
رفضا لهدم اعتقادات احتلت عقلها لسنوات كثيرة بعدم رغبة أحد بها!
كاذبون..
كلهم كاذبون..
هم ليسوا بملائكة!
وهي أيضاً ليست إلى تلك الدرجة متسامحة!
لترد بنبرة قوية ظاهرياً مرتجفة باطناً:
_أخبري زوجك وأخته أن يبتعدا عني، أنا لا أريد أياً منكم بحياتي، لقد اعتدت على عدم وجودكم، والآن لن أتقبلكم مطلقاً!
ثم استدارت راحلة قبل أن تضعف أمامها وأمام الطفل الذي_رغماً عنها_ شعرت برابط طبيعي يجذبها إليه..
بينما حدقت مَوَدَّة في إثرها بألم..
الفتاة تعاني بقسوة؛
تأمرها بالابتعاد عنها وتتوسلها عيناها بالوقت ذاته بالاقتراب وعدم التخلّي!
**********
“يا إلهي! توقفا عن الشجار للحظة!”
هتفت بها صفاء بالاثنين الذين حولا غرفة استقبالها إلى ساحة حرب، يتبادلان النظر لبعضهما بِغِل واضح بصوتيهما، ليبادر هو:
_اصرخي بها هي أمي، بدلاً من أن تشكرني لأنني أنقذتها من ذلك الــــ”كازا نوفا” ها هي تتشاجر معي وتتهمني بالتدخل فيما لا يعنيني.
لتهتف الأخرى بسخرية متظاهرة بالانبهار:
_يا الله! المهندس عاصم شخصياً تنازل وأعلن أنه قد خطبني لينقذني من ذئب آخر، كيف لم أرقص أنا طرباً وفرحاً حتى الآن؟!
فيرد ببرود:
_لا أعلم حقاً، فأنا لم أمنعك!
لتصرخ حانقة:
_أم عاصم، اجعلي ابنك يتوقف عن إثارة غيظي وإلا صدقيني سأتجاوز فرق السن وسأجعله يدرك ماذا باستطاعتي أن أفعل.
فيسألها باهتمام مستفز:
_وماذا عن فرق الطول؟!
أشهرت قبضتيها أمام وجهه في وضع لَكْم متحفز، لكن صوت صفاء هو ما جعلها تسكن مكانها:
_يا سما، عاصم لم يتعمد ما فعل، هو أراد أن يخلصك من إلحاح شريف فتحدث بتلقائية.
تدخل هو بنزق:
_ها قد قُلتِها! أخبريها يا أمي، أخبريها أنه لولا تدخلي لكان ذلك الـــ”كازانوفا” عاد غداً وبعد غد وبعده، ثم لا تستبعدي أن يقم باختطافك وإلقاء مياة النار على وجهك لإجبارك على الزواج به، فهو يبدو_وحقاً لا أفهم السبب_ مدله تماماً في عشقك.
اتسعت عيناها بصدمة بسبب وقاحته حتى شعر هو بأنه ربما تجاوز حدوده قليلاً، لكن مجدداً أمه تحدثت بهدوء:
_يا عاصم نعلم أنك نجحت في تخليصها من مشكلة، لكنك ورطتها بأخرى.
انتظر عاصم توضيحاً ما فلم تتأخر أمه وتحدثت بضيق:
_أنت أعلنت خطبتكما وهذا غير صحيح، ودلال تدخل بيوت الجميع في الحي، وهي ليست أمينة تماماً وسترغب في الانتقام، لذا من الغد سيعلم الجميع بأنك تتردد على البيت منذ فترة في وجود أمك الضريرة فقط وعندما ضغط شريف عليك تذرعت بِخطبة وهمية.
هنا قفزت سما تربت على كتفيها بحنان هاتفة:
_لا تتحدثي بتلك الطريقة أم عاصم، إن شئت يمكننا أن ننتقل من الغد إلى مكان آخر.
