رواية سكن روحي الفصل الخامس 5 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

الفصل الخامس: (الجزء الثاني)
“مرحبا يا مشعثة!”
تعلقت نظراتها به بدهشة وهي ترد بخفوت بأول شيء قفز إلى لسانها:
_مريم.. مريم ليست هنا اليوم أيضا.
افتعل نظرة حانقة وهو يرد:
_من أخبرك أنني قد تبنيتها، كما أنني لست السائق الخاص بها وأعلم أنها ليست هنا اليوم، لكنني_كالأمس_ لم آتِ من أجلها.
نظرت له بأمل حاولت وأده في مهده وبهدوء قلِق سأَلَته:
_ولِمَ جئت؟
ارتخت ملامحه المتألمة وهو يرد محدقا بها بحُب واضح:
_جئت أبحث عن إجابة لسؤال يؤرقني منذ فترة، ولكن.. ولكنني فكرت باحتمالية وجودها لديكِ أنتِ.
ازدردت لعابها وهي تسأله من بين أنفاسها الهاربة:
_أي سؤال؟
ليقترب خطوتين بعينيها غارقا مُتسائلاً:
_متى تعتقدين يا رهف أن الإنسان منا يدرك التقاؤه برفيق روحه؟ هل يُعقل أن يتعرفه منذ اللقاء الأول؟ هل يُعقل أن ترتبط أفكاره وخيالاته ومخططاته كلها بشخص لم يره إلا بضعة مرات؟ وهل من الممكن أن يكون ذلك الشعور متبادل؟
حدقت بعينيه وهي ترد بخفوت:
_أربعة أسئلة!
عقد حاجبيه بدهشة فأردفت بنفس النبرة:
_أنت قلت سؤالا لكنك سألت أربعة أسئلة!
فارتسمت النظرة المتوسلة بعينيه وهو يرد:
_إذن أجيبيني! أجيبيني رهف فأنا لا أفهم ما الذي يحدث لي!
وكان الرد الذي لم تفهم سبب تفوهها به يائسة:
_ساري!
ليهتف هو بصوت متقطع:
_سيُجن ساري!، سيُقهر ساري إن لم يفهم ما الذي يحيط به، أرجوكِ رهف أجيبيني!
أغمضت عينيها ألماً فأردف بألم مماثل:
_لماذا حدث ذلك؟ لماذا أشعر بذلك؟
أنا تائه، أنا لم أتعرض لذلك من قبل، دوماً ما حكَّمت عقلي بكل شئون حياتي، الآن لا أجد نفسي قادراً على استخدامه، الآن هناك ما يدفعني تجاهك منذ اللحظة الأولى التي رأيتك بها ولا أدري كيف أتصرف، أجيبيني رهف!
لتدمع عيناها وهي تفتحهما لترد بالكلمة التي فرضت نفسها بقوة:
_لقيطة!
ثم تابعت والدمعات تنهمر بغزارة :
_أنا لقيطة ساري، بدون أصل، بدون نسب، بلا أم وبلا أب.
توقفت وهي تهز كتفيها مُبتسِمة بسُخرية وهي تضيف مُتجاهلة الوجع الذي يزداد على ملامحه مُقترناً بوجعها مع كل كلمة تنطق بها:
_إن عَلِم أحد أولياء الأمور الذين يُعلمون أولادهم هنا بذلك سيمنعونهم من الحضور، إن عَلِم صاحب المعهد بذلك سيُقيلني على الفور، إن عَلِم صاحب الغرفة التي أقطن بها بذلك لن يسمح لي بقضاء ليلة إضافية بها.
توقفت مرة أخرى ولكن مُرغَمة، فالدمعات التي انحدرت من عينيها أخفت صوتها للحظات، ثم عادت تتابع بضياع:
_أنا .. أنا ليس لديّ أصدقاء، ليس لديّ أقارب، لا يوجد من يؤنس وحدتي، ليس لي إلا خال واحد تمت أذيته بسببي، يتهرب مني الجميع باشمئزاز كالمصابة بمرض مُعدي.
ارتفع صدره وهبط في تنفس سريع بينما وارت هي دمعاتها عنه بأناملها بينما استكملت بألم:
_ابتعد ساري! ابتعد ولا تتعلق باعتقاد واه، أنا لا أؤمن برفيق الروح، لا أؤمن بتلك الأفكار الحالمة، أنا وحدي ومن الأفضل لي وللجميع أن أظل وحدي.
