الفصل الرابع: (الجزء الثاني)
“سامحيني أمي! أرجوكِ سامحيني، أقسم أنني لم أعلم أبدا أنكِ تريدينني، أقسم أمي أنني كنت أشتاق إليكِ طوال الوقت، آسف أمي، لم أقصد أن أكون عاقا.”
ومن بين شهقاتها الخافتة أجابته وهي تتحسس وجهه بأحضانها:
_أنت لست عاقاً، أنت حبيبي ونور عيوني، أنت ولدي الحبيب عاصم، وقد كنت أعلم أن ربي سيردك إلي قبل أن أموت.
بلهفة رفع رأسه من بين ذراعيها هاتفا:
_بعيد الشر عنك أمي، أنا لم أكن أعلم ما حدث من قبل مع أبي إلا مؤخرا، صدقيني لو كـ….
وضعت أصابعها فوق شفتيه تسكته قائلة:
_أنا لا أريد التحدث عن الماضي عاصم، وأبوك أنا قد سامحته، طالما لم يجعلك تكرهني طوال تلك السنوات.
هتف بغضب وحِقد هائل:
_لكنه لم يخبرني بالحقيقة إلا حينما صممت أنا، لقد ضاع الكثير من عمري وعمرك ونحن مفترقان، وهو كان يعلم مدى اشتياقي وحاجتي إليكِ، كان يعلم أن ما من تعويض يحُل محلِّك، كان يعلم أنكِ تحتاجينني أيضاً واختار أن يمنعِك من رؤيتي.
ابتسمت أمه بطيبة:
_يا ولدي، لستُ ناقمة على أبيك، أنا كنت أعلم أن زوجته عاملتك بحنان، وأنا أيضا عشت مع زوجي رحمه الله أياما جميلة لم ينقصها إلا وجودك معي، والآن أراد الله اتحادنا، لا أريد الانشغال بالحقد والتفكير بالماضي، أريد أن أهنأ بوجودك بين أحضاني.
انهال بقُبُلاته على جبهتها فربتت هي على ظهره بحنان، لكن دخول سما قطع لحظات قربهما وهي تهتف بضيق واضح:
_الطعام جاهز أم عاصم!
التفتت المرأة لها برغم عدم استطاعتها رؤيتها متسائلة:
_ماذا بكِ سما؟ أهناك ما يضايقك؟
زفرت سما بضيق وهتفت من بين أسنانها:
_لا أبدا، أنا بخير.
عقدت المرأة حاجبيها بقلق وهي ترد:
_حبيبتي، أخبريني ما الذي أغضبك هكذا؟
تدخل عاصم قائلا باستفزاز:
_أهي لديها تعبيرات أخرى غير الغضب أمي؟
انفجرت به سما هاتفة:
_أنت لا شأن لكَ بي؟ أتفهم؟!
مالت أمه على أذنيه هامسة:
_ماذا فعلت عاصم؟ لِمَ أغضبتها؟
هتف بسرعة:
_والله أمي لم أفعل شيئا، هي من تضايقني وتعاملني بسوء، حتى أنها منذ قليل كانت تهددني بسكين أضخم منها، كادت تقتلني أمي، بعد أن أَحْرَقَت البصل!!
فغرت سما فاهها دهشة فابتسم هو لها ببرود، بينما سألتها أمه باستغراب:
_أصحيح سما؟ أصحيح ما يقول؟
اندفعت سما بسرعة هاتفة:
_هو من عطلني وظل يثرثر حتى احترق البصل.
مطت أمه شفتيها ثم زفرت بنفاد صبر قائلة:
_كنت أسأل عن السكين سما، هل هددتِه؟
ضيقت عينيها بشر وهي تنظر له:
_ولِمَ أهدد وأنا أستطيع التنفيذ فورا؟!
اتسعت عيناه دهشة لِوهلة ثم تبدلت نظرته إلى الغيظ وهو يغمغم:
_سليطة اللسان، ضئيلة القامة!
فاندفع ردها هي مرتفعاً على الفور:
_قليل الذوق، عديم الإتيكيت!