“أو نستمر في ادعائنا الخطبة!”
ما باله اليوم ينفصل لسانه عن عقله تماماً؟! وما بال لسانه المتهور يتمسك بكلمة”الخطبة” وكأنه لا يعرف من اللغة بأكملها إلاها؟!
نظرت له سما وكأنه مجنون في حين هتفت أمه بها بالفعل:
_هل جُننت يا عاصم؟ أهناك مزاح في أمر مثل هذا؟
رد بصبر لا يعلم من أين اكتسبه تلك اللحظة:
_أنا لا أمزح أمي، وقبل أن تصرخا بي فكرا معي، الحي بأكمله يعلم تلك اللحظة أنني تحججت بكوني خطيبها بفضل موهبة تلك السيدة، فلِمَ لا نتظاهر بحقيقة الموضوع؟ نستطيع التمثيل أننا مرتبطان بالفعل ثم بعد فترة نعلن انفصالنا، وبهذا الوقت أكون أنا قد رتبت أمور انتقالك معي أمي.
هَبَّت صارخة:
_مجددا؟! ذلك الانتقال مجددا؟!
وقبل أن يبادلها صراخها سبقته أمه بِحزم:
_أنا لا أريد الانتقال عاصم، ولن أترك سما إلى الأبد.
وعبوسها تبدّل فوراً لابتسامة مغيظة منتصرة ما إن أبدت أمه تمسكاً بها؛
وتخصرت وهي تواجهه بتحدي؛
أيستطيع حرمانها تلك الفرحة بعناده؟
أيستطيع حرمان”أمه بالطبع” من ذلك الإشراق؟
_حسناً خطيبتي، انتصرتِ تلك الجولة!
همسها ببرود ظاهري لتتقدم منه مثلما فعلت من قبل والتحدي يتراقص بعينيها، فينظر إليها مدركاً أنها حقاً جذابة!
_كما سأنتصر في كل الجولات القادمة، أعدك!
هتفت بها بتوعد وهي ترفع رأسها إلى أعلى محدقة به، فقال بخفوت:
_انتصري إذن! لو كنتِ ستبتسمين أخيراً بتلك البشاشة، انتصري كما يحلو لكِ!
وتوترت عيناها أخيراً وانعقد حاجباها بدهشة، وبلحظات ابتعدت إلى الخلف متظاهرة بترتيب المكان تواري اضطراباً غير اعتيادياً، فلم يشأ أن يسمح لها بالهرب.
_كم عمرك خطيبتي؟
التفتت إليه عاقدة حاجبيها ثم هتفت:
_عفوا؟!
هز كتفيه بلا تعبير ثم رد:
_ألستِ خطيبتي؟! من واجبي أن أعلم بعض المعلومات الأساسية عنكِ، في حال أراد شخص ما اختبارنا.
من بين أسنانها ردت:
_أربع وعشرون.
تظاهر بالصدمة هاتفا:
_يا إلهي! لقد اعتقدتك في الخامسة عشرة.
وقبل أن تثأر منه عاجلها بسؤال آخر:
_ماذا تعملين؟
رسمت ابتسامة باردة على شفتيها:
_موظفة خدمة عملاء بإحدى شركات الاتصالات.
وحينما هَمَّ بإلقاء سؤال آخر عاجلته بنزق:
_لا أحب الرسم، لا أحب القراءة، لا أحب إلقاء الشِعر، ولا أحب السباحة، لكنني بارعة جدا في الكاراتيه!
ابتسم لها باحترام وهو يحك ذقنه:
_لم أنس ذلك أبداً.
تعلَّقت عيناها به للحظات دون سبب واضح وكذلك فعل هو، لكنها على الفور تغلبت على حالتها الغريبة هاتفة بِسأم:
_هل من أسئلة أخرى؟ أو هل ستسمح لي أخيراً بالخلود إلى النوم بعد ذلك اليوم الخانق؟
أشار لها بإحدى يديه صارفاً إياها بعجرفة:
_لا! اذهبي الآن.