لتنتفض فجأة وهو يصرخ بها بصوت عال حتى نظر بعض المارين إليهما بفضول:
_أنا أؤمن رهف! أؤمن بأن ما يحدث ليس مصادفة، أؤمن بأن هناك سببا ما لاحتلالك عقلي منذ وقعت عيناي عليكِ، أؤمن بأن الرجفة التي تصيب قلبي ما إن أتفوه باسمك وأنا وحدي ليست اعتقاد واه كما تدَّعين.
أسدلت أهدابها بِقهر فتابع بِرجاء:
_ انظري إليّ رهف! أنا لست مراهقا، عمري اثنان وثلاثون عاما قضيتهم أركض ليلا نهارا كي أعول أسرتي حتى نسيت أنني إنسان، لديّ حياة، ولديّ قلب، قلب اعتقدت أنه لن يوجه مشاعره يوما إلا لأفراد أسرته، حتى ظهرتِ أنت! ليصرخ نفس القلب مُطالباً بالانتباه لِما يجيش به، ليصرخ مُهللا بلقاء لم يتخيل وقوعه أبدا.
ثم أردف بِصدق:
_ سأخبرك صراحة رهف، منذ أن رأيتك بالشركة وخلال دقائق معدودة تفاعل معك كياني كله في بادرة لم تحدث مطلقا ، اعتقدت أنه إعجابا أو انجذابا عابرا لكن الأيام التالية أثبتت لي أن ظهورك بحياتي سيكون مغايرا لذلك الاعتقاد.
صمت للحظات ثم تابع بنظرة قاتمة وبنبرة يشوبها العذاب:
_سيكون كاسحا، وربما مؤلما.
رَفَعَت رأسها تنظر إليه بِقلق لكنه أضاف بتصميم:
_لكنني لا أهتم رهف، ما حدث قد حدث بالفعل، وما أشعر به وما يجب علي القيام به لا أملك عنهما تراجعا.
أخفضت رأسها تحاول التهرب بدمعاتها التي عادت أشد، بينما قلبها ينتحب بألم وصدى كلماته تقع به وتتخلله تماما، يريد الإعلان عن نفسه، عن دقاته، عن احتياجه لحنان غامر يفيض بكثرة من عينين راجيتين.
تابع هو مناديا بخفوت:
_رهف!
واسمها الذي انطلق بعذوبة من شفتيه زاد في حيرتها فَرفعت رأسها تنظر له بضياع، ثم هَزَّت رأسها رافضة:
_لا ساري! لا! أنا لا أقبل لك العار، لا أقبل لك الإهانة، وحتما أنت لا تتقبلها على أفراد أسرتك الذين تحبهم وتهتم لأمرهم، دعني وشأني ساري ولا تحاول رؤيتي مرة أخرى.
وانطلقت متجاوزة إياه مطلقة أنينا خافتا كرداً ضعيفاً على صراخ قلبها الغريب ب..حبه!
لكنها لم تتوقع إصراره وهي تجده واقفا أمامها مرة أخرى مدققا بها بصرامة ثم قال:
_أتعتقدين أن الأمر هين؟! أتعتقدين أنني لم أفكر منذ الأمس بكيفية المواجهة؟!أعلم تماما أننا سنتعرض لصعوبات كثيرة، لكن أنتِ لم تعرفيني بعد، وإن كان هناك درسا مبدئيا أريدك أن تستوعبيه عني، هو أنني أستطيع فعل الكثير في سبيل تحقيق أهدافي، مهما كان الطريق طويلاً وعراً محفوفاً بالمخاطر، فلا أسمح لأيٍ كان أو لأي شيء بالحول دونه.
وأمال رأسه مرددا بنبرة خافتة:
_وبهذه اللحظة أنتِ أهم أهدافي رهف!
جف حلقها وهي تحدق بعينيه الحنونتين اللتين اختطفتاها تماما للحظات، لكنه عقد حاجبيه وارتسمت شِبه ابتسامة على شفتيه وهو يدقق بها مرددا بخفوت:
_يا لجمال أهدابك! سبحان الله!
وتورُد وجنتيها طرد الشحوب تماما بينما ظهرت الابتسامة على وجهه مُكتمِلة ماكرة قائلا:
_بالمناسبة، أنتِ مدينة لي بترجمة!
