رواية سكن روحي الفصل الثاني 2 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

الفصل الثاني: (الجزء الثاني)
عودة إلى الوقت الحالي:
“الهاتف الذي طلبته غير متاح حاليا، من فضلك حاول الاتصال في وقت لاحق!”
تأففت بضيق وهي تلقي بهاتفها القديم على الطاولة الممتدة أمامها بعد أن استمعت لنفس الرسالة عشرات المرات، جالسة في أحد أركان غرفة الاستراحة بالمعهد تتناول شطيرتها بهدوء وهي تحاول تدبُر طريقة تحصل بها على بدائل للكتب التي سُرقت منها، لقد مر أسبوع منذ وقعت السرقة والوضع خلال الحصص أصبح فوضوي للغاية، لكنها لن تكون متشائمة، فقد رُزِقت بنعمتين خلال تلك الأيام، أولهما أن تلك الذراع ذات المزاج المتقلب عادت وحدها للعمل بشكل كامل، وثانيهما أنها لم ترَ مُلاحِقها، صحيح هي لا تعلم إن كان يتصل بها على الرقم القديم أم لا لكنها لم تره عند مسكنها أو مكان عملها، وهذا بحد ذاته إنجاز هام، كي تكتفي الآن بالتفكير في حل لمشكلة وسائل عملها الضائعة.
رنين ضعيف من هاتفها شديد الصغر جعلها تضع شطيرتها جانبا وهي تتناوله بملل،”بالتأكيد هي رسالة من شركة الاتصالات تعرض عليها الاشتراك في خدمة ما!” هكذا فكرت وهي تفتح الرسالة لتتسع عيناها بذهول، بالفعل هي رسالة من شركة الاتصالات، لكن النص مختلف!:
“الرقم الذي حاولت الاتصال به أصبح متاحا الآن!”
قفزت واقفة تتلفت حولها بلا هدف ثم انتبهت إلى حماقتها، بأنامل مرتبكة طلبت رقمها القديم لتتسع
عيناها بترقب فَرِح وهي تسمع صوت الجرس الرتيب على الطرف الآخر يشدو في أذنها كسيمفونية عذبة!
“أجب! أرجوك أيها اللص أجب!”
ظلت تهمس بتضرع حتى انقطع الاتصال فلم تيأس لتعيده مرة ثانية، ثم ثالثة، وفي الرابعة انفتح الخط!
_انتظر أرجوك لا تغلق!
بادرته بلهفة ثم تابعت بتوسل:
_اسمع! لا أريد النقود التي كانت بحقيبتي، وأعلم أيضا أنك لن تعطيني الهاتف بالطبع، لكن أرجوك أعطني الكتب!
نبرة رجولية هادئة أجابتها:
_أي كتب؟
ازداد التوسل في لهجتها وهي تجيبه:
_الحقيبة كانت تحتوي على كتب تخص عملي، ودفتر ملاحظات هام بالنسبة لي للغاية، لا أريد سواهم.
ببطء ونبرة أيقنت أنها باسمة جاء الرد:
_نعم.. الكتب ودفتر الملاحظات، ماذا تريدين أيضا يا آنسة؟
ضيقت عينيها وَرَدَّت بحذر:
_إن كنت ستعطيني بطاقتي الشخصية سأكون أكثر من راضية.
أجابها بتأكيد:
_طبعًا! طبعًا! وماذا عن نصف لوح الشوكولاتة؟ ألا تريدينه أيضا؟
بدهشة سألته:
_هل لا يزال هناك؟!
ثم استدركت بصرامة مصطنعة:
_اسمع! أنا لا أسمح لك بالسخرية مني، أخبرتك أني سأترك لك الهاتف والنقود، أريد الكتب فقط.
رد بضيق شعرت أنه مفتعل:
_هل تعلمين أن شاشة هاتفك كانت محطمة؟! وأنها كلفتني مبلغا وقدره كي أبدلها وأستطيع تشغيله؟
هتفت به بحنق:
_أعتذر من سيادتك أيها اللص، سأدفع ثمنها لك، انتظر لحظة! أنت بالفعل معك كل نقودي، تستطيع أن تخصم منهم ما تشاء.
ضحكة رائقة طالت للحظات تبعتها حمحمة ثم عبارة خافتة:
_لِمَ لا تنفكِين تسألين عن الكتب؟ هل أنتِ طالبة؟
بارتباك أجابته:
_إنها مهمة لعملي، أنا مُعلمة.
عم صمت قصير استطاعت من خلاله سماع صوت تقليب صفحات، لتتيقن أنها كتبها، ثم تحدث هو بهدوء:
_”قواعد اللغة الإنجليزية”، “مفردات شائعة باللغة الإنجليزية”، “نساء صغيرات”!! هل يدرُسون تلك الرواية المملة؟! إنها منذ أيام جدي، ألا يتطورون؟!
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية وهي تسمعه يقرأ عناوين كتبها بلكنة أجنبية طليقة..