وبمجرد أن أنهى أمره حتى دخلت غرفتها صافعة بابها بقوة لتتعالى ضحكات أمه التي يبدو عليها الفضول والرضى.
وعندما ساعدها على الوصول إلى فراشها وهم بالخروج أولته ظهرها هاتفة:
_لا تنس نسخ رقم خطيبتك عاصم!
أما هي فلم تستطع النوم كما ادعت، حالة من التوتر الممتزج بالدهشة والترقب تجتاحها وتسيطر عليها خاطفة من عينيها راحة وهي تستعيد تلك اللحظة التي أعلن فيها أنه خطيبها بكل سلاسة، لكنها نهرت نفسها بضعة مرات ثم أجبرتها على النوم وهي تطرده بصعوبة خارج تفكيرها.
**********
“سأُصاب بالجلطة أمي، أذلك الوسيم الغني يريد الزواج من تلك اللقيطة وأنا تزوجت من حمزة لمدة ثلاثة سنوات؟”
هتفت بها دينا وهي تكاد تبكي قهراً فانطلق صوت أبيها مُغيظاً من خلفها:
_لقد اشترى حمزة سيارة جديدة، ما شاء الله!
التفتت تنظر إلى أبيها المبتسم بحنق فعاجلها:
_أين العصير؟ توقفا عن الثرثرة الحاقدة واخرجا للضيوف.
التفت ليخرج ثم عاد فجأة هاتفاً بخفوت:
_وإن سمعت كلمة “لقيطة” تلك مرة أخرى لن تخرجي من هذا المنزل دينا!
وعندما خرج بالفعل تلك المرة مصمصت شروق شفتيها بحسرة:
_تلك اللعينة كلما أعتقد أنها خرجت من حياتنا تعود ثانية لتحرق دمائنا!
وفي الخارج:
توجه صلاح بالحديث إليه بصرامة هادئة:
_اسمعني جيداً بني أنت تعلم عن ظروف رهف كلها، وكل ما سأطلبه منك ألا تظلمها وألا تجرحها، ألا تعاقبها يوما على جرم لم يكن لها يد به، هي قد استسلمت منذ زمن لمصيبتها فلا حاجة لها بأخرى تتضمن كسر قلبها.
لم يبادله ساري النظر وهو يرد بخفوت مقتضب:
_لا تقلق!
حدق به صلاح بقلق هاتفاً:
_أقلق بني! أقلق كثيراً، رهف لن تتحمل منك أنت أي ألم، أستطيع أن أرى بعينيها مدى ثقتها بك، فلا تخذلها!
اتجه ساري بنظراته إليها فتقابلت الأعين سوياً، أكدت هي على توسل خالها فابتسم رغماً عنه متردداً ووعدها..
غامزاً!
ثم أومأ إيجاباً بابتسامة متوترة مخاطباً خالها:
_هل لنا أن نحدد موعد عقد القران والزفاف الآن؟
نظر له خالها بدهشة هاتفاً:
_عن أي عقد قران وزفاف تتحدث بني؟ يجب الالتزام بفترة خطبة أولا، حتى تتعارفا جيداً وحتى أستطيع شراء ما يلزمها.
هنا تدخلت شروق بوقاحة هاتفة:
_من الذي سيشتري ما يلزمها؟ راتبها لن يكفي، لذا فسنبتاع القليل.
توردت وجنتا رهف بحرج بالغ وطأطأت رأسها حتى لا تبكي أمامهم، بينما نظرت لها كلا من سوسن وسارة بدهشة حينما مالت الأخيرة على أذن أمها هامسة:
_هل رأيتِ أمي إحدى تلك الصور المُركبة المتداولة بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يظهر جسد حية رقطاء برأس بومة ناعقة وذيل عقرب مسموم؟ الآن فقط رأيت أحدهم على الحقيقة، فسبحان الله وأعوذ بالله!