انطلقت الضحكات الرائقة من السيدة صفاء فنظر لها الاثنان بابتسامة حنونة حتى نطقت:
_يا إلهي! هل أنتما طفلان؟!
ثم التفتت تجاه ابنها وهي تربت عليه:
_هيا ابني، هيا نتناول الطعام سويا.
وعلى المائدة كان الاثنان يتسابقان على إطعامها، في البدء اهتماما لم يلبث أن تحول الأمر إلى منافسة، حتى كادت المرأة أن تغص بطعامها، دارت النظرات القاتلة بينهما بصراحة فلم يحاول أحدهما إخفائها، وعندما انتهى الطعام انفرد بأمه ثانية، تبثه حنانها وينهل من حبها بلا شبع، وفي آخر اليوم اتجه إلى الباب مُتثاقِلاً وهو يتمنى ألا يفعل.
قبَّل رأسها و كفيها دامعا ثم قال بِنبرة واعِدة:
_قليل من الوقت فقط أم عاصم، سأبحث عن شقة مناسبة وسنعيش سويا إلى الأبد.
اتسعت ابتسامتها الحنونة وهي تُربِّت على كفه.
“عفوا؟!”
والكلمة انطلقت من تلك التي تتشح بالحجاب الأسود، لكن غضب عينيها كان أكثر سوادا، نظر لها بدهشة صامتة فأعادت سؤالها بنبرة تحذيرية:
_ماذا تقصد بكلامك؟
وبلهجة لامبالية رد:
_أقصد أنني سأبحث عن شقة مناسبة لأعيش بها مع أمي.
صاحت بغضب:
_أنا لا أوافق على ذلك الاقتراح.
رد بإغاظة يعيد عليها جملتها التي استقبلته بها صباحا:
_وهل دعوناكِ؟!
ضغطت أسنانها بغضب وهي تنطلق إليه حتى وقفت أمامه فوصلت قمة رأسها أمام صدره، رافعة رأسها وهي تنظر له بتحذير بدا_عليها_ مضحكا:
_اسمع! أم عاصم تقيم معي، اذا أردت أن تزورها سأتحملك مُضطرة، لكن انس تماما أن تبعدها عني، هل تفهم؟!
ولأن عنقها آلمها فلم تنتظر رده وهي تعود إلى الداخل صافعة بابها بقوة أجفلته وأخرجته من دهشته، فعقد حاجبيه بضيق وهو ينظر إلى أمه ويهتف بها عاتبا:
_أمي بالله عليكِ كيف عشتِ طوال تلك السنوات معها ولم تقومي بإيداعها مشفى الأمراض العقلية؟!
ابتسمت أمه بحنان وهي تجيبه:
_عاصم! سما أمها ماتت أثناء وضعها، لم تر أُماً غيري، ومنذ ضَعُف بصري وهي تهتم بشئوني كلها مهما كانت، حتى أنني توسلتها مرارا أن تضعني بإحدى دور المسنين كي لا أُرهقها فغضبت مني وهي تقسم لي بأنها لن تتركني أبدا، ولن ترضى لي المذلة، والآن أنت بنظرها من ستأخذني منها لذا رد فعلها عنيف قليلا، أعذرها بني، فهي فتاة أصيلة وحنونة وأعتبرها ابنتي فعلاً.
نظر لأمه باستغراب قليلاً ثم انتقلت نظراته تجاه الباب المغلق أمامه بِتفكير صامت..
هو حتى الآن لا يعلم كيف سينفصل بالمعيشة عن أبيه وأخته وليس في حاجة لظهور مُعضلة جديدة.
**********
دلفت إلى فيلا والدها شاردة في بحث عن حل للمشكلات القادمة حتماً إن آجلاً أم عاجلاً والتي ستطال عائلتها بكل تأكيد، تستطيع التكهن بِموقف والدها، لكن أمها…!
“لِمَ تأخرتِ مَوَدَّة؟”
أجفلت وهي تلتفت لأبيها بدهشة قائلة:
_كنت مع عَمَّار أبي، لقد أخبرتك هاتفياً.