عقدت حاجبيها بدهشة متسائلة:
_م..ماذا؟!
تظاهر بالحنق وهو يعود برأسه إلى الخلف قائلا:
_” أنا لا أفهم ما الذي يحدث لي، لكنني أفكر بك طوال الوقت، هلا خرجتِ من عقلي قليلا كي أستطيع التركيز بعملي يا مشعثة؟!”
ألم أطلب منكِ ترجمة تلك العبارة سابقاً؟ الخدمة لديكم سيئة للغاية وسأرفع شكواي للمدير.
الوجنتان تزدادا تورداً، والقلب يرقص بصخب، ولا تجد ردا فيعاود هو هجومه بلا رحمة، قائلاً بخفوت:
_لكن هناك تعديل بسيط: الآن فهمت ما الذي يحدث لي، ولا أريدك أن تخرجي من عقلي أبدا يا مشعثة!
ونبرتها خرجت متظاهرة بالحنق تخفي فرحة عارمة وخجلاً هائلاً:
_كُف عن مناداتي بالمشعثة!
رفع أحد حاجبيه يغيظها:
_لكنِك بالفعل كذلك!
وقبل أن تقتل فرحته برد مستفز آخر أخرج من جيب سترته شيئا وقدمه إليها، نظرت لكفه بفرحة ثم رفعت أنظارها له متسائلة بغباء:
_ما هذا؟
ليجيب متظاهرا بالدهشة:
_إنها إحدى أنواع الحلوى الشهيرة يطلقون عليها اسم الشوكولاتة، ألم تتذوقي مثلها من قبل؟ لحظة! ألم أحضر لكِ مثلها من قبل يا جاحدة؟ هل ستنكرين ما أقدمه لكِ بدءاً من الآن؟!!
وهربت منها ضحكة خافتة ليبتسم هو مرددا بهمس _متألم للغرابة_ أثار رجفة بكامل جسدها:
_قاتلتي أنتِ يا رهف! يوما ما ستكونين قاتلتي!
بلهجة ملهوفة ردت وهي تهز رأسها رفضاً:
_بعيد الشر عنك ساري، حفظك الله وأدامك.
وعادت النظرات الصامتة بينهما حتى قطعتها هي بتوتر:
_اسمع ساري! سأطلب منك طلبا، لا تأتِ إلى هنا ثانية، أنا.. أنا لا أريد أن يتحدث عني أحد بـ..
رنت في أذنيها العبارة الصارمة الخافتة مقاطعة:
_أويجرؤ شخص على مَسِّك بسوء؟! أنتِ منذ الآن تنتمين إليّ أنا رهف، وقريبا سيعلم الجميع بذلك، ستصبحين لي قلبا وقالبا!
ثم ضيق عينيه بحذر وهو يدقق بذراعها المستقيمة وسألها:
_لماذا تحملين كل أغراضك بذراع واحدة، ولماذا ذراعك الأخرى متصلبة هكذا؟!
نظرت له بِتوجس وهي تفكر… عيب آخر ساري! نقص آخر وعلة أخرى ملتصقة بي؛
وتوترت ملامحها وهي تشعر بقلق يكتنفها، ثم تهربت بعينيها للحظات بينما هو منتظر إجابتها باستغراب فَرَفَعت رأسها وبِحذر خاطبته:
_لدى ذراعي اليسرى عادة، إن طرأ عليّ شيء جديد، خبر محزن، أو صدمة ما، تتوقف عن الحركة بضعة أيام ثم تشفى وحدها بالتدريج.
وازداد قلقُه بعينيه وهو يسألها باهتمام:
_وماذا قال الطبيب؟
هزت كتفها الأيمن بلا اكتراث مجيبة:
_سببها نفسيا، ليس لها علاجا موضعيا.
حدق بها بضعة لحظات صامتا ثم بعينيه المبتسمتين بحنان وعدها:
_سأهتم بنفسي مستقبلا على ألا تعاودك تلك الحالة، هذا وعد مني!
أومأت برأسها والتوتر يكاد يقتلها، وبدون أن تلقي عليه سلاما رحلت وبلوح الشوكولاتة متشبثة!
**********
استقلت المقعد المجاور له بعدما أحكمت حزام الأمان حول جذع ابنها بالمقعد الخلفي بينما صاح الصغير مُهللاً :
_اشتقت إليك أبي.