لتزيد دينا من الشعر بيتا متحدثة ببرود:
_سيجب أن تنتظري رهف ربما أكثر من عام قبل الزواج حتى تستطيعي ابتياع كل ما ستحتاجين، وأنتِ بالطبع لم تكوني تتوقعين أن تفعلينها يوماً فلم تهتمي بمعرفة ما يلزم عن ذلك الحِمل الثقيل.
لازالت مطأطأة رأسها شاعرة بالحرج الشديد من الموقف الذي وُضِعت به أمام ساري وأهله، وفاتتها النظرة القاتلة المتوعدة التي رماهما هو بها، لكن ما جعلها ترفع رأسها بذهول هو رد”حماتها” التي انطلق صوتها ضاحكاً:
_أتعتقدين حبيبتي أن ساري سيتحمل الانتظار عاماً كاملاً؟ بالكاد أقنعناه بعدم إحضار المأذون معنا اليوم!
وتوردت وجنتاها بينما ضحكت أخته بشقاوة واضحة، لتنظر هي لأمه بامتنان فبادلتها بِشبه ابتسامة متكلفة.
حتى انطلق صوته الذي شعرته متلاعباً مثل أول مرة حدثته هاتفياً وهو يشدد ببطء:
_أنا لا أريد سوى رهف، حتى حقيبة ملابسها لا أريدها، لتصبح زوجتي فقط وحينها لا أهتم بأي شيء آخر.
وأصاب الهدف مرماه ببراعة، فنظرت شروق وابنتها لبعضهما بذهول شابه الغيظ، حينما أطلقت سارة زغرودة ظهرت وكأنها احتفالاً بإحراجهما أكثر من الارتباط المرتقب!
ثم تابع ساري متوجهاً بحديثه إلى صلاح:
_ عمي، أنا لا أريد فترة خطبة، أريد الزواج برهف في أقرب فرصة.
ازداد تورد وجنتيها وهي تتمنى لو قبّلت رأسه امتناناً على ما يفعله معها وبها، لم يرفع أحد قدرها مثله، لم يُشعرها أحداً بأن لها قيمة مثله، كيف يمكنها أن تفيه حقه؟ كيف يمكنها أن تسعده؟
وبنظرة من خالها إليها أدرك أنها غرقت في حب ذلك الرجل حتى نخاعها، أيعقل أن يحرمها أملا واضحاً على محياها وبعينيها؟ أيعقل أن يتعنت في المطلب الوحيد الذي تمنته بكل قلبها؟
عندئذٍ عاد بنظره إلى ساري ليجده يُخرج من حقيبة بجواره صندوق مخملي أحمر، وعندما وقف متجهاً إلى عروسه ليفتحه أمام عينيها شهِقت زوجته وابنته بينما سمع سارة تردد المعوذتين بصوت واضح!
وبأصابع مرتجفة التقطت حلقتها الذهبية وارتدتها قبل أن يفعلها هو، فقام بالمثل وارتدى حلقته الفضية بنفسه حينما أدرك_بسبب ارتجافة أصابعها_ أنها لن تستطيع فعلها!
الناس حولها، خالها وزوجته وابنته، أمه وأخته..
وهو!
تحاول التهرب من نظراته..
فلا تستطع!
تحاول السيطرة على ابتسامتها البلهاء..
فلا تستطع!
تحاول إيقاف ارتجاف أصابعها..
طبعا لا تستطع!
أهذا الوسيم أصبح رسمياً خطيبها؟!
أبعد بضعة أيام كما “أجبر” بشدة إلحاحُه خالها سيصبح زوجها؟!
أستكون لها عائلة تنتمي إليها؟
أغمضت عينيها بسعادة وهي تشعر أنها لو ماتت الآن ستكون راضية!