اتجه إليها ببطء حتى توقف أمامها مُردداً بِهدوء لم يمنع عبوس ملامحه ولا نظرات عدم الرضا التي يُلقيها بها:
_أعلم، لكني لا أفهم ما الذي يدور بينكما، لقد تركتِ بيتك وطلبتِ الانفصال بإلحاح، ثم توقفتِ فجأة عن التحدث بخصوصه، والآن تتقابلان بالخارج مثل المراهقين؟!
أخفضت مَوَدَّة رأسها بحرج وهي تجيبه بخفوت:
_أي مراهقين أبي؟ هو لايزال زوجي.
هتف بها أبوها بضيق:
_أعلم أنه زوجك، لكنني لا أفهم طبيعة تلك العلاقة، لو أنكِ تصالحتِ معه لِمَ لازلتِ هنا؟ ولو أنكِ على قرارك بالانفصال لِمَ تخرجين معه؟ ولِمَ لا تسمحين لي بالتحدث إليه كي ننهي ذلك الموضوع تماما؟!
تململت مَوَدَّة في وقفتها ثم ارتسم الاستسلام بعينيها وردت بألم:
_أحبه أبي! لم أحب سواه طوال عمري، ولن أفعل، لن أكرهه، ولن أنساه حتى إن انفصلنا، وهذا هو الأرجح.
اجتذبها أبوها بين أحضانه وهو يربت عليها بحنان شديد:
_أعرف حبيبتي أنكِ تحبينه، لكنني لا أريد أن تندمي عندما تكتشفين أنكِ قد خسرتِ الكثير في سبيل ذلك الحب، أنا لم يرزقني الله بسواكِ وأتألم عندما أراكِ على تلك الحال.
رَفَعَت رأسها تنظر إليه مبتسمة من بين دمعاتها:
_لِمَ ليس كل الآباء مثلك أبي؟ لِمَ هناك آباء قساة القلوب على أبنائهم؟
عقد أبوها حاجبيه بضيق وهو يسألها:
_هل ضايق عَمَّار إياد؟ أقسم أنني لن أرحمه إن تأثر حفيدي بانعدام مسئوليته.
بسرعة أجابت مَوَدَّة:
_لا أبي، عَمَّار يهتم بإياد ولا يتحمل أن يطاله أي سوء، صدقني أبي عَمَّار لم يعُد ذلك الشخص الضعيف، لكنه مجرد سؤال طرأ على بالي.
زفر أبوها بضيق ثم هز رأسه بنفي قائلاً:
_لا مَوَدَّة، لا أعتقد أن هناك من يتحمل الأذى لأولاده، الأب والأم يكونان على استعداد دائم لتحمل أي شيء في سبيل راحة أبنائهما، أنتِ أم وتفهمين ما أعني.
هزت مَوَدَّة رأسها بشرود تحاول إخفاء الابتسامة الساخرة التي تناضل للظهور على شفتيها.
…….
أما هو، فقد جلس داخل سيارته الرمادية يحدق في تلك التي تجر قدميها بصعوبة بعيدا عن بيت خالها وذلك الرجل الذي ألقى عليها عبارة قاتلة اخترقت أذنيه، ليغمض عينيه بألم وهو يضغط أسنانه بغضب مُتمسكاً بآخر ذرات من الصبر ويُدرك أنها قاربت على الهرب…للأبد!
…….
وفي اليوم التالي استيقظ صاحب المحل ليجد الناس متجمعين بالقرب من مصدر رزقه، فاخترق صفوفهم برعب حتى وصل إلى باب المحل ليجد العبارة التالية مكتوبة بطِلاء الحائط فوقه:
“يا من تتشدقون بالطهارة، حاسبوا أنفسكم أولا!”