لص مثقف إذن! أمن الممكن لحظها أن يصبح أكثر غرابة؟!!
_إنها خاصة بي أنا!
هتفت بحزم ليرد هو بنبرة متحرجة بعد بضعة لحظات:
_آسف، إنها رواية رائعة بالطبع لمن يُقدِّر فنون الأدب.
نفضت رأسها تفتعل جدية هاربة ثم هتفت بِنفاد صبر:
_والآن ماذا؟! هل ستعطيني كتبي؟
تظاهر بالتفكير ثم رد بعتاب:
_أتطلبين مني أن أوافق على تسليمك كتبك حتى تقومي بإبلاغ الشرطة عني وأقضي سنوات شبابي في السجن أليس كذلك؟! أتعتقدين أنني بتلك السذاجة؟!
ردت بلهفة متوسلة:
_أقسم لك أنني لن أبلغ الشرطة أبدا، أنا لا أريد التورط مع أمثالك، فقط اترك لي كتبي بأي مكان ولن تسمع عني مرة أخرى.
عقب بدهشة:
_لا تريدين التورط مع أمثالي؟! شكرا لكِ آنسة ، شكرا جزيلا ، ألا يندرج قولك هذا تحت بند التنمُر؟ أهذا ما تعلمونه للجيل الصاعد؟!
ضغطت أسنانها بغضب وهي تدق على رأسها بكفها لاعنة تهور لسانها:
_آسفة جدا يا أستاذ، أرجوك أنا أحتاج تلك الكتب بشدة ولا أستطيع الحصول على بدائل لها.
والضحكة الرائقة عادت أقوى وأطول وعاد معها ارتباكها وهي تنتظر انتهاءه بأدب:
_أتعلمين؟! _ولا أتعمد ازعاجك_ اسمحي لي أن أقل لك أنكِ ضحية لقطة!
عقدت حاجبيها بدهشة ولم ترد فتابع هو بصرامة هادئة:
_أنتِ في موقف الحق، لا يجب عليك أن تتوسلي، أملي شروطك ولا تخضعي لأحد حتى وإن كانت أحلامك كلها متعلقة به.
عم الصمت مرة أخرى ليستدرك بنبرة مرحة:
_والآن كيف ستتسلمين حقيبتك بما فيها ؟
سألته بِترقب:
_هل تعني أنك ستعطيني الحقيبة مع الكتب والـ….
قاطعها بلهجة باسمة:
_ والنقود والهاتف ودفتر الملاحظات، لكنني سأعتبر نصف لوح الشوكولاتة هو تعويضي عن إصرارك على اتهامي بالسرقة!
بنبرة دهشة مرتبكة أجابته:
_أتعني أنك لست لصا؟!
استطاعت سماع زفيره الحانق الذي سبق تحدثه بنفاد صبر:
_أقسم لكِ يا آنسة رهف أنا لست لص، بل أنا مهندس محترم ولدي نصيب بشركة مرموقة.
تسللت ابتسامة رقيقة رغما عنها إلى شفتيها وهي تجيبه باستفسار أحمق:
_كيف عرفت اسمي؟!
لتتسع تلك الابتسامة أكثر وهو يحدثها بلهجة خافتة أثارت بها قشعريرة غريبة:
_بطاقة هويتك الشخصية بين يدي الآن آنسة رهف!
ساد صمت غريب قطعه هو بحمحمة متوترة:
_إذن كيف ستتسلمين أغراضك؟
وقبل أن تفكر بادرها:
_هل آتي إلى العنوان المدون على البطاقة؟
وبذعر نهته مُسرِعة:
_لا لا، أنا لم أعد أقطن بذلك العنوان، ولا أريد أن أرهقك معي، أخبرني بأقرب مكان إليك، أستطيع أن أحضر إلى مكان عملك، إن لم أكن سأتسبب في تعطيلك بالطبع.
أجابها بتهذيب:
_أنتِ لن تعطليني عن شيء، سأنتظرك غدا بالعنوان الذي سأرسله إليك على هذا الرقم، اتفقنا؟
بانقياد تام أجابته:
_اتفقنا!
**********
شارد الذهن منذ دقائق يجلس بِمكتبه ولا يستطيع تحليل ماهية مشاعره، وفجأة فُتِح الباب دون استئذان وانطلق هتافها المُصمم على الفور وهي تدلف :
_يجب أن أتحدث معك!
ألقى القلم الذي يمسك به بطول ذراعه ليصطدم بالجدار البعيد وهو يحدق بها بغضب ويهب واقفا هادراً بها:
_من سمح لكِ بالدخول إلى مكتبي؟! أين هي تلك السكرتيرة الـ…
قاطعته سارة التي دخلت لتوها تنظر إليه شزرا:
_أنا من أدخلتها عاصم، ويفضل أن تخفض صوتك قليلا كي لا يستمع الموظفون.
ثم أضافت بنبرة خافتة سمعها الاثنان:
_يا خسارة تربية سوسن بك!
استشاط غضبا وتحرك من خلف مكتبه متجها إليهما فتخصرت سما وهي تقف أمامه رافعة ذقنها بتحدي ثم هتفت:
_ماذا ستفعل؟ هيا أرني! لقد حصلت على الحزام الأسود في الكاراتيه منذ سنوات ولم تسنح لي الفرصة للاستفادة به بعد، ولكم أتشوق للتجربة، خاصة إن كانت على وجهك المستفز.
لم تستطع سارة كتمان ضحكتها أكثر وهي تتطلع الى ملامح الصدمة على وجه عاصم بينما هو يطالع قامة مواجهته الضئيلة وصاحبتها تناظره بتحدي صارخ، حتى استطاع أخيرا الرد بصوت متحشرج:
_أنتِ..أنتِ فعلا مجنونة!
لتبتسم ببرود وهي تهتف:
_وأنت قليل الذوق، عديم “الإتيكيت”.
تدخلت سارة بشماتة:
_الفتاة كشفتك منذ اللقاء الأول، حتى تعلم كم تحملت أنا لسنوات!
جذب شعره بغيظ وهو يحاول التمسك بالهدوء هاتفاً:
_ماذا تريدين مني؟
ببرود أجابت:
_أريد التحدث معك، وبشأن والدتك التي أنجبتك، السيدة صفاء، وليكن في معلوماتك أنني لن أتزحزح اليوم من هذا المكان إلا بعد أن أنفذ ما جئت لأجله، حتى وإن اضطررت إلى جلب الشرطة لي!
وضعت سارة يدها على كتفي سما برقة ثم نظرت إليه قائلة:
_لن يضيرك شيئ إن استمعت إلى ما لديها عاصم، فقط اهدأ واجلس.
زفر بغيظ وهو ينظر إليها بكراهية بادلته إياها بكل كرَم، فدفعتها سارة برفق لتجلس فوق أقرب مقعد، وعاد هو أيضا إلى المقعد خلف مكتبه، همت سارة بالخروج حتى أوقفها عاصم بحزم:
_إلى أين تذهبين سارة؟
التفتت إليه بدهشة قائلة:
_أنا أعمل في هذا المكان إن كنت لا تعلم!
شدد على حروفه ببرود وهو يرد على سارة لكن نظراته محدقة بسما:
_أنتِ لن تخرجي وتتركيني معها!
لم تحد سما بعينيها عنه وهي تبتسم بتحدي قائلة:
_أنا لن آكلك، لا تخف!
مسح وجهه بكفيه وهو يزفر نيرانا من صدره بينما ردد بِغيظ:
_يا الله يا ولي الصابرين!!
ارتمت سارة على المقعد المواجه لهما وهي تنظر لسما بتوسل، فارتخت ملامح الأخيرة وهي تنظر إليه بجدية قبل أن تقول:
_استمع إلي مهندس عاصم، أنا لا أعلم سبب القطيعة بينك وبين والدتك، لكنني أعلم أنها تتمنى…تتمنى أن تتواصل معها، تتمنى أن تزورها، هي لم تنجب غيرك وتحتاج الآن إلى وجودك معها، واعتقد أنك لن تتحمل ذنب كقطع رحم أمك وعقوقها.
هب واقفا بغضب:
_ما خصك أنت بما بيني وبينها؟ ثم أنني…..
هبت واقفة تصرخ به:
_أنت لا تخصني بشيء، هي من تخصني، هي من تتعذب، هي من تصرخ ليلا باسمك وكلما ارتفع رنين جرس الباب نادتك بلهفة، كيف تتحمل كونك قاس هكذا؟ أمك مريضة مهندس عاصم، مريضة جدا وتحتاجك بشدة، لا تظلمها أنت ايضا، تناقش معها ربما لديها ما تحتاج إليه، لِمَ اكتفيت بالسماع من طرف واحد فقط؟!لِمَ لا تطالب بالحقيقة كاملة؟
عم الصمت المكان والثلاثة ينظرون لبعضهم بِوجل ودهشة وغضب، كانت سارة أول من تعقل بينهم وهي تنظر له بابتسامة حنونة وتخاطبه بِتشجيع:
_فكر بكلامها عاصم، مهما كان ما حدث بالماضي ستظل هي والدتك وستظل أنت ابنها الوحيد، اذهب إليها وتحدث معها.
التقطت سما طرف الحديث بهدوء:
_أنت لن تخسر شيئا، زيارة عابرة لن تأخذ من وقتك الكثير، ستريحها وسترضي شوقها إليك.
ابتسم ساخرا وهو يردد بألم:
_شوقها إلي؟ السيدة صفاء تشتاق إلي؟ بعد كل تلك السنوات تذكرت وجودي أخيراً؟ أين كانت من قبل؟
لم تجد رَدَّاً مع نظرة التحسُّر بعينيه فَتَابَع هو:
_آسف آنسة سما، تستطيعين إخبارها أن ابنها الذي اكتشفت وجوده فجأة لم يعد بحاجتها ولا ينتظرها، وأن الله قد عوضه بزوجة أب وبأختها فكانتا له التعويض الكافي عن نبذها إياه.
تَعَلَّقت عيناها به بينما نَضَبَت كلماتها بِعجز، تستطيع أن تعاند؛
تستطيع أن تتحداه؛
تستطيع استخدام حدة لسانها ومجادلته حتى الساعات الأولى من الصباح؛
لكن ذلك الصراخ الذي تهتف به عيناه يمنعها، ذلك الخذلان الذي يعانيه يجبرها على احترام رغبته، يجب عليها أن تفكر في حل لمهمتها الصعبة بعيدا عنه، يجب عليها ألا تضغط على جرحه أكثر من ذلك.
تقهقرت للخلف وهي تومىء برأسها إيجابا، وعند الباب التفتت تنظر له بهدوء:
_أعتذر مهندس عاصم، لن أزعجك أو أعترض طريقك مرة أخرى، لكن إن..إن غيرت رأيك تستطيع أن تهاتفني بأي وقت وسآخبرها أنك تريد رؤيتها، رقمي لدى الآنسة سارة، إلى اللقاء.
خرجت مسرعة وهي تشعر بأنفاسها تضيق بصدرها، أما هو فقد طأطأ رأسه وصدره يتعالى ويهبط في تنفس سريع، وبخفوت صارم تفوه:
_أريد أن أظل بمفردي سارة.
زفرت بحزن وهي تتطلع إلى حالته السيئة، ثم بهدوء خرجت وأغلقت الباب، أما هو فقد جلس مكانه سارحا بعقله في ذكريات بعيدة…
منذ عدة أعوام:
وقف يحدق في وجه والده بصدمة وهو يحاول استيعاب ما أخبره به للتو:
“والدتك لم تعد زوجتي منذ مدة!”
“والدتك لن تعيش معنا ثانية!”
“والدتك ستتزوج بآخر!”
مشاهد متلاحقة وأحداث صادمة، أمه تحتضنه باكية وهي تودعه معتذرة، أبوه يقف رامقا إياها ببرود، خزانة ملابسها أصبحت فارغة، أدوات زينتها لم تعد موجودة، رائحة عطرها لم تداعب أنفه منذ فترة، أدوات طهيها، حكايات ما قبل النوم، حضنها الدافىء، قُبلتها الحنونة على جبهته، كلهم ذهبوا بلا عودة.
ثم..
سنوات مرت وهو بانتظار عودتها إلى أن بدأ بالتدريج يفقد الأمل..
ثم..
امرأة أخرى!! أثاث جديد، ملابس جديدة بخزانة أمه، أدوات زينة جديدة، عطر جديد، أدوات طهي جديدة..
ومحاولة للتقرب.. تفشل!
لبعض المشاركات في المذاكرة.. تفشل!
لقُبُلات على الجبهة..
تفشل!
وتفشل!
ثم رضيعة صغيرة تصرخ بصوت حاد!!
أبوه: “احملها عاصم إنها أختك!”
_لا أريد!
زوجة أبيه: “ما رأيك إن سميتها أنت؟!”
_لا أهتم!
أبوه: “كان يقول دائما إنه إن رُزِق بأخت ستكون مريم.”
زوجة أبيه: “إذن هي مريم!”
وعندما أصبحت تلك الرضيعة بعمر الثالثة اضطر أبوه وزوجته للسفر لآداء واجب العزاء في أحد الأيام..
الصغيرة شقية كالعفاريت! تقفز هنا وهناك ولا تترك شيئا بمكانه! لا تطيعه ولا تسمح له بالتركيز في دروسه، جرى خلفها فهربت إلى المرحاض، أمرها بفتح الباب فعاندته، لينتقم منها ويوصد الباب!
طرقات ضعيفة متتالية وهو يبتسم من خلف الباب بتشفِ، ثم صوت ارتطام!!
تسمَّر بمكانه لثوان يحاول تخمين ماهية الصوت الى أن ضربت الفكرة عقله في مقتل..
المغطس المليء بالمياه حرصا منهم على الاحتياط منه في حالة انقطاعها..
وبلهفة فتح الباب وهو يجد أخته تنازع للحصول على بعض الأنفاس!
تسمر مرة أخرى مكانه محدقا بها…
هل أصبح قاتلا؟!
هل قتل أخته؟!
وانفتح باب الشقة..
وصراخ من زوجة أبيه وأبوه يدفعه ليحمل طفلته التي لا تأتِ بأية حركة، ولِثوانِ أخذ ينعشها باستماتة وعندما سعلت أخيراً استدار إليه ليصفعه.
طأطأ رأسه راضيا بالمزيد فجذبته زوجة أبيه من أمامه تحتضنه رغما عنه وهي تمسد على ذراعه بحنان، وتوبخ أبيه بغضب!
ومنذ ذلك اليوم..
لم يعد عطرها يضايقه!
أصبح هو من يبادر باحتضانها وتقبيلها وطلب الاستماع إلى حكاياتها!
إلى أن فقدها وهو في عمر الرابعة والعشرين بعد صراع مرض غادر أهلكها ثم اختطفها تاركة بعدها طفلة، وتاركة إياه يتيما للمرة الثانية!
لتتسلم القيادة الأمومية من بعدها أختها الخالة سوسن، نعم هي ليست خالته بالمعنى الحرفي لكنها أخت حبيبته التي رحلت..
**********
عودة إلى الوقت الحالي:
_هل جننت يا شروق؟!
هتف بها صلاح ثم خرج من غرفته مناديا ابنته التي جائته خائفة:
_نعم أبي؟
نظر لها بغضب هاتفاً:
_هل سمعتِ بالهراء الذي تتفوه به أمك؟ تريد أن تعرض عليك عريس وعدتك لم تنتهي بعد!
نقلت دينا نظراتها بين أبيها وأمها التي تقف خلفه بترقب ثم قالت بتردد:
_نحن لم نقل أنني سأتزوج غدا أبي، هو مجرد تعارف بسيط.
تحدثت شروق بحنق:
_أخبريه دينا، لقد جعلني أشعر أني اصطحب المأذون في يدي!
فغر أباها فاهه دهشة وهو ينظر إليهما بالتبادل ثم صاح:
_أنتِ موافقة إذن على ذلك السخف؟! وبالطبع تعلمين أن عريس الغفلة يصغرني أنا ببضعة أعوام، ولديه أربعة أولاد أكبرهم يقارب سنك!
وعندما طأطأت كلتاهما رأسها أخذ يضرب كفيه ببعضهما وهو يحوقل ويستغفر ثم حدثها بمهادنة:
_لله الأمر من قبل ومن بعد، أتريدين فعل ذلك بنفسك ابنتي؟ لِمَ التعجل؟ انتظري قليلا عسى الله أن يرزقك بشاب في مثل سنك.
انتفضت دينا صائحة:
_لقد تزوجت من قبل بمن هو في مثل سني أبي، وماذا كانت النتيجة؟
صاح بها أبوها:
_ماذا كانت النتيجة دينا، أخبريني! أريد أن اعرف ماذا حدث، أعلم أن هناك ما تخبئينه عني خوفا لأنكِ تعلمين أنكِ مخطئة، حمزة أيضا لم يشأ إخباري مُصِرَّا على عدم التحدث في أسرار تخصكما، هل هذا هو من تندمين على زواجك به؟ أليس هو نفسه من كدت تطيرين فرحا يوم تقدمه لخطبتك؟
_ هتفت دينا بغضب:
_لقد أخطأت! نعم أخطأت حينما اعتقدت أن عمله كطبيب يُدر عليه العديد من الأموال واكتشفت أن مستواه مماثل لنا تماما، لن يضيف إليّ شيء، وليزيد الطين بلة علمت أنه يعطي أموالا لوالده وما خفي كان أعظم، وأنا لم أتزوج كي أعيش بنفس الظروف المادية الخانقة، أريد أن اتمتع بشبابي وبجمالي مع من أسعد معه.
نظر لها صلاح بخيبة أمل مشوبة بازدراء:
_ماذا به مستوانا دينا؟ هل قصَّرت معك بشيء؟ هل قصَّر حمزة معك بشيء؟ لقد كنت أرى بنفسي مدى كرمه وطيب أصله وإيثاره إياكِ على نفسه، ثم ماذا إن كان ينفق على أهله؟ ما خصك أنتِ؟! هل كنتِ تريدين الزواج من أحد العاقين الذين يتنكرون لأهلهم؟! كيف ومتى أصبحتِ طماعة وحقودة بذلك الشكل ابنتي؟
تدخلت شروق بغضب:
_من حقها صلاح أن تعيش مرفهة، وان كان هو يـ…..
صاح صلاح بها بثورة:
_اخرسي أنتِ! ألا تملين؟! ألا تتعبين من تلك السموم التي تسكن جلدك؟ ألا تريدين أن ننعم براحة وسلام مطلقا؟! كفي عن بث أحقادك في أذني ابنتك وإلا أقسم أنني لن أهتم لِسِنِّك وسأجعلك تكرهين حياتك.
ثم التفت إلى ابنته صائحاً بصرامة:
_وأنتِ! لا تفكير في زواج آخر إلا بعد انقضاء عدتك، لعلك تكونين قد تعقلتِ حتى ذلك الوقت.
ثم دخل إلى غرفته صافعا بابها بقوة أتبعها بصوت دوران المفتاح لإيصاده تماما في رسالة صامتة بأن تقضي شروق ليلتها على الأريكة.
**********
منذ ست سنوات ونصف:
وقف أمام غرفة العمليات مُتسمراً بِخوف وهو يولي أمه وأخته وخالته ظهره، وعلى الجانب الآخر يقف والده بعد أن هاتفته أمه صارخة به بغضب ومهددة إياه إن حدث شيء لمَوَدَّة بسببه.
مَوَدَّة!!
آآآآه يا مَوَدَّة!
ماذا فعلت بكِ أنا؟ ولِمَ تصبرين على ذلك الوضع؟ ما الذي أظهرك بحياتي الآن وأنا أعاني من التشتت والضياع؟! ما ذنبك كي تتحملي ذلك الألم من أجلي؟ ما ذنبك أن تحبي وتتزوجي وتنجبي طفلا من ضعيف مثلي؟
وعلى ذكر طفله ارتجف قلبه بقوة، لقد كان يتشدق منذ قليل بعدم اهتمامه به على الإطلاق ، لِمَ يشعر الآن بأنه إن لم ينج بالداخل سيلحق به مُرَحِبَاً؟!
ابتهل هامساً بتوسل:
_لا يا رب، لا تؤذِني فيه، أريد ذلك الطفل، اجعله سالما معافى، واحفظ أمه يا رب.
ثم خرج الطبيب معلنا بإرهاق عن سلامة الطفل رغم ميلاده مبكرا..
وبلهفة بادره:
_وزوجتي؟ كيف حالها الآن؟
ليطمئنه الطبيب بسلامتها فيحمد ربه على استجابته.
وبعد أن جرب للمرة الأولى حمل جزء من روحه بين يديه، اجتاحه حنان جارف ورغبة بالبكاء وهو يراقب خاطر خبيث يرحل مدحورا…
هو لن يكن مثل أبيه مطلقا! لن يظلم تلك العطية ما حيا، سيحبه وسيرعاه، لن يجعل منه صورة مصغرة من ضعفه وخضوعه واستسلامه، وعلى النقيض تماما سيجعل منه الأمان والعضد، هو القوة والتأييد والسند ، نعم هو : إياد!
نظر لها بندم بعد انفراده بها بغرفتها بالمشفى، راقبها تحدق بطفلهما بعينيها الجميلتين، تلاعبه وتُقَبِّله بحنان دامع، صورة اكتشف تلك اللحظة أنه لن يمل من التطلع إليها أبدا..
_مَوَدَّة!
ازدردت لعابها وأجابته بدون أن تنظر إليه:
_نعم عَمَّار؟
_أنا آسف.
بابتسامة ساخرة طالعته:
_علام تأسف عَمَّار؟!، إن كنت اليوم قد حطمت قلبي فقد أراد الله تعويضي في الحال، اذهب عَمَّار!، إن أردت الانفصال أنا ليس لدي ما يمنع، سأكتفي بولدي، سأربيه وسأعلمه ألا يخضع، ألا يظلم، ألا يكسر قلب غيره بحجة ضعفه.
هز رأسه نافيا بلهفة:
_لا مَوَدَّة، أنا لا أريد الانفصال، أريد فقط فرصة كي أعتاد علـ….
وصمت لا يجد تعبيرا لا يجرحها أكثر، لكنه فعل! فقد أكملت هي عنه بشرود:
_كي تعتاد على كوني زوجتك، كي تعتاد على أن أم ابنك ليست هي حبيبتك، لا عَمَّار، أنا لا استحق تلك الإهانة، لقد دفعت ثمن خطأي تجاه نفسي بسبب لهفتي على الزواج بك وكدت أخسر الشيء الوحيد الذي حظيت به منك، لن أجازف مرة أخرى، لن أرتضي المذلة من أجلك ثانية، أنا زوجتك عَمَّار، إن شئت اتركني على حالي وإن شئت طلقني، أنا سأعيش من أجل ابني ولن أنتظرك يوما آخر.
رمقها مليا بألم ثم وقف يناظرها بِشعور غريب، وبنبرة صارمة شدت انتباهها خاطبها:
_أعلم أن ذنبي كبير مَوَدَّة، بحقك وبحق نفسي وبحق غيري، لكنني سئِمت، الآن لدي ما أحارب لأجله، سأحارب ضعفي وخنوعي قبل أن أحارب أبي، وأعدك مَوَدَّة، أعدك أن أتخلص من عَمَّار الذي عَرَّضك لتلك الحالة، لا أطلب منك الكثير، فقط عودي صديقتي وملاذي الآمن!
بادلته التدقيق ، ثم بصوت خافت ردت:
_أنا لا أغفر الخيانة عَمَّار.
ليؤكد بلهفة:
_لم أخنك!
بحسرة أجابته:
_ستخون.
مال عليها بتصميم:
_أقسم ألا أفعل.
دمعت عيناها خوفا من أمل وليد:
_لا تقسم بما لا تستطيع فعله عَمَّار!
وبنبرة مشددة ووعد بعينيه كان رده:
_أعدك ألا أخونك.
لتسأله بعناد:
_وإن فعلت؟
أجابها بنفاد صبر:
_عندئذ يحق لك ما تريدين.
ببطء شددت على كل كلمة:
_ستكون النهاية عَمَّار!
وبلهجة منتصرة زفر بارتياح:
_لكِ ذلك!
وباليوم التالي انفرد بأبيه رغما عنه بمكتبه ليعتقد الأخير أنه جاء ليعتذر، فيفاجئه ابنه بلهجة صارمة باقتضاب:
_أنت أبي لك مني كل احترام، لكنني بدءاً من اليوم لن أسمح لك بالتدخل في أي شيء يخصني أو يخص زوجتي أو ابني، وإن شعرت يوما ما بعدم راحة هنا سآخذ زوجتي وابني وسأستقل بمسكني، فلم يعد بي طاقة كي أتحمل منك أكثر، الآن لدي ابن يحتاج إليّ بكامل قوتي.
وبدون انتظار رد خرج تاركا أبيه يغلي غضبا وهو يتوعده بداخله إن نفذ تهديده ورحل.
**********
عودة إلى الوقت الحالي:
“لِمَ اكتفيت بالسماع من طرف واحد فقط؟!”
“لِمَ لا تطالب بالحقيقة كاملة؟”
العباراتين اللعينتين تأبيان تركه منذ غادرته صاحبتهما بالأمس ، يحاول فهمهما، يحاول فك شفرتهما فلا يستطيع، ماذا قصدت؟ عن أي طرف كانت تتحدث؟
“ماذا بكَ بني؟ بِمَ أنت شارد؟”
التفت عاصم إلى أبيه مُقبِّلا جبهته بحنان ثم ساعده على الجلوس فوق الأريكة الموضوعة بالشرفة وهو يرد:
_العمل والدي، أفكر بأشياء تخص العمل.
ابتسم أبوه بضعف قائلاً:
_لم تستطع الكذب علي من قبل عاصم، عيناك تُقران بالحقيقة دائما.
“الحقيقة!”
“لِمَ لا تطالب بالحقيقة كاملة؟”
مجددا!
حدق عاصم بعينيه مليا ثم ازدرد لعابه قائلا بخفوت:
_وما هي الحقيقة أبي؟ أخبرني؟
نظر له والده بعدم فهم ثم سأله:
_أي حقيقة بني؟
وانطلق السؤال بنبرة هادئة لكنها تشتعل:
_لِمَ تركتني أمي؟
اتسعت عينا أبيه بصدمة فعاجله بسؤال ثان:
_لِمَ انفصلت عنها بالأصل؟
وعندما طالت دهشة أبيه أتبعه بالثالث:
_لِمَ لم تزرني طوال تلك السنوات؟
هنا لم يستطع أبوه الصمت أكثر فهتف بغضب مرتبك:
_لِمَ تسأل أنت في ذلك الشأن الآن؟ ألا ترى أنك تأخرت عدة سنوات لِتفعل؟
تسارعت دقات قلبه وهو ينتبه لِتهرُّب أبيه منه فازدادت نظرته ثم لهجته صرامة وهو يُخاطبه:
_الآن أبي! الآن أريد الحقيقة، وأنت لن ترضى لي بالحيرة والشك أكثر.
أجابه بنزق وهو يهب واقفا عائداً إلى الداخل:
_لم نتفق، هذا يحدث للكثير.
تعلق بذراعه بتوسل قبل أن يخرج هاتفا:
_ولِمَ لم تزرني مطلقا؟
عندئذ نظر أبوه إليه نظرة صدمته وجعلت قلبه يرتعد، لتنتشر الارتعادة بجسده كاملا وأبوه يجيبه ببرود:
_لقد زارتك!
**********
سنوات مرت وهي تنتظر أن يدق قلبه لها ولم يفعل، تنتظر أن يجتاحه حنينه إليها ولم يفعل، حتى فقدت الأمل وأدركت أنها تتمنى شيئا بعيد المنال، وأنه حتى إن كانت شخصيته قد تغيرت واستطاع فرضها على الجميع إلا أن قلبه لن تملكه مُطلقاً، هنيئا لها!
لكنها لن تطالبه بشيء، لن تتوقع حبه، ستعيش من أجل ابنها الحبيب، طالما عَمَّار لم يخنها لن تعرض ابنها لخطر التفكك الأُسَري ولن تتسبب بالنزاعات بين أمها وخالتها.
لكن الحال فجأة انقلب، اختفاء بالساعات ثم مكالمة هاتفية هامسة، ليبدأ الشك بالنبش بقلبها، تفضي بقلقها لأمها فتنصحها بمراقبته، أو بتفتيش هاتفه، لتتجرأ وتقوم بالاثنتين.
بمرور الوقت وبإحدى الليالي استطاعت الوصول لهاتفه، مقاطع مصورة لعمليات ، أهداف لفريقه المفضل، صور حالات طبية، صور لابنهما في مراحل مختلفة..
وفتاة جميلة بريئة الملامح!
صورة..
تلو أخرى..
تلو أخرى..
وكلها مُلتقطة لها في الشارع، فيبدو أنها يتم تصويرها بدون علمها، هل هي حبيبته السابقة؟!
لا تعلم عنها سوى أنها كانت زميلته وتُدعَى رضوى، هل انفصلت عن زوجها؟ هل سيعود إليها؟
وعلى جمر متقلب قضت ليلتها، وفي الصباح الباكر كانت السيارة الرمادية هدفها حتى توقف صاحبها أمام أحد معاهد تدريس اللغات، لتختبىء داخل سيارتها بعيداً عن مرمى رؤيته، حتى خرجت غريمتها يحدق بها زوجها بحب لم تطاله عيناها يوما.
وباليوم التالي حزمت أمرها، تأكدت من وجوده بالمشفى واتجهت إلى مكان عمل طريدة زوجها ، انتظرت طويلا حتى خرجت الفتاة أخيرا تترنح بعض الشيء، فمشت باتجاهها متعمدة الاصطدام بها وتجاذبت معها حديثاً يبدو مُصادفة بينما تخفي نيراناً داخل صدرها وهي تواجه غريمتها وتتظاهر باللامبالاة بينما الفتاة تتضح عليها البراءة بالفعل..
افتعلت خطة ما وتذرعت بحجة السؤال عن الدورات التي تدرس للأطفال بسن ابنها ، وبينما تجيبها الفتاة بإتقان شردت هي بملامحها متفحصة، لن تنكر جمالها، لكن بِمَ كان يبحث عَمَّار ووجده بها هي بالتحديد ليتخلى عن إخلاصه غير المشروط منذ ستة سنوات؟
عمرها خمس وعشرون!
اسمها رهف!
ليست السابقة إذن!
ماذا عَمَّار؟ هل مللت أخيرا؟ هل وجدت أن ما لدينا لا يستحق؟ أستبحث بين كل النساء ما عداني إلى متى؟
وبعد أسبوع:
لا تستطيع النوم، يجب أن تواجهه، لكنها تعلم أنها إن واجهته سينهار عالمها بأكمله…
عذاب لا ينتهي!
لقد عابته يوما بضعفه وها هي تُبتلى بنفس العيب!
الأضواء المُتَسَللة من غرفة نومه شدتها لتتسلل إليها بصمت، فتراه مُولِيا إياها ظهره ممسكا بهاتفه مُطْلِقَاَ السكاكين إلى قلبها بلا رحمة:
_أريدِك!
_أريدِك رهف، أريد رؤيتك، أريد تعويضِك، أريدِك معي دائما وبجانبي.
_أنا لا أريد بكِ شرا رهف، أنتِ غالية، لا تدركين كم أنتِ غالية!
_يا إلهي أنتِ حقا ممثلة فاشلة!
¬_أنصتي جيدا رهف، ذلك الوضع لن يستمر طويلا، قريبا ستكونين معي ولن يفرق بيننا أحدا، وحتى ذلك الوقت اعتني بنفسك جيدا، إلى اللقاء.
ألجمتها الصدمة وهي تتشرب الكلمات التي لم تتمتع بها مُطلقاً، وعندما أنهى مزاحه مع ابنه واستدار، كانت دمعاتها تنهمر بلا إرادة منها، وتكسرت نبرتها كما تكسر قلبها وهي تبادره بصدمة:
_أتخونني عَمَّار؟!
**********
عودة إلى الوقت الحالي:
تطلعت إلى موظفة الاستقبال ببلاهة تحاول استيعاب سؤالها البسيط فاضطرت الأخرى لتكراره مرة ثانية:
_أرجوكِ آنسة، أنا لست متفرغة.
حمحمت بحرج وهي تعيد نفس العبارة:
_لقد أخبرتك، أريد مقابلة صاحب هذه الشركة.
لتزفر الموظفة بملل:
_أي واحد منهما آنسة؟
تطلعت رهف حولها بضيق وهي تلعن غبائها وهاتفها الذي سُرق والآخر بحوزتها الذي لا يستمر شحنه عشرة دقائق كاملين، هي حتى لا تستطيع الآن الاتصال بالرجل، أما فكرت في سؤاله عن اسمه عندما هاتفها؟
خرقاء! وستظل خرقاء!
عادت بنظراتها إلى الفتاة وأدركت أنها تمنع نفسها بصعوبة عن الصراخ بها، ثم هزت كتفيها بحيرة وهي تجيب بحرج:
_أنا لا أعلم اسمه، اعذريني!
همت الفتاة بنهرها بحنق فتدخلت زميلتها_التي تبدو أكثر حُلما_ بسرعة متسائلة:
_أتريدين مقابلة المهندس عاصم؟ لم يأتِ اليوم.
كانت على وشك الرد بنفس الإجابة فقاطعها الصوت الذي تسلل إلى أذنيها هاتفياً بالأمس من خلفها:
_لا! الآنسة تريد مقابلتي أنا!
وعندما التفتت للخلف اجتذبتها على الفور عينان خضراوتان تحدقان بها بابتسامة رائعة، ليتابع صاحبها بتهذيب:
_مرحبا آنسة رهف، أُعرِّفك بنفسي، مهندس ساري رشوان!

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية في ظلال القضيه الفصل الواحد العشرون21 بقلم ملك إبراهيم (الرواية كاملة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top