ليزورها خاطر جعلها تطلق ضحكة خافتة:
“أكان يجب عليها شُكر ذلك اللص لما تسبب لها في سعادة لم تطمح يوما إليها؟!”
وبعد قليل وجدته يزيح أخته الملتصقة بها جانباً وهو يهمس بسعادة:
_مُبارك يا مشعثة!
فكان ردها للمرة الأولى بدون اعتراض:
_بارك الله بك وفيك يا حُلم المشعثة!
ازدرد لعابه وتعلَّقت عيناها به قبل أن يسألها برجاء واضح:
_رهف، هل باستطاعتنا الهرب الآن؟
ارتفع حاجباها دهشة بينما حافظت على فرحة ابتسامتها وسألته:
_مم نهرب؟
لم يتردد وهو يجيبها بنبرة حاسمة:
_من الجميع، من الماضي، ومن المستقبل.
هَزَّت رأسها مُعَقِّبَة باستغراب:
_لكنني لا أريد الهرب، ذلك المستقبل أنا أتمناه وبشدة، بالإضافة إلى أنني قد صرت خطيبتك حقاً، وخلال أيام سأصير..
توقفت والتورد يحتل وجهها فهمس على الفور راجياً:
_تابعي رهف! انطقي بها، قولي سأصير زوجتك يا ساري.
عَضَّت على شفتيها بحرج وطأطأت رأسها فأضاف:
_هيا رهف، خالك سيقتلني، وهاتين العقربتين نظراتهما بدأت تثير قلقي حقاً!
رَفَعَت رأسها لترمقه بتردد شاعرة أن هناك خطب ما؛
أو على الأوقع.. عيناه بهما خطب ما؛
نفس الرجاء الغريب، والذعر بات أكثر صراحةً!
عندئذٍ حَسَمَت أمرها قائلة بوعد صريح:
_سأصير زوجتك يا ساري!
وبدلاً من الراحة التي انتظرتها على ملامحه؛
كان الخوف هو سيدها، قبل أن يغمض عينيه متمتماً بألم لم يخف عليها:
_ليتكِ لم تنطقي بها يا رهف!
**********
وفي آخر الليلة أرسل رسالة إلى عاصم كاتباً:
“بارك لي! لقد خطبت!”
ثم أرفق رسالته بوجه يحمل قلوباً بدلاً من العينين.
ليأتيه الرد أسرع مم توقع:
“بارك لي بالمثل! فقد خطبت أنا أيضاً!”
مُرفق بوجه يلطم خديه!!
**********
قبل الزفاف بيومين:
“ستتزوج؟!”
هتف بها عَمَّار بصدمة فصاح به حمزة:
_اهدأ عَمَّار! هي لن تهاجر، زواجها ليس له علاقة باستعادتك لها، ربما يستطيع زوجها إقناعها بإعطائك فرصة.
وبمنتهى الألم رد عَمَّار:
_أنت لا تفهم حمزة، زواجها في ذلك الوقت بالذات يعني أنني قد حُرمت من أداء أحد أهم واجباتي كأخ إلى الأبد، تسليمها لزوجها بيدي كان سيُشعرني بأنها قريبة مني، بأنها تعتبرني أخاها، بأنني استعدت أخيراً جزءاً مفقوداً من حياتي معها..
زَفَر حمزة بضيق بينما تابع عَمَّار بحسرة:
_أنت لا تفهم، أنا ألازم تغريد بكل خطواتها، بكل قراراتها، ومنذ الصغر، لكن.. لكن رهف التي لم أكتشف وجودها إلا مؤخراً يبدو وكأنها قد ضاعت مني إلى الأبد!
