رواية سكن روحي الفصل الثاني 2 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية سكن روحي الفصل الثاني 2 بقلم سعاد محمد

 

الفصل الثاني
*ضحية أَم…؟!*
قبل ثمانية سنوات:
شَبَّكَت أصابعها ببعضهم بتوتر شديد ووهي تختلس النظرات المنبهرة الخجِلَة إليه، لا تُصدِّق ما يحدث بالأصل حتى الآن.
أحقاً هو هنا طالباً الزواج بها؟
أحقاً هو يريدها أيضاً؟
وبالرغم من صمته وعبوسه منذ حضوره مع خالتها وزوجها وتغريد إلا أنها تكاد تطير فرحا لفكرة رغبته بالاقتران بها، أيُعقل أن الرجل الوحيد الذي لطالما أحبته يبادلها شعورها منذ سنوات كما تُقسم خالتها؟
تباطأت دقات قلبها للحظة عندما رفع عينيه إليها، أغاضب هو أم مرتبك؟ ابتعدت عيناه عنها فأطلقت زفيراً قلقاً مُضطرباً، يحق له الارتباك بالطبع فالوضع أصبح غريباً فجأة، حتى الأمس فقط كان مجرد ابن الخالة الصديق المهتم الحنون، اليوم هو خاطبها! ربما هو خَجِل ليس أكثر.
وهو..
أنفاسه ثائرة ودقات قلبه تدوي بعنف، هل يشعر فقط بالغضب والنفور؟ أم بالامتعاض والاستنكار؟ كيف وصل إلى هنا وارتضى المشاركة في تلك المهزلة؟ كيف سمح لنفسه أن يُصبح بذلك الضعف والخنوع؟ لقد اعتاد على طأطأة رأسه لوالديه في اختيار ملابسه وطعامه وأصدقائه..
حتى دراسته لم يخترها!
يتذكر جيدا يوم اجتيازه لمرحلة الثانوية العامة حينما ذهب إلى والديه قائلاً بِحماسة زائدة:
_أبي، أنا لا أريد دراسة الطب، أريد أن أصبح مُعلما، أنا أحب التدريس.
ليستنكر والده:
_هل تمزح؟! أتريد أن تصبح مجرد معلم بذلك المجموع الذي يتمناه الآلاف؟، انس هذا الهراء تماما، أنت ستصبح طبيباً شئت أم أبيت.
وتتوسل والدته:
_عَمَّار حبيبي، أنت لا تريد لهالة صديقتي أن تشمت بي أليس كذلك؟ ابنها التحق بكلية الطب بالعام الماضي، وهو ليس أفضل منك.
فيرد بتخاذل:
_ولكنني…
ولكنه وجد نفسه طبيبا رغم أنفه وأحلامه، ولم يتوقع أبدا أن يمتد انتهاكهم لخصوصياته وتسييرهما لحياته إلى تزويجه من ابنة خالته التي يراها كأخته الصغيرة ، هي فقط تكبرها بعدة سنوات، لكن مشاعره تجاهها لا تختلف، وما يغيظه ويحيره حقا تلك الابتسامة المتوردة التي ترتسم على محياها الجميل، والنظرات المختلسة التي ترمقه بها بعسليتيها ظناً منها أنه لا يلاحظها…
عندئذٍ شرد في حُلم آخر حرمه منه أبواه قريبا ولن ينساه يوما:
_أبي، أنا أريد التقدم لخِطبة رضوى.
ليهب والده صارخا:
_هل جننت؟! أتريد مني أن أُصاهر تاجر يبيع الملابس بمنطقة شعبية؟
وتضرب والدته فوق فخذيها بكفيها:
_يا ويلتي في ابني! أترضى بجلب ابنة البائع إلى بيتنا؟
فيدافع بعناد:
_لكني أحبها، هي طبيبة مجتهدة وعلى خلق، أبوها تاجر وليس لِصاً!
ليشدد أبوه بلهجة حازمة:
_انس هذا الهراء تماما، صديقي مصطفى لديه ابنة رائعة الجمال، أبوها رجل أعمال وأخوها أيضا صاحب شركة ضخمة، سنذهب لخطبتها.
وتسارع أمه بلهفة:
_وما بها مَوَدَّة ابنة أختي؟! من أجمل منها؟! كما أننا نعرفها تمام المعرفة وهي تحبك يا عَمَّار، لن ترهقني أو تسبب المشاكل، ولن نضطر لجلب كنَّة لا نعلم عنها شيئا إلى بيتنا.
فتتسع عيناه بذهول مستنكرا:
_مَوَدَّة!! هي مثل تغريد تماما!!
ولأنه دوماً ما كان سريع الاستسلام؛
قدرته على الاعتراض محدوده؛
وخنوعه يجد به سلاماً آمناً!
ها هو يجلس مع والديه وشقيقته في مواجهة أسرة خالته ليستمع _بذهول_ إلى قصة غرامه بابنة خالته واضطراره إلى كتمان عشقه منذ سنوات حتى لم يعُد يقو على الانتظار أكثر!
**********
عودة إلى الوقت الحالي:
خرجت من عملها تسير شاردة بعد أن بائت كل محاولاتها مع صاحب العقار بالفشل، لا يريد اللئيم أن يعيد إليها حتى مقدم شهر واحد مستغلا حاجتها الواضحة للمأوى والمال، وهي الآن تشعر برغبة عارمة في الصراخ أو البكاء..
ما يضيرها إن بكت الآن؟! الظلام حل على أي حال ولن يلاحظ أي شخص! انحدرت دمعة اختنقت بسبب شدة تقييدها فمدت أناملها تمحوها بسرعة ولم تنتبه إلى الدراجة النارية القادمة من خلفها ولا بالراكب خلف السائق الذي اختطف حقيبتها وانطلق!
تخشبت مكانها للحظة لا تفهم ما حدث ثم صرخت وهي تعدو خلف الدراجة التي اختفت براكبيها:
_انتظر أرجوك! انتظر بالله عليك! هاتفي! كتبي!!
وحينما أدركت أن ما تفعله بلا طائل سقطت أرضا مكانها وهي تنهار باكية كما لم تفعل يوما..
بكت يتمها؛
بكت الظلم الملازم لها؛
بكت كراهية الأقربين لها؛
بكت وحدتها وخوفها؛
بكت سرقتها وهاتفها وكتبها!
تربيتة حنونة على إحدى كتفيها جعلتها ترفع عينيها لتطالع سيدة مسنة تنظر لها بقلق:
_ما بكِ ابنتي؟ لِمَ تجلسين هكذا؟ لِمَ تبكين؟
وكطفلة صغيرة تائهة أشارت بسبابتها إثر الدراجة الراحلة وهتفت ببكاء:
_اللصوص! لقد سرقوني، هاتفي وحقيبتي!
فجأة اتسعت عيناها بذعر وهي تتابع:
_الأنذال! لقد سرقوا دفتر الملاحظات خاصتي!! أين سأكتب ملاحظاتي الآن؟!
انهارت في بكاء عنيف والمرأة تنظر إليها بتوجس، لكنها ما لبثت أن أمسكت بذراعها وهي تساعدها على الوقوف، خفتت شهقاتها وهي تنفض الغبار عن ملابسها متمتمة بشكر ضعيف للسيدة التي بادرتها متسائلة باهتمام:
_كيف ستعودين إلى منزلك؟هل تملكين أية نقود ابنتي؟
فَتَّشَت رهف جيوبها بذعر ثم زفرت بارتياح وهي تخرج ورقة من فئة العشرة جنيهات تنظر لها وكأنها أغلى كنوز العالم مُرددة بابتسامة بدت دخيلة على حالتها المزرية:
_دائما ما نصحني خالي بألا أضع نقودي كلها في مكان واحد حين أخرج.
ثم وضعت الورقة على شفتيها مقبلة إياها بامتنان مُبالَغ به!
“حسنا، إنها مجنونة!” هكذا فكرت المرأة وهي تبتعد عنها خطوة إلى الخلف مُتوجسة، لكن رهف سرعان ما استأنفت بكاءها شاكية:
_اللصوص الأوغاد! ماذا سأفعل الآن في الكتب؟! لقد كانت باهظة الثمن! ودفتر ملاحظاتي، منكم لله! عسى الله أن ينتقم منكم قريباً!
تمتمت المرأة بارتباك:
_أشعر أنك حزينة على ضياع الكتب ودفتر الملاحظات أكثر من خسارتك للهاتف!
شهقت رهف بحسرة:
_ إنها الكتب التي تساعدني في عملي، كيف سأذهب إلى المركز الآن؟!
ظل سؤالها بلا إجابة حتى زفرت بيأس والمرأة تتململ في وقفتها فافتعلت ابتسامة مخاطبة إياها بخفوت:
_أشكرك على مساعدتي، لا تقلقي عليّ! أنا سأستقل الحافلة من الموقف القريب.
انتهزت المرأة الفرصة وهي تومىء برأسها وتطلق ساقيها للريح ابتعادا عن غريبة الأطوار تلك، زفرت رهف بإرهاق وهي تجُر خطواتها جرا بعيدا عن أعين المارة الفضولية من حولها، وعندما وصلت إلى البيت ظلَّت تُقسم لِصاحبه أن حقيبتها تمت سرقتها ولا تملك أية مفاتيح ليوافق على إعطائها النسخة الإضافية.
**********
في اليوم التالي:
كانت تتناول طعام إفطارها في مطعم الشركة البسيط عندما لمحته آتيا، تظاهرت باللامبالاة وهي تشيح بوجهها بعيدا فجلس بمقابلتها مبتسماً بإغاظة وسألها:
_لِمَ أنتِ غاضبة مني؟ إنه قرار أخيك، ما ذنبي أنا؟
نظرت له بغضب هاتفة:
_أنتما الاثنان تريدان كتم أنفاسي ثم إزهاق روحي، لقد مللت من تحكمكما الزائد بي ولا يمنعني عن أخذ حقي سوى أمي.
ضحك باستمتاع شديد فازداد الغضب على محياها لتتابع بتحدي:
_أتعلم عاصم؟ يوما ما سأتخلص من سطوتكما علي، سيُبتلى كل منكما بمصيبة يستحقها وسأراقبكما بتشفِ.
توقف عن الضحك وهو يعبس بافتعال:
_أنتِ حقا تكرهيننا! كل ذلك لأننا نخاف عليك؟ السفر إلى هناك سيضجرك لأننا سننشغل طوال الوقت، ثم يجب أن تفرحي، فأخوكِ قد قرر أن يسافر وحده وسأظل أمامك طوال الأسبوع القادم.
أشاحت بوجهها بامتعاض متمتمة:
_فليكن الله في عوني!
استأنف ضحكه وهو يمنع نفسه عن إخراج لسانه لها كالأطفال ثم خاطبها:
_هيا سارة! لا تكوني ظالمة! أنا لست سيئا إلى ذلك الحد.
مالت وجهها تتحدث من بين أسنانها بِغِل:
_بل أنت… أنت……
لم يسعفها لسانها بالرد المناسب فتوقفت عن البحث عن واحد وهي تلمح الشابة الجميلة ضئيلة القامة نوعا ما التي توقفت أمامهما، نظرت لها بتساؤل بينما التفت عاصم إليها باستغراب فبادرت:
_أعتذر! هل حضرتك تكون مهندس عاصم؟
استقام بهدوء وهو ينظر اليها بابتسامة مهذبة:
_نعم أنا، وحضرتك تكونين…؟
اجتاح ملامحها توتر جلي وهي تنقل نظراتهما بينهما بارتباك:
_أنا سما محسن.
ضيق عاصم عينيه وهو ينظر إلى سارة بتساؤل فأجابته بهزة من كتفيها مُعلِنة جهلها، فالتفت مرة أخرى إلى الفتاة قائلاً بتهذيب:
_إن كنتِ هنا من أجل مقابلة عمل فاصعدي إلى الدور الثاني لـ….
قاطعته الفتاة بنفاد صبر:
_لا، لست هنا من أجل ذلك، أنا أريد التحدث معك بموضوع شخصي.
عقد حاجبيه بدهشة:
_تفضلي بالحديث، إنها مهندسة سارة، ابنة خالتي.
اتسعت عينا الفتاة بدهشة حقيقية هاتفة:
_كيف تكون هي ابنة خالتك؟
وقفت سارة مبتسمة باستفزاز:
_بمعنى أن والدتينا شقيقتان، إنها الكلمة التي تطلق على ذلك النوع من صلة القرابة إن كنتِ لا تعلمين!
فغرت الفتاة شفتيها وهي تنقل نظراتها بينهما كأنهما معتوهين ثم قالت بدهشة:
_ولكن.. ولكن والدتك ليست لديها أية شقيقات!
هنا فقد عاصم هدوئه وهو يهتف بها:
_بِمَ تهذين أنتِ؟! ومن أين تعرفين أفراد عائلتي؟
واجهته الفتاة بصرامة حانقة:
_إن كنت لم تلتقط الاسم.. أنا سما محسن حجاج، ووالدتك السيدة صفاء تكون زوجة أبي وأنا متأكدة من عدم وجود شقيقات لها!
حدق الاثنان في وجهها بذهول كانت سارة أول من تخلص منه، بابتسامة مرتجفة تقدمت منها قائلة:
_تفضلي آنسة سما.
جلست سما على المقعد المجاور بترقب فلحقتها سارة وهي تحاول التصرف بطبيعية:
_ماذا تفضلين أن تشربي؟
همت الفتاة بالرد حينما أجفلتها حركة عاصم وهو يندفع منصرفاً بغضب هائل، فنظرت لها سارة باعتذار وهي تبتسم بمجاملة:
_اعذريه، ذلك الأمر على الأخص يغضبه.
أومأت سما لها فبدأت الأخرى باجتذاب الحديث معها حنى يعود ذلك الغاضب.
**********
قبل سبع سنوات:
دلف إلى غرفته وهو يلقي مفاتيحه وهاتفه على أقرب مقعد، ثم تخلص من سترته واتجه إلى الخزانة ليلتقط
بعض الملابس المنزلية، أخذ يقلب بها بنزق ثم صاح بغضب:
_مَوَدَّة! مَوَدَّة!!
اندفعت إلى داخل الغرفة بخوف ثم ما لبثت أن زفرت بارتياح وهي تجده واقفا أمام الخزانة، لكنها عقدت حاجبيها بحنق وهي تجيبه:
_ماذا بك عَمَّار؟ لِمَ تصرخ بذلك الشكل؟
التفت إليها حانقا:
_أين قميصي القطني الأزرق؟ لقد كان هنا في الصباح، ألا حد لإهمالك؟
أغمضت عينيها بألم وهي تجيبه بضعف:
_أنا مُهملة عَمَّار؟! منذ متى أهملت بشيء يخصك؟ لقد مرت ثلاثة أشهر على زواجنا، هل سبق وضاع شيء منك؟
دفع درفة الخزانة بغضب مبالغ به وهو يهتف به:
_الآن أهملتِ يا هانم، أين ذلك القميص؟
زفرت بتوجس وهي ترد:
_إنه قديم جدا، لقد .. لقد بهت لونه بشدة وذاب القماش في بضعة مواضع به.
اتجه اليها ببطء رامقا إياها بتحفز:
_ثم..؟
تقهقرت خطوتين إلى الخلف وهي تنظر في كل الاتجاهات بعيدا عنه، وبنبرة ضعيفة أجابته:
_ثم ارتأيت أن أتخلص منه.
توقفت أنفاسها وهي تتطلع إلى النظرة المصدومة بعينيه قبل أن يجيبها بخفوت منذر:
_ارتأيتِ أن تتخلصي منه؟!
بلهفة حماسية عاجلته:
_لا تقلق!لقد ابتعت لك واحدا آخر اليوم.
تجاوزته حتى وصلت إلى الخزانة فالتفت ينظر إليها بصدمة، انتقت شيئا من فوق الرف الخشبي ورفعته أمام وجهه مبتسمة بتشوق هاتفة:
_انظر! إنه باللون النبيذي، لقد لاحظت أن معظم ملابسك باللون الرمادي وتدعو إلى الكآبة، لكن ذلك اللون سيكون رائعا عليك، سيجعلك أكثر وسامة.
لم يحرك مقلتيه عن عينيها العسليتين ولم يهتم حتى بالنظر إلى هديتها وهو يعاود سؤالها بهدوء مريب:
_مَوَدَّة لآخر مرة أسألك، أين هو قميصي الأزرق الآن؟
ازدردت لعابها وهي تخفض كفها بالقميص الجديد ثم أجابته بِوَجل:
_ألقيته بالقمامة.
تخلل شعره بيديه مغمضا عينيه ثم فتحهما رامقا إياها بنظرة ميتة:
_ألقيتِه بالقمامة؟!
عَمَّ الصمت وانتشر التوتر، بينما تابع هو بجمود مريب:
_الشيء الوحيد الذي أحبه واخترته في ذلك السجن ألقيتِه بالقمامة؟!
نظرت له بدهشة حذرة سرعان ما تحولت لانتفاضة وهو يجتازها ليصل إلى خزانته ثم يصرخ وهو يلقي قطع ملابسه منها بثورة صارخا:
_لِمَ لم تلقي تلك الملابس بدلا منه؟ أنا لم أختر أيا منها، لم أختر أي شيء، لم أختر ذلك البنطال، لم أختر تلك السترة، لم أختر رابطة العنق الخانقة تلك!
بدأ جسدها بالارتجاف رعبا وهي ترى الغرفة قد تحولت إلى ما ينتج عن اجتياح إعصار بينما اتجه هو إليها بسرعة واختطف منها القميص الذي تتمسك به ثم أمسك ذراعيها بشدة هاتفا بِغِل:
_أنا لم أختر ذلك القميص الذي احضرتيه إليّ، أتعلمين؟! أنا لم أخترك أنتِ أيضا!!
ارتجفت شفتاها في بوادر بكاء وعيناها تتسعان بذعر مشوب بالخيبة، حدقت بعينيه لترى الألم يصرخ بهما متوسلا فلم تجد رَدَّاً إلا:
_آسفة عَمَّار!
ارتسمت نظرة متحسرة بعينيه وهو يجيبها بأسئلة متألمة:
_علام تأسفين؟! هل تعتقدين أن عذابي يمحوه أي أسف؟ هل تعتقدين أن كلمة واحدة قد تنسيني ألما يقض مضجعي كل ليلة وأنا أدرك أن الإنسانة التي أعلنت برغبتي بها اضطررت لخطبة غيرها باليوم التالي؟!
توقف الزمن بهما وكلماته التي طالما سيطر على انفلاتها انطلقت على حين غفلة منه لتمزق قلبها بلا رحمة.
ألهذا السبب هو بعيد؟!
بعيد جدا؟!
امرأة أخرى؟!
وهي من حالت بينهما وفرقتهما لتحقق أحلامها فوق أنقاض قلبين آخرين؟! أهي فعلا أنانية إلى ذلك الحد؟ لكن..!
لكن هي لم تكن تعلم، هو من جاء إليها، بينما قد نجحت لسنوات في كتمان حبها والتظاهر بأخوة كاذبة، لِمَ يحاول جعلها المذنبة الآن؟ في حين أنه هو المسئول عن تحطيم ثلاثة قلوب بصمته وخضوعه!
بقوة تخلصت من ذراعيه وهي تتراجع إلى الخلف مُرددة بِصوت مُتقطع:
_لا عَمَّار، أنا لست آسفة من أجلك فأنا لم أجبرك على الزواج مني، وقد استمرت خطبتنا بضعة أشهر كنت تستطيع إخباري خلالها بكراهيتك لي، وأنا لايزال لدي مقدار من عزة النفس ما يجعلني أتركك حفاظا على كرامتي حتى وإن كنت أذوب بك عشقا.
حَلَّت نظرات الدهشة الصامتة بِعينيه رَدَّاً على اعترافها البسيط بينما تابعت هي ودمعاتها تتساقط:
_نعم عَمَّار، أنا أحبك منذ سنوات ولقد صدقت القصة التي ألقتها عليَّ خالتي عن غرامك بي خاصة وأنك لم تخبرني بالعكس.
وبحسرة تمتمت:
_لقد صدقت لأني تمنيت وهذا لا يغفر خطأي.
ثم استأنفت حديثها بابتسامة ساخرة:
_ولذا أنا آسفة لأجلي بسبب تفريطي بكرامتي معك وبقلبي لك، وأيضا.. وأيضا آسفة لطفلي الذي سيكون ذنبه الوحيد أن أباه يكره أمه.
فغر فاهه بصدمة وهو يستوعب كلماتها، وبصوت متحشرج سألها:
_هل أنتِ.. هل أنتِ ….
قاطعته بضحكة ساخرة:
_ نعم عَمَّار، أنا حامل، مبارك!
وبمنتهى البساطة أولته ظهرها وخرجت من الغرفة تاركة إياه يبتلع صدمته، بينما اتجهت هي إلى أقرب غرفة لتنهمر في بكاء متحسر على حالها وحال طفلها القادم.
**********
ظلت تبحث في الصندوق المليء بالأغراض القديمة حانقة، هي متأكدة من إحضاره معها من بيت خالها لكن أين هو الآن؟ زفرت بضيق وهي تستسلم بتعب مفكرة:
“وماذا إن وجدتيه؟ بم ستستفيدين؟ بالتأكيد اللص لن ينبُت له ضمير فجأة ويعيد إليكِ أغراضك!”
بدأت في إعادة كل شيء إلى الصندوق وهي تستغفر وتدعو بالصبر، وفجأة وجدته أمامها فاختطفته بلهفة، قلبته بين يديها بتفحص وهي تحمد ربها أنها لم تتخلص منه، هبت واقفة لتقوم بتوصيله بالشاحن الكهربائي وانتظرت بضعة دقائق حتى وجدت شاشته الصغيرة تضيء أخيرا، زفرت بارتياح ثم بدأت تطلب رقم هاتفها المسروق بتركيز وهي تتضرع أن يجيب السارق، ولخيبة أملها انطلقت الرسالة الرتيبة في أذنها:
“الهاتف الذي طلبته ربما يكون مغلقا، من فضلك عاود الاتصال في وقت لاحق!”
ماذا توقعت إذن؟! بضيق وضعت الهاتف على المنضدة الصغيرة المجاورة لفراشها وهي تلعن حظها الذي يزداد سوءا كل يوم! استغفرت مرة أخرى وهي تحمد ربها على سلامتها الشخصية، ثم جلست تبحث عن حل لمشكلة الكتب التي سرقت منها.
**********
“هل أنهيتِ مذاكرتك قبل أن تفتحي ذلك التلفاز؟”
هتف بها عاصم بعصبية فاستدارت مريم إليه بابتسامة مغيظة:
_نعم أنهيتها كلها، ولا تحاول إفراغ غضبك_الذي لا أعلم سببه_بي!
جزَّ على أسنانه وهو ينظر لها بغيظ ثم انطلق إلى غرفته صافعا بابها بقوة، أمسك هاتفه وكتب عدة كلمات برسالة نصية إلى صديقه ليطمئنه على أحوال العمل في غيابه، ثم أطفأ الأضواء وتأهب للنوم، لكن رنين الهاتف ارتفع فَهَبَّ من فراشه وهو يشعل الأضواء مرة ثانية مُتمتماً بضيق:
“لقد أرسلت إليك تفاصيل التفاصيل، ماذا تريد مني بعد؟! ألا استحق نوما هانئا مبكرا؟!”
لكنه عندما تناول هاتفه لم يجد اسم صديقه كما اعتقد، بل وجد رقما غير مسجلا، أجاب مسرعا بنزق كي يعود إلى نومه:
_مرحبا، من معي؟
أجفلتها نبرته العالية فتنحنحت وهمت بالتحدث لكنه بادرها بصوت أكثر حنقا:
_من أنت؟ هل اتصلت لتسمعني صمتك؟ انطق من أنتــ……
_ قليل من الصبر لو سمحت! أعطني فرصة اولاً كي أتحدث!
عقد حاجبيه بدهشة والصراخ الأنثوي الحاد يلسع أذنه:
_من أنتِ؟!
_أنا سما!
بتوجس أجابته، فأخذ يبحث في عقله عن صاحبة ذلك الاسم فلم يجد ثم تحدث برسمية:
_عذرا آنسة، يبدو أنكِ مخطئة في الرقم.
تمكن منها نفاد الصبر وهي تجيبه بغيظ واضح:
_لا أنا لست مخطئة، أنت مهندس عاصم وأنا أريد أن أتحدث معك شخصيا، بالمناسبة أنا سما محسن حجاج، وقد تقابلنا بالأمس فورا قبل أن تتركني وتنصرف بمنتهى قلة الذوق.
وبرغم إدراكه هويتها واشتعال غضبه لذلك السبب إلا أن عبارتها الأخيرة أثارت حنقه ليتساءل بدهشة:
_أنا قليل الذوق؟!
ببرود شديد أجابته مؤكدة:
_وتفتقر لأدنى قواعد “الإتيكيت” أيضاً.
علا صوته حتى اضطرت لإبعاد الهاتف عن أذنها مغمضة عينيها بامتعاض :
_هل أنتِ معتوهة؟! أتصفينني أنا بقلة الذوق؟! اسمعيني جيدا آنسة “شبر ونصف” أنا لا أريد منكِ الاتصال بي مرة أخرى، ولا أود أن استمع لاسم تلك السيدة ما حييت، اذهبي اليها وخبريها أنني لا أطيق سماع اسمها ولا أريد أي صلة بها، هل تفهمينني جيدا أم لا؟ وبدون سلام!!
انهى الاتصال فورا وهو يستشيط غضبا، لكنه يشعر أنه لم يكتفِ! كان لابد له من إهانتها أكثر، كان لابد له من اخباره برأيه بها وبمن أرسلتها بمنتهى الصراحة، وعندما استغرق في أفكاره الحقودة شعر بِحركة خلفه فالتفت ليجد مريم واقفة بإطار الباب تحدق به ببلاهة ليصيح بها:
_ماذا تفعلين هنا؟
أجابته بنبرة دهشة متوترة:
_لقد أرسلني أبي لأخبرك أن طعام العشاء جاهز.
_لن أتسمم!
صاح بها بغضب ففغرت فاهها ثم قلبت شفتيها بإزدراء وهي تخاطبه بتحدي:
_ربما معها بعض الحق، أنت بالفعل قليل الذوق!!
ثم هرولت جريا قبل أن تصلها وسادته التي ألقاها تجاهها بغيظ.
وعلى الجانب الآخر كانت سما تضغط هاتفها بين يدها بغيظ وهي تلقي قاموسا متكاملا من الشتائم وتصب اللعنات على رأس ذلك الوقح، لكنها خرجت من غرفتها لتواجه المرأة التي ترتكز على عصا وتتحسس الجدران بجوارها فانطلقت إليها مسرعة لتستند عليها باطمئنان متسائلة بضعف:
_ماذا قال لكِ؟ هل سيأتي؟
عَوَجت سما شِفتيها بامتعاض ثم رَسَمت ابتسامة واهية حتى يخرج صوتها طبيعيا:
_نعم أم عاصم، إن شاء الله سيأتي قريبا.
ابتسمت المرأة بفرحة وهي تحمد ربها وتترقب سماع صوت ابنها الوحيد في أقرب فرصة.
**********
“أين كنتِ دينا؟! لقد سأل أبوكِ عنك أكثر من مرة.”
ألقت شروق سؤالها على ابنتها ما إن ولجت إلى داخل الشقة، فعقدت الأخيرة حاجبيها بضيق وهي تواجهها مجيبة:
_لقد أخبرتك أمي أنني سأقضي اليوم لدى صديقتي، هل انتهى العالم؟
اقتربت أمها منها قائلة:
_لا حبيبتي، لكني شعرت بالقلق، كما أن هاتفك مغلق طوال الوقت.
_لقد انتهى شحنه.
أجابتها بلا اكتراث ثم التفتت لتتجه إلى غرفتها فاستوقفتها أمها هاتفة بتوتر:
_انتظري دينا! أريد التحدث معك قبل أن يأتي أبوكِ ويقيم الدنيا ويقعدها.
علمت أنها استطاعت جذب انتباه ابنتها تماما حينما ألقت حقيبتها وجلست على الأريكة ببطء وهي تنظر لها متسائلة بترقب:
_ماذا حدث أمي؟، وإياكِ أن تقولي لي أنكِ تفكرين في موافقة أبي على إعادة تلك الحقيرة، والله سأترك البيت وقتها، أنا لن أتحملها ساعة أخرى.
جلست أمها بجوارها وهي تحدثها باهتمام:
_لا تقلقي، أبوكِ أصلا لا يفكر بإعادتها، لكن الموضوع يخصك أنتِ.
نظرت لها بقلق ثم حَثَّتها:
_تكلمي أمي! ماذا حدث؟
رمقتها أمها بِتردد ثم سألتها:
_أخبريني أولا! ألم يحاول حمزة التواصل معك؟
مطت دينا شفتيها باعتراض قائلة:
_ما دخل حمزة الآن؟ لقد تخلصت منه ومن معيشته الخانقة، وإذا حاول الرجوع لن أقبل، وارتاحي أمي هو أصلا لا يريد العودة، ما كان بيننا مجرد ثلاث سنوات من النكد والشجار ليس أكثر.
زفرت شروق باستسلام ثم قالت:
_حمداً لله أنكما لم تُنجبا أطفال.
توترت عينا دينا وهي تتهرب من أمها ثم غيرت الحوار هاتفة بفضول:
_ما هو الموضوع أمي؟
_هناك.. هناك عريس يريد التقدم للزواج منك.
ألقت شروق عبارتها مرة واحدة لتتسع عينا دينا بدهشة:
_عريس لي أنا؟ بتلك السرعة؟
مطت أمها شفتيها بلا تعبير وهي ترد:
_لا أعلم إن كان يجب علينا أن نفرح أم نحزن!
_ماذا تقصدين أمي؟ من هو؟ وماذا يعمل؟
نظرت لها بتوجس تجيبها:
_إنه.. إنه ليس بغريب، نحن نعرفه تمام المعرفة، هو يكون أخ السيدة منال.
رمقتها دينا باستنكار وهي تهتف بها:
_هل تمزحين أمي؟! إنه أصغر مني بستة سنوات!
عوجت الأم فمها ثم أجابتها بتوتر:
_لم أقصد هشام يا دينا، قصدت شقيقه الأكبر، طارق! انتظرت هجوما من ابنتها مصحوبا بتوبيخ تستحقه الفكرة لكن دينا نظرت لها بدهشة تحولت لاهتمام مباغت وهي تسألها:
_طارق! الذي يملك سيارة رُباعية فاخرة؟
دارت عينا شروق على وجه ابنتها ثم أجابتها:
_نعم، وهو أيضا يمتلك عقارا بوسط المدينة ومنزلا صيفيا بالساحل الشمالي.
عم الصوت وشروق تحاول سبر أغوار ابنتها بينما بدت دينا وكأنها شاردة بعالم آخر، لم تقو شروق على الانتظار أكثر وهي تهتف بها بترقب:
_لكنه أكبر منك بعشرين عام ولدية أربعة أولاد.
ردت دينا بشرود:
_لكنه يهتم بنفسه وبصحته ومظهره، من لا يعرفه يعتقد أن عمره لا يتعدى الأربعين، كما أن أصغر أولاده عمره اثني عشر عاما، أي أنه لا يحتاج لاهتمام خاص، بالإضافة إلى أني علمت منذ مدة أن أخته ترعى أولاده بحكم سكنهما بمنزل واحد.
سألتها أمها بترقب:
_دينا! هل أنتِ موافقة؟
نظرت لها دينا مليا ثم هزت كتفيها بلا مُبالاة وهي تجيبها:
_أنا أفكر أمي، يجب أن أفكر جيدا قبل أن أوافق أو أرفض، لا أريد تكرار خيبتي الأولى.
**********
منذ ست سنوات ونصف:
استند على أقرب جذع شجرة كي لا ينهار مكانه وهو يراقب موكب العروسين الذي وصل لتوه إلى قاعة الزفاف، راقبها وهي تتأبط ذراع عريسها بابتسامة سعيدة..
أهي حقا سعيدة؟هل نسته تماما؟! هل استبدلته بآخر بعد شهور فقط؟
ولِمَ الدهشة وعلام الاستغراب؟! لقد بدأ هو بالتخلي عندما خضع لوالديه واقترن بغيرها تاركا إياها خلفه بقلب محطم وما ذنبها سوى أنها لم تكن رفيعة المستوى من وجهة نظر والديه، والآن يفكر بلومها؟ وهو من تنتظره في البيت يوميا زوجة لا يشعر تجاهها سوى بالذنب؟! من ينتظره طفلا بعد شهرين لا يشعر تجاهه بأي شيء؟! هو حتى لا يهتم بقدومه أو عدمه!
تقهقر منهزما وهو يجر نفسه جرا ليسير _على قدميه_ إلى فيلا والديه حيث صمما على الاستقرار بينهما، وصل إلى الفيلا يشعر بألم شديد، وصعد إلى جناح الزوجية المظلم كالمعتاد، فمنذ ذلك اليوم الذي أخبرته زوجته بخبر حملها وقد سرى بينهما اتفاق غير معلن على انفصالا نفسيا، لا تنتظره ولا تكلمه، لا ينظر إليها ولا يطلب منها شيء، يشعر هو براحة بسبب ذلك الوضع، أما هي فتتألم كل ليلة وهي تتمنى حتى عودته شقيقا يحنو عليها ويهتم بها، لكنها أخذت على نفسها ميثاق صبر لن ينفصم، ستنتظر وتنتظر حتى يفيق من سَكرة شعوره بالاضطهاد، وحينها سيدرك أنه مطلقا لن يجد من تعشقه بقدرها، وسيحين ذلك اليوم قريبا، أليس كذلك؟!
لكن من الواضح أنها نقضت عهدها اليوم، فالجناح مضاء وهي جالسة أمام الباب تنتظره بلهفة فشلت في إخفائها فشلا ذريعا، فما أن دفع نفسه بتثاقل الى الداخل حتى انتفضت على قدر ما