**********
أنهى توقيع الكشف على المريض مُبتسِماً وانتظر حتى خرج وأغلق الباب،ثم أغمض عينيه بتعب يتلمس بضع دقائق من الراحة لكنه انتفض واقفا مع اندفاع الباب بتلك المصيبة التي حَلَّت عليه تناظره بحقدها المعهود، فأغمض عينيه بضيق متأففا ثم تمتم بخفوت:
_يا إلهي! وأنا كنت قد ظننت أنني قد تخلصت من ذلك الكابوس للأبد!
انطلق على الفور هتافها الغاضب:
_ما الذي تريده مني حمزة؟ ألم تنتهي قصتنا؟
فتح عينيه رامقا إياها ببرود وهو يجيب:
_صدقا دينا كل ما أريده منكِ تلك اللحظة أن تختفي من أمام عيني، وألا تطربيني بسماع صوتك الحاد، وأن ترحميني من عطرك الخانق، وأن أغمض عيني وأفتحهما لأجد نفسي قد نسيت كل ما يتعلق بكِ ونسيت غبائي وفقداني البصر والعقل عندما أذنبت في حق نفسي وأهلي وتزوجتك!
اشتعل الغيظ بعينيها كما اعتادت دوماً معه، هي باهرة الحسن تعلم ذلك وتراه في أعين الجميع ، منذ مراهقتها وهي تتلقى نظرات الاستحسان والاعجاب من الكل، إلا هو! هو الوحيد الذي لم يُشعرها بانبهاره بها، الوحيد الذي لم يسقط صريع فتنتها، ولهذا لطالما كرهته!
بغيظ عارم سألته:
_أتعتقد دكتور حمزة أنه من المروءة أن تتحدث عني مع أصدقائك؟
اتسعت عيناه بغضب وهو يهتف:
_هل جننتِ أنتِ أم ماذا؟!
نظرت له بتحدي وهي تبتسم قائلة:
_بِمَ تسمي إذن معرفة دكتور عَمَّار بي؟ وبِم تسمي تهديده إياي ؟لقد أوصاني بنفسه بإبلاغك تحياته، هل انحدر بك الأمر إلى تلك الدرجة؟
ثم مالت على المكتب تبتسم له بإغاظة:
_أم تراك تحاول استفزازي كي أعود إليك؟
وتحولت عيناه الغاضبتان إلى الدهشة العارمة ثم..
انفجر ضاحكا!
تراجعت للخلف وهي تستقيم وتراقب ضحكاته التي تتزايد بشدة ، ارتفع صدرها في تنفس غاضب وهي تراه يمسح دمعات سالت من عينيه لشدة استمتاعه، وأخيرا عندما تحدث نظر اليها بسرور لم يمنع الاستنكار في لهجته قائلا:
_أعود إليكِ؟! أنا أعود إليكِ؟! هل العاقل عندما يغرق في بركة من الوحل ويمُن الله عليه بإنقاذ يعود إليها برغبته مرة ثانية؟!
ثم ارتسمت الجدية على ملامحه وهو يتابع:
_لقد كنت أكافح وأنا أحاول عدم إظهار راحتي الشديدة عند الطلاق احتراما لرجل كل ذنبه أنه أنجبك!
صرخ الغل بملامحها وهي تهتف به:
_إذن أنت لا تعرف دكتور عَمَّار؟
وضع قدما فوق أخرى وهو ينظر لها بمكر قائلا:
_أنا لم أقل لك أنني لا أعرفه، بصرف النظر عن أنه كان زميلي بالكلية وحضرت معه بعض المؤتمرات فأنا أدين له بجزء من سلامي النفسي وراحة بالي.
ثم صمت متعمدا إثارة غيظها أكثر وعاد متابعا بِخفوت:
_فهو كان القشة التي قصمت ظهر البعير، كنت أشعر أننا سننفصل يوما ما على كل حال، لكنه كان أحد الأسباب التي جعلتني أُعجِّل بذلك، لذا كما ترين إن كانت هناك حربا قادمة بينك وبينه فبالتأكيد صَفُه ما سأتخذ، فأنا لي ثأر عندك، أم هل تراكِ نسيتِ؟
فغرت فاهها دهشة وهي تحاول ربط كلامه فلم تستطع، بينما وقف هو ببطء محدقا بها بتحدي وهامساً بتشديد:
_يبدو_سيدة دينا_ أنكِ ستبدئين بتسديد ديونك كلها بدءاً من الآن!