عم صمت مكبّل بالألم أنحاء المكان فلم يستطع حمزة التفوه بكلمة، لقد هاتفه عَمَّار غاضباً يسأله عن صحة خبر زواج رهف والذي علمه من خالها، ليأمره بالحضور إلى بيته فوراً، وعندما وصل وجده ثائراً هائجاً، وسرعان ما تحولت تلك الثورة إلى حسرة متمثلة في ملامحه المتعذبة.
أيلوم رهف؟
بالطبع لا!
لقد نشأ معها بنفس الحي وشهِد بنفسه القليل من الإهانات التي تعرضت لها ، وعندما تزوج من ابنة خالها هاله كم الألم الذي تتحمله راضية معتقدة أنها تدفع ثمن إيواء خالها لها ببيته.
ولهذا لن يلومها أبداً..
وعَمَّار أيضاً لا ذنب له، لكن يجب عليه الصبر أكثر، عسى أن يكن الأمل في ذلك الساري الذي يبدو أنها أخيراً وجدت به ملاذها الآمن.
أجفل وهو يتطلع إلى عَمَّار الذي هب واقفاً فجأة وعلى وجهه ينتشر تصميم مُقلق، تمسك بإحدى ذراعيه هاتفاً:
_إلى أين أنت ذاهب؟
وكان الرد المختصر بنظرة عازمة:
_إليها!
**********
منذ عدة أسابيع جمعت نفس الأغراض ووضعتها داخل نفس الحقائب لتترك بيت خالها الذي نشأت به وتقطن تلك الغرفة، الآن ستتركها..
أخيراً ستتركها..
ستذهب إلى بيت حبيبها؛
أكثر من تثق به تلك اللحظة؛
ولوهلة شعرت بالإشفاق عليه، فمنذ زيارته الوحيدة في بيت خالها اقتصر الأمر بينهما على رسائل نصية يطمئن فيها عليها باقتضاب على عكس ما اعتادت منه من مرح دائم؛
بعكس أخته التي تهاتفها طوال الوقت وتقسم لها أنه يسابق الزمن كي يستطيع تجهيز الشقة بموعد الزفاف الذي صمم عليه وكأن حياته تتوقف على ذلك اليوم بالتحديد!
تشتت خاطرها بصوت رنين جرس الباب، ربما زوجة صاحب البيت التي هنأتها عشرات المرات خلال يومين فقط، حيث تبدّلت كل معاملتها المزدرية إلى ترحيب عجيب ما إن علمت بقرب زواجها، ربما لأنها ككل من يعرف أنها تقطن الآن وحدها يراها في صورة الفتاة المخطئة، هزت كتفيها بلا اهتمام حقيقي، بِمَ يهمها رأي أي شخص الآن مادام ساري بحياتها؟!
وأمام الباب تسمرت، ارتفع صدرها في تنفس عنيف ماثله تنفس ذلك الواقف أمامها، لترى في عينيه
نفس الحنان؛
نفس الاشتياق؛
نفس التوسل؛
مع إضافة عاتبة!
لتجد نفسها تهتف به بألم:
_لِم جئت ثانية؟
فأسرع عَمَّار بالإجابة:
_من أجلك رهف جئت، من أجلك فقط.
وجاء ردَّها صارخاً:
_لا أريدك، لا أريدك ألا تفهم؟! أنا لا أريد أي منكم وقد أخبرت زوجتك بالفعل بذلك، ابتعدوا عني، أتستكثرون علي السعادة؟ أتستكثرون عليّ الأمل؟ هل أنا إلى تلك الدرجة وضيعة؟ ألا تستحق من هي مثلي نهاية سعيدة؟!
لم تشعر حتى ببكائها، كما لم يشعر هو بدموعه التي تندفع من عينيه متألما..
ألا يحق له أن يربت عليها؟
ألا يحق له احتضانها؟
ألا يحق له اخبارها كم هو نادم على جهله بوجودها؟
ومن بين دمعاته الضعيفة توسلها هاتفاً:
_رهف! اسمحي لي أن أحضر زفافك، اسمحي لي أن أكون بجانبك، اسمحي لي أن أكون لكِ السند والأمان، اسمحي لي أن يكون بيتي ملجأً لكِ، لا تبعديني رهف، لا تحرميني أخوتك!