التفت إليه مطلقا قبلة طائرة وهو يرد:
_وأنا أيضا إياد، اشتقت لكما جدا.
تظاهرت بعدم الاهتمام وهي تتطلع إلى الخارج من النافذة فبادرها بنبرة مُتمَهِّلة:
_كيف حالك مَوَدَّة؟
بنبرة لامبالية ردت:
_أنا بخير، الحمد لله.
انطلق صوت إياد المتحمس:
_هل هذه سيارتك الجديدة أبي؟
وبفرحة لم يحاول إخفائها رد عَمَّار:
_نعم إياد، ما رأيك بها؟
مط الطفل شفتيه وهو يجيبه بينما يدور بعينيه في أنحاء السيارة:
_سيارتك الأخرى كانت أكبر!
فصاح به معترضا:
_لكن هذه لونها أزرق!
وكأن تلك الإجابة كانت كافية لإياد الذي لمس فخر والده الشديد باقتنائها، بينما اختلست مَوَدَّة النظرات له بجانب عينيها مندهشة.
أفقد عَمَّار رشده أم ماذا؟! أين العابس الكئيب الذي يقطر حزنا وألما؟! أكل تلك الفرحة لأنه غير سيارته! عوجت شفتيها بلا رضى وهي تعود إلى مطالعة الخارج بينما انهمك عَمَّار وإياد في حوار ما حتى انتبهت إلى عبارة إياد:
_اليوم جعلتنا الآنسة رهف نكتب اسمائنا باللغة الإنجليزية على السبورة.
نظر كلا من عَمَّار ومَوَدَّة لبعضهما ثم التفتت مَوَدَّة تخاطب ابنها:
_وهل كتبت “إياد” بطريقة صحيحة؟
رد الطفل بفخر:
_بل كتبت اسمي كله، ويبدو أن الآنسة رهف كانت فخورة بي بشدة حيث نادتني أنا وحدي وجعلتني أعيد اسمي أمامها كاملا.
ثم صمت الولد غير مدرك لتصلب والديه فاستدرك بنبرة معتذرة:
_آسف أبي، أعلم أنك طلبت مني أن أعلن أن اسمي إياد عَمَّار الناجي، لكني لم أرغب بأن تعتقد الآنسة رهف أو أصدقائي أنني لا أعرف اسمي كاملا.
ردت مَوَدَّة بنبرة حاولت إخفاء القلق بها:
_لا عليك إياد، أنت ولد مجتهد وبالتأكيد الآنسة رهف فخورة بك.
عم الصمت السيارة طوال الطريق وعَمَّار يقود عابس الوجه بعقل مُزدحِم بالأفكار والأسئلة..
ما شعورها عندما اكتشفت صلة قرابتها بابنه؟ ما رد فعلها تجاهه؟ أهناك أمل في أن يتسبب إياد في التقريب بينهما؟
ظل شارداً حتى وصلوا إلى الشقة الجديدة، انطلق إياد يتأمل أركانها بحماس ، بينما بحثت مَوَدَّة عن عَمَّار لتجده جالسا فوق الأريكة بغرفة الجلوس واضعا رأسه بين كفيه، اقتربت منه وجلست بجواره تطالعه بإشفاق ثم بادرته:
_كنت تعلم عَمَّار أنها ستدرك وجودك حولها إن آجلا أو عاجلا، ولهذا اقترحت عليك أن تجعلها تتعرف على إياد أولا.
وبصوت مكتوم رد:
_لكني لست مستعداً مَوَدَّة، لن تتقبلني الآن.
وبدون إدراك أمسكت بكفيه تبعدهما عن رأسه وهي تهتف به بحزم:
_اسمع عَمَّار! أبوك قد ظلم أختك لسنوات، زوجة خالها وابنتها ظلمنها لسنوات، المجتمع كله ظلمها وسيظل يحاسبها بسبب ذنب لم ترتكبه إلى الأبد، أنت أخوها الأكبر والأحق بالدفاع عنها واستجلاب حقها من الجميع، أنت لن تعود الآن لتلك الحالة من التردد والضياع.
صمتت لتجتذب شهيقا عميقا ثم تابعت بِقوة:
_لقد تغيرت يا عَمَّار، تركت أبيك، تخلصت من سطوته، تخلصت من سيارته الرمادية الباهتة، أنت بدأت في بناء شخصية قوية مستقلة تخصك وحدك فلا تتراجع أبدا، اجعل أختك فخورة بك، واجعل ابنك فخور بك!
حدق في عينيها الجميلتين بتدقيق يتشرَّب الحزم المُنبثِق منهما وهو يسألها بخفوت:
_وأنتِ! أتفخرين بي مَوَدَّة؟
بابتسامتها الجميلة ردت مؤكدة:
_بالطبع! ليس من الشائع أن ينتفض رجل بسبب الظلم فيستبدل كل المال والقوة ويبدأ مجددا، ولا القصر الكبير بتلك الشقة المتوسطة.
وبنبرة مازحة أضافت:
_ولا السيارة الرمادية الفخمة بتلك الزرقاء الرياضية!
سألها بقلق:
_ألا تعجبك الشقة؟ أعلم أنني كان يجب عليّ طلب رأيك بها أولا لكنني أردت أن أفاجئك.
تظاهرت بالحنق مجيبة:
_وهل استطعت أن أتفحصها؟! أنا لم أر أبعد من تلك الغرفة!
لم يستجب لمزاحها وهو يدقق النظر بها قائلاً:
_أتعلمين؟! حينما اكتشفت وجود رهف كنت أدرك تماماً ردة فعل أبي وأمي الرافضة وتجهزت لذلك وهيأت كل شيء لاستقلالنا، توقعت أيضاً قلق تغريد وترددها، لكنني لم أهتم.
صمت للحظات يتأمل جمال وجهها وتابع مُكملاً:
_ما كان يُثير خوفي هو موقفك أنتِ، لأجدني أعترف لنفسي بأنه الوحيد الذي عليّ القلق بشأنه.
ارتسمت الدهشة على وجهها فأضاف هو حازماً:
_وحينما أخبرتك اعتقدت أنني سأمنحك الاختيار، لكنني أدركت أن لا خيار في وجودك معي، ليس من أجل إياد فقط، بل لأنني لا أقوى على البقاء دونك مَوَدَّة.
ولما انعقد لسانها في حلقها ابتسم لها متجولا في ملامحها ثم همس:
_أين كنتِ من قبل مَوَدَّة؟ بل أين كنت أنا؟
لم تجد إجابة مناسبة، خاصة وهو ينظر إليها بتلك الطريقة التي لطالما حَلِمَت بها..
وخاصة وهو يزداد اقتراباً منها بطريقة تُنذِر بالخطر!
فأشاحت بوجهها بتوتر قائلة:
_آ.. سأذهب للداخل كي أرتب أغراض إياد، بعد إذنك!
وانتفضت متهربة من نظراته التي لم تعتدها منه أبدا متسائلة عن مدى صحة قرارها بمساعدته في استعادة أخته..
أما هو فقد ظل مُحدقاً في إثرها والأمل ينبت بقلبه بلا قيود؛
لقد كان خائفاً أن تتخذ مَوَدَّة نفس موقف والدته وتنبذها وترفض ظهورها؛
كان متوقعاً أن تبتعد مصممة على الطلاق إن تسبب بالفضائح رغبة منه في إعلان أخوته لرهف؛
لن ينس أبداً صدمته ذلك اليوم في فيلا والدها عندما أخبرها عن الحقيقة قلِقاً، فنهرته لانتظاره كل ذلك الوقت قبل أن يضم أخته إليه!
وهي..
تعلم أن قلبها سيتضرر أكثر بقربه، لكنها لن تتخذ موقفا سلبيا تجاه تلك المسكينة التي أدركت سبب نظرتها الضائعة بالمرة الوحيدة التي التقتها بها.
…….
وبعد أن رتبت أغراض ابنها بغرفته اتجهت إلى الغرفة الصغيرة التي عزمت على جعلها غرفتها، وبينما هي منشغلة بترتيب ملابسها بخزانتها إذا به يدخل رامقا إياها بدهشة هاتفا:
_ماذا تفعلين مَوَدَّة؟ الغرفة الرئيسية بآخر الممر، هذه غرفة إضافية لرهف ما إن تأتي لتقيم معنا.
حدقت به كأنه أبله فبادلها التحديق باعتقاد مماثل، لكنها ردت أخيرا:
_أعلم أن غرفتك بآخر الممر، تلك غرفتي أنا، سنحاول تدبير الأمر عندما تأتي رهف.
أغمض عينيه مدركا ما تناساه في خضم الأحداث الأخيرة، ليفتحمها زافرا بيأس وهو يتقدم منها بتمهل، حتى توقف أمامها مرددا بنبرة مشددة:
_اسمعيني جيدا مَوَدَّة! أدرك تماما أن بدايتنا لم تكن طبيعية، أدرك أنني ظلمتك كثيرا، وأدرك أنكِ تحملتني لسنوات، وأنا الآن أرغب ببداية جديدة بجميع أركان حياتي، وخاصة معِك!
نظرت له بصدمة فبادلها النظر بتصميم، لكنها ما لبثت أن دمعت عينيها قبل أن ترد رافضة:
_لا أستطيع عَمَّار، لا أستطيع أبدا، أعذرني! إن كان أمر قلبي ليس بيدي فأنا لن أقوى على خذلان كرامتي أكثر.
توقفت لبرهة تستنشق أنفاساً تحتاجها بشدة ثم تابعت بألم:
_ سبعة سنوات عَمَّار، سبعة سنوات من الترقب والانتظار، من الحُلم والتمني والتخيل، لقد كان قلبي يئن متوسلا إياك كل ليلة أن تسمعه وتشعر بآلامه، لكنك صممت أذنيك عنه حتى ما عاد ينتظر أو يأمل أكثر، والآن أنا لا سلطة لي على عقلي الذي يرفض وجودك بصفة أبعد من الصديق ووالد الابن، آسفة عَمَّار، آسفة!
وانتقلت الصدمة إليه وهو يُحدِّق بها..
لقد انذوت الوردة العسلية وذبلت بسبب انعدام بصيرته وبصره؛
أهذه هي مَوَدَّة التي كانت ضحكاتها طفلة تسعد يومه؟!
وكانت مكائدها مراهقة تثير أعصابه وتلقي ببعض الحركة في مياة حياته الراكدة؟!
ما الذي فعله بها؟ وكيف أطفأ الأمل بعينيها بمنتهى قسوته؟!
أحاط وجهها بكفيه وهو يرمقها بتصميم قائلا بهدوء:
_اسمعيني أنتِ جيدا مَوَدَّة، أعلم أن أخطائي بحقك طوال تلك السنوات لن تُمحى بلحظة، أعلم أنكِ عانيتِ معي وبسببي كثيراً في صمت، وأعلم أنكِ تحملتِ انفصالنا الغريب وحياتنا الفارغة الجافة بصبر تام، وبالرغم من ذلك فقد قررتِ مساعدتي حتى أجتمع بأختي.
صمت لوهلة ثم اتسعت عيناه بتحذير مُستكمِلاً:
_لا تظني مَوَدَّة أنني سأتركك، لا تظني أنني سأسمح لكِ بالابتعاد عني.
صمت ليزدرد لعابه ثم قال بخفوت يصرخ بالصدق:
_أنتِ يا مَوَدَّة لا تعلمين كيف شعرتُ أنا عندما خلا المنزل منكِ، لقد اكتشفت أنني سلمت بوجودك بحياتي لسنوات غير مدرك لأهميتك لدي حتى فقدتك.
وتوقف قليلا ملتقطاً أنفاسا هاربة ثم أردف بصوت مبحوح:
_يوم تركتِني فقدتُ أنا روحي، ولم تعد إليّ إلا بعودتك، أنتِ روحي، أنتِ حقا روحي ولديّ غالية!
أغمضت عينيها وهي تحاول استيعاب ما قاله للتو..
“لا تستيقظي الآن أرجوكِ!”
“لا تهدري تلك اللحظات الاستثنائية!”
هكذا توسلت نفسها معتقدة أنها بداخل حلم جميل، لكنه نزع يديه عن وجهها ففتحت عينيها لتطالعه وهو يبتعد للخلف خطوات مبتسما بتوتر هاتفا:
_لكن أنا لن أضغط عليكِ، لن أطالبك بقرب لا تريدينه الآن، سأصبر مثلما صبرتِ أنتِ، ومن أجلِك وحدك سأنتظر!
ثم أردف بِجدية زائفة:
_عندما تنتهين من الترتيب تعالِ لأخبرك بالقرار الذي اتخذته.
أدركت الآن وهو يخرج من الغرفة أنها بالفعل مستيقظة، لقد كان عَمَّار للتو هنا، يخبرها أنه افتقدها، يخبرها أنها روحه وأنها_كما تمنت طوال عمرها_ لديه غالية!
**********
“أحياناً أخاف من عينيك ساري!”
أجفل وهو ينظر إلى أمه التي خاطبته بهدوء بينما تمد يدها بكوبا من الشاي، أخذه منها مقبلا يدها بامتنان فربتت فوق شعره بحنان بالغ بينما ارتسمت الشقاوة المحببة بعينيه وهو يرد مازحاً:
_ليس هذا رأي الفتيات أمي، فإنهن يجدن عيني ساحرتين!
وكزته في إحدى كتفيه فضحك باستمتاع لتنظر هي إليه بحب وفخر..
بالرغم من أنه ابنها الأكبر إلا أنه لطالما كان المسئول عن كل ما يخصهم منذ صغره، هو العامود الذي تستند عليه تلك الأسرة، هو حصنها وآمانها.
_ما بك ساري؟ لِمَ أنت شارد اليوم؟
نظر لها بتردد ثم زفر بيأس وقال بهدوء:
_تعلمين أمي أنني أفتديكما بروحي، تعلمين أنكما أغلى ما أملك، وتعلمين أنني في سبيل راحتكما مستعد أن أفعل الكثير مهما كان.
عقدت حاجبيها بدهشة مجيبة:
_أعلم حبيبي بالطبع، حفظك الله لنا!
لينظر في عينيها بتوسل قائلا:
_طوال سنوات عمري وأنا لا أفكر إلا بسعادتكما وتعويضكما عن الحاجة، لكن.. لكن الآن أمي أنا من أريد شيئا ما، وبشدة، بإمكانك القول أنني لن أجد راحة إلا به!
طل القلق من عينيها بوضوح وهي تميل عليه متسائلة:
_أخبرني ساري، ماذا حدث؟ ماذا تريد؟
وبصوت خافت كانت الإجابة:
_أريدها أمي، بكل كياني أريدها!
انشرحت ملامح أمه ببسمة متشوقة ثم هتفت:
_إذن أنت لم تكن تمزح! هناك فتاة بالفعل؟
ليومىء برأسه بجمود مرددا:
_هناك فتاة أمي.
فازدادت سعادة ملامحها وهي تهتف به:
_الحمد لله! أخيرا سأحضر زفاف أحد أبنائي!
وقبل أن تستغرق في فرحتها عاجلها ساري بصوت قلِق:
_هناك مشكلة أمي!
انعقد حاجبيها بوجل وهي ترمقه فتابع مفجراً مفاجآته مرة واحدة:
_الفتاة كانت تعيش مع خالها، والآن تقيم وحدها، أمها متوفاة منذ زمن، وأبوها لا يعترف بها!
**********
كانت تدور في غرفتها والحيرة تقتات على مشاعرها، أيعقل أنه بالفعل يحبها؟ هو لم ينطق لكن عيناه أقسمتا بها!
لم تتخيل بحياتها أن ينظر لها رجلا بذلك العشق خاصة إذا أدرك مصيبتها، أيعقل أنها من الممكن أن تحصل على مستقبل معه؟
بيت بسيط؛
زوج رائع؛
أطفال صاخبين بعيون خضراء وأهداب مشعثة!
ضحكت بسعادة وهي تغرق في بحور تخيلاتها، حينما انتشلها منها صوت رنين جرس الباب الضعيف..
“بوقتك تماما خالي صلاح !”
هكذا هتفت وهي تحيط وجهها بحجابها بعشوائية تحسباً ثم انطلقت إلى الباب وفتحته مبتسمة بسعادة غامرة لكنها بلحظة تسمرت:
_مرحبا رهف!
ضيقت عينيها بشك وهي تدقق النظر بالزائر، ثم ما لبثت أن أدركت أين رأته من قبل فشحب وجهها على الفور..
وبنبرة مرتعدة تساءلت:
_إنه أنت! ماذا تريد مني؟! وكيف تجرؤ على الحضور إلى هنا؟
ازدرد لُعابه بارتباك، وبابتسامة حنونة مشتاقة شابها توسل، أجابها:
_أنا عَمَّار الناجي، أخوكِ!

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية أحببت ملتزمة الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم ملك أحمد – مدونة كامو - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top