شحب وجهها والذعر يحتل ملامحها بلحظة وبخوف واضح تراجعت إلى الخلف، وبدون كلمة إلى الخارج هرولت، فارتخت ملامحه المتسلية ليحل محلها قلق شديد، ثم أخرج هاتفه من جيب بنطاله وطلب رقمها.
**********
“إلى اللقاء إياد!”
ودعت الطفل الوافد الجديد إلى فصلها بابتسامة ثم خرجت لتعود إلى مسكنها، وعندما خرجت من المركز شعرت باهتزاز هاتفها فالتقطته لتطالع اسم حمزة لتجيبه بقلق:
_نعم حمزة؟
أتاها صوته المتردد:
_مرحبا رهف، كيف حالك؟
والتردد بنبرته لم يخف عليها فقالت سريعاً:
_أنا بخير حمدا لله، هل..هل هناك ما حدث؟
صمت لثوان ثم تحدث بهدوء:
_اسمعي رهف!، أنا أشعر بالقلق الشديد من أجلك، هناك شقة فارغة في إحدى البنايات التي يمتلكها والد صديقي، بباب حديدي وحارس، أعتقد أنها ستكون أكثر أمانا من الغرفة التي أخبرني عنها عم صلاح.
زفرت بتعب قائلة:
_لا حمزة، أنا لا أريد الهرب، أنا لم أفعل شيئا كي أظل أعاني ظلم الآخرين لي، شكرا لتفكيرك واهتمامك، أنا بخير تماما.
لكنه أصر:
_أرجوكِ رهف فكري جيدا، الشقة حالتها جيدة ولا تقلقي بشأن الإيجار على الإطلاق.
ابتسمت بضعف وهي ترد:
_حاضر حمزة، سأفعل، إلى اللقاء.
وضعت هاتفها بحقيبتها والتفتت لتتجه إلى موقف الحافلات فطالعتها العينان الخضراوان..
لكنهما غاضبتان وبِشدة!
وبذلك الغضب الذي حاول التحكم به سألها:
_من يكون حمزة؟!
**********
وأمام أحد المصالح الحكومية خرج صلاح ليجد سيارة رمادية تسد الطريق بينما هتف صاحبها به مناديا باسمه فالتفت إليه محاولاً التعرف عليه وسأله باستغراب:
_هل تناديني بُني؟
وصل إليه عَمَّار ووقف أمامه مبتسما بأدب وهو يرد:
_نعم أستاذ صلاح، كيف حالك؟
ضيق صلاح عينيه بحذر وهو يجيبه:
_حمدا لله، أعذرني بني، هل أعرفك؟
حك عَمَّار شعره بحرج وهو يجيب بتوتر:
_لا.. أقصد نعم..آ.. هل من الممكن أن نتحدث بمكان ما؟
ازدادت دهشة صلاح وهو ينظر له هاتفا بنفاد صبر:
_ألا يحق لي معرفة من تكون أنت أولا؟
مط عَمَّار شفتيه بقلق وهو يجيبه:
_دكتور عَمَّار.
وعندما طالع ملامح عدم الفهم على وجه الرجل أكمل:
_دكتور عَمَّار شديد الناجي!
انتفض صلاح إلى الخلف وهو يحدق به برعب فعاجله عَمَّار هاتفا:
_لا تجزع، أنا لم آتِ بسوء، أردت فقط التحدث معك.
صرخ به صلاح:
_ماذا تريدون منا بعد؟ ابتعدوا عنا! كفى أذى بي وبالمسكينة التي لا تستحق كل ما فعلتم بها، اتركوها بحالها فقد عانت الكثير بسببكم.
بلهفة خاطبه عَمَّار:
_استمع إلي أرجوك، أقسم أنني لن أؤذيها، أنا .. أنا أريد تعويضها، أريد أن أجعلها تنسى كل ما تعرضت له.
بغضب رد صلاح:
_هل تهزأ بي؟! ألا يكفي ما فعلتم بي وأمام أهل بيتي؟ ألا يكفي إحضاركم المجرمين وتهجمكم علينا؟ الآن تقول أنك تريد تعويضها؟ هل تراني أحمق؟!
صرخ عَمَّار بعذاب:
_لم أكن هناك! أقسم لم أكن موجودا وأنت تعرف، أنا حتى لم أكن أتخيل أن يحدث ذلك أبدا، لم أكن لأسمح بالأذى لك أو لرهف، أنت لا تدرك كم أتعذب أنا منذ ذلك اليوم! لم أعد أستطيع النوم بسبب الكوابيس التي تهجم عليّ وأنا أراها تحترق بالنيران بينما أنا عاجز ضعيف لا أستطيع إنقاذها، لست أنا من أريد بها غدرا عم صلاح، والله لست أنا.
نظر له الرجل بشك يُطالع الصدق الذي يقفز من عينيه، وزفر حانقا:
_وماذا تريد مني الآن؟
اقترب منه بلهفة مجيبا:
_أريدك أن تأخذني إليها، أعلم أنني إن حاولت التقرب منها ستنفر مني تماما، وهي لا تثق بسواك، لذا أريدك أنت أن تطمئنها تجاهي.
وبسخرية قابله:
_وإذا كنت أنا نفسي لا أطمئن لك؟ كيف أفعل ذلك؟
هتف عَمَّار حانقا متألما:
_ما الذي يمكنني فعله حتى تصدق أنني لست سيئا؟ ما الذي يمكنني تقديمه كي تتأكد أن نواياي تجاهها عكس ما تعتقد تماما؟
عم صمت قاتل وعَمَّار ينظر له بتوسل شديد حتى زفر صلاح بيأس بعد لحظات هاتفاً:
_أنت لا تدرك كم تكرهكم!
والرد جاء سريعا:
_أدرك تماما! ويحق لها، سأصبر وسأتحمل حتى أكتسب ثقتها.
بتخاذل رد صلاح:
_امنحني بعض الوقت كي أقوم بتهيئتها نفسيا أولا، الفتاة عانت كثيرا بسببكم ولن تتقبل الأمر بسهولة.
هز عَمَّار رأسه بسرعة وابتسامة واسعة شملت وجهه كله مرددا بفرحة ظاهرة:
_كما تريد أستاذ صلاح، لكن أرجوك لا تتأخر عليّ، فأنا أتعذب كل يوم بينما هي ليست معي.
نظر له صلاح شزرا ثم أولاه ظهره وانصرف بدون كلمة واحدة.
أما هو فقد مسح وجهه بكفيه وصورة واحدة ترتسم بعقله لحظة اجتماعه بها مرددا:
“لن أتركك رهف، سأعوضك وستبقين معي حبيبتي!”
**********
“من يكون حمزة؟”
نظرت له بدهشة متسائلة:
_نعم؟
فأعاد سؤاله والغضب يتقافز من مقلتيه:
_لقد سمعتني رهف، من هو حمزة الذي كنتِ للتو تحدثينه؟
ولا تعلم لِمَ أجابته ببساطة:
_إنه.. إنه جارنا، أقصد كنت أنا جارته، وهو أيضا كان متزوجا من ابنة خالي.
ارتفع حاجبيه بدهشة وهو يسألها بصرامة:
_كنتِ جارته وكان قريبك، لكنه لم يعد هذا ولا ذاك؟!
هزت رأسها بتلقائية وهي تحدق في عينيه اللتين تشتعلان ببريق غاضب فازدادت حدة نبرته وهو يعاود سؤالها:
_وطالما العلاقات انتهت لِمَ يُحدثك؟ ولِمَ تشكرينه بتلك الحرارة؟ وعلام ذلك الاهتمام منه بك؟
هنا ضاقت عيناها وعقدت حاجبيها بدهشة وهي تجيبه بسؤال:
_عفوا! لماذا تسأل أنت كل تلك الأسئلة؟ علام تُحاسِبني لا أفهم؟!
ثم استدركت بانتباه:
_لحظة! لِمَ أتيت اليوم بالأصل؟ مريم ليس لديها أية حصص.
هتف بغضب:
_من أجلك أتيت!
تعلَّقت نظراتها به لِثوان وسألته بِحَذر:
_من أجلي أنا؟ لماذا؟
اقترب منها متحدثا بخفوت غاضب:
_هل تعلمين كيف انقضت ليلتي بعد سماع صوتك الباكي بالأمس؟ هل تدركين مدى العجز الذي شعرت به وأنا لا أستطيع التواصل معِك بعد أن أغلقتِ الهاتف تماما؟ هل تعلمين مقدار الخوف الذي تملكني وصوتك المتألم المنتحب لا يبرح أذناي منذ ساعات حتى رأيتك أمامي الآن سالمة؟
وكان الرد الغبي الذي انطلق على لسانها بدون تفكير:
_انتظر لحظة! صحيح!من أين أتيت برقم هاتفي من الأساس؟
عض على شفتيه بغيظ واتسعت فتحتا أنفه، استشعرت العنف الذي يكبته بصعوبة، بينما خرج رده أكثر غرابة ودهشة:
_لقد ظل هاتفك معي لعدة أيام ! أنتِ كيف يسمحون لكِ بتدريس أجيال؟ تُرى أي عقول تفكر بالعكس سيمتلكها هؤلاء المجني عليهم؟
ضيقت عينيها بشك وهي ترد بخفوت:
_أشعر أنك تسخر مني!
هنا أولاها ظهره بسرعه وهو يمسح على وجهه بقوة مرددا بخفوت:
“يا لحظك الرائع ساري!”
حدقت بظهره بِتوجس حتى التفت إليها مرة أخرى قائلا وهو يجز على أسنانه بغيظ:
-لنعود إلى البداية! ماذا يريد منكِ هذا الجار سابقا؟
فانطلق صوتها حانقا:
_وما شأنك أنت؟!
هتف ساري بحنق رافعا رأسه إلى السماء:
_ألهمني الصبر يا الله!
ثم نظر إليها بابتسامة صفراء أثارت قلقها:
_رهف، هل من الممكن أن تجيبيني بدون أن تثيري حنقي؟
نظرت إليه بصمت فزفر بضيق وهو يخفت حدة صوته:
_أرجوكِ رهف أخبريني، ما علاقتك به؟
رمقته بنظرة بها مزيج من الدهشة وبوادر فهم ثم .. أمل!
الترقب في عينيه ممتزجا بالتوتر مع علامات الأرق على وجهه يُثيرون بداخلها مشاعر غريبة تجتاحها للمرة الأولى بحياتها..
يريد المعرفة_ليس بدافع الفضول_ وإنما…!
ازدردت لعابها وهي تقرر منحه راحة لم تتيقن بعد من سبب افتقاده لها ثم خرج ردها متقطعا:
_لو.. لو كان لي أخ، فسيكون حمزة!
والابتسامة التي أخذت تتسع بالتدريج على محياه تراقصت على ألحانها دقات قلبها والأمل يكتسح دواخلها، وليُزيد من توترها اقترب هو خطوة مُطالبا بتأكيد:
_أخ فقط؟
تزامنت إيماءة رأسها مع إجابة لسانها الرقيقة وهي لا تجد_أو لا تريد_ من عينيه مهربا:
_أخ فقط.
وتلك المرة لم يولِها ظهره وهو يردد بابتسامة تسببت في جفاف حلقها:
_”يا لحظك الرائع ساري!”
توردت وجنتاها واضطربت عيناها وهي تتراجع إلى الخلف خطوتين فعاجلها :
_ماذا يريد منك هذا “الأخ”؟
والكلمة الأخيرة لم يكن يقصد بها علاقة القرابة، فالغيظ بعينيه واضح ، أيعقل أنه بالفعل….؟ خرقاء أنتِ يا رهف وستظلين خرقاء!، هل نسيت من تكونين؟ أفيقي يا فتاة حتى لا تتلقي صدمة أخرى، فلم يعد قلبك يتحمل على أي حال.
_كان يعرض عليّ مكان للإقامة.
عقد حاجبيه بدهشة قائلاً:
_لا أفهم! أستتركين بيت أهلك؟
والسؤال أخرجها بالكامل من حالة الأمل التي انتابتها، فنظرت له بتمعن وازداد عنف تنفسها وهي تقرر التخلص من تلك الحالة الغريبة التي تتلبسها في حضوره، فأجابت بهدوء:
_أنا أسكن بمفردي.
وازدادت دهشته وهو يسألها ثانية:
_وأين أهلك؟
فجاءته الإجابة بسرعة تُلقي حملاً ثقيلاً عن كاهلها:
_كنت أعيش مع خالي، وتركت بيته منذ بضعة شهور.
لكن إجابتها لم تشبع فضوله كما يبدو لأنه صمم متسائلاً بتشديد:
_رهف قصدت أين أبوكِ وأمكِ؟
والعينين التمعتا بدمعات متحسرة، والشفتان ارتجفتها بقهر واضح، فحدقت بعينيه بجرأة مُوَدِّعة، والإجابة خرجت على الفور قاتلة:
_أمي انتحرت أثناء طفولتي بعد أن حمَّلتني ذنباً أدفع أنا ثمنه حتى الآن، وأبي لا يريدني، فقد تبرأ مني منذ مولدي ولم يعترف بأبوته لي!
والصدمة على وجهه كانت بديهية، جسده الذي تخشب للحظات أنبأها عن وقع عباراتها عليه، عيناه اللتان اتسعتا بذهول حتى نسى أن يُرفرِف بأهدابه أوصلتا إليها رأيه بما سمع، صدره الذي أخذ يرتفع ويهبط في تتابع سريع أعطاها فكرة ما عن وقع مفاجأتها، طالت الثواني وهي تنظر له بدمعات متحجرة بينما هو كالصنم أمامها، فاحتضنت كتبها بذراعيها وبدون كلمة رحلت!!
**********
ومن بوابة الفيلا الضخمة دخل والأمل يشع بصدره، وعندما صعد أول درجتين أوقفته صيحة حازمة:
_عَمَّار!
أغمض عينيه وهو يضغط أسنانه بغضب، وببرود شديد التفت قائلاً:
_نعم شديد بك؟
اقترب منه الرجل ببطء عابس الوجه كعادته هاتفا:
_أين كنت؟
والرد جاء سريعاً و.. وقحا:
_ألم يخبرك رجلك بتحركاتي كلها؟ عَنِّفه إذن كي يصبح أكثر إتقانا في عمله.
ليرد أبوه باشمئزاز:
_لقد سئمت منك ومن تهورك، احذرني عَمَّار فأنا لا أتسم بالصبر!
ابتسم عَمَّار وهو يحدق بعينيه مُعَلِّقَاً بسخرية:
_الصبر؟! مالك والصبر شديد بك؟ للأسف أنت لا تمتلك منه شيئا.
ثم أردف بتحدي:
_وللأسف أكثر ربما قريبا ستحتاجه.
التمع الشر الخالص بعيني أبيه وهو يهتف من بين أسنانه:
_أنا أعرف علام تنتوي عَمَّار، فهل تعرف أنت كيف يمكنني أذيتها؟
والتحدي ارتسم على وجه ابنه بأقوى صوره وهو يجيب:
_لا أحد يعرف بِقدري مدى قسوتك وشِدتك يا أبي، فأنا قد تشربتهم لسنوات على مهل حتى أصبح بإمكاني توقع تفكيرك وخططك وتحرُكاتك كلها، لكن أنت من لا تعلم إلى أي مدى أصبح بإمكاني أن أصل في سبيل استعادتها وتعويضها.
صرخ شديد بِغِلّ:
_إنها لقيطة!!
ليُجابهه عَمَّار بصراخ أشد:
_إنها أختي!!