كلماته تعذبها؛
تنخر بعظامها؛
تقتلها؛
تُشعرها بيُتمِها وذلها؛
تنبهها إلى ما حاولت تجاهله طوال سنوات..
الفقدان، الحرمان، الاحتياج؛
الأخ والسند!
ونداء خافت منه باسمها متوسلاً أخرج صرخاتها:
_أين كنت أنت؟ لقد انتظرت لسنوات، انتظرت ظهورك أنت بالتحديد لسنوات، انتظرت أن تأتي وتأخذني إلى أبيك، لم أرغب منه هو سوى بالاسم، لكنني أردتك أنت بكليتك، أردت حنانك، احتوائك، أردت حبك، أردت الشعور بالاحتماء بك عَمَّار!
واسمه الذي استمع إليه للتو منها للمرة الأولى نبهه أيضا إلى ما فقد!
يا إلهي!
ما هذا العذاب الذي يتقافز بينهما؟
ما هذا القهر الذي يتقاسمانه بكل لهفة؟
وبأقوى دفعة ضعيفة منها أصبح خارج غرفتها، وحياتها!
وبأقصى قدر من الجمود أمرته:
_اذهب عَمَّار! اذهب ولا تعُد، نحن لم نكن يوماً إخوة، ومطلقاً لن نكون!
وأغلقت الباب بكل قوتها لتنهار أخيراً باكية، وعندما استطاع هو التحرك أخيراً وصل إلى سيارته ببطء وارتمى على المقعد الجانبي، ليسأله مرافقه بقلق:
_ماذا حدث؟!
وبالنبرة الأكثر هزيمة أجابه:
_إنها النهاية حمزة، لقد خسرتها!
**********
“أيعني هذا أنني سأرى الآنسة رهف كثيراً؟”
هتفت بها مريم بفرحة شديدة وهي تساعد سارة في ترتيب بعض الأغراض بشقة ساري العلوية فردت عليها الأخيرة:
_نعم، إن سمح لنا ساري الذي يبدو هذه الأيام شارداً أكثر مما يجب، ماذا سيفعل إذن عندما يتزوج؟
“هل بدأنا تلك الحركات منذ الآن؟!”
ضحكت الفتاتان وهما تلتفتان إلى ساري الذي يبدو بالرغم من افتعاله المرح فهناك شيئ ما يشغله؛
شيئ ما يُخيفه!
لترد مريم بسعادة:
_ألا يجب عليك أن تشكرني ساري؟
مط شفتيه وهو يسألها باستغراب:
_ولِم أشكرك؟
ردت بغرور مصطنع:
_لأنه لولاي لما كنت قابلت الآنسة رهف وتزوجتها.
فابتسم لها ببرود مردداً:
_شكراً جزيلاً مريم، أتحبين أن أحضر لكِ هدية؟
لتبتسم الفتاة مجيبة:
_لا! يكفي أنني لن أترك الآنسة رهف ما أن تعيش هنا، سأظل ملاصقة لها تماماً.
فهمست سارة بمشاغبة:
_هذا إن رأينا وجه أحداً منهما.
ليصفعها ببطء على مؤخرة عنقها هامساً:
_تأدبي سارة!
ثم اتجه إلى الباب تاركاً كلتاهما منهمكتين في الترتيب، وعندما كاد أن يختفي بالخارج هتفت مريم:
_أوتعلم ساري؟! ربما أنا من يجب عليّ شُكرك، ففي الأصل أنت من أصررت علي كي ألتحق بذلك المركز بالتحديد!
وبينما مريم مبتسمة بسعادة نظرت له سارة باستغراب حينما أعطاهما هو ابتسامة مرتجفة وانصرف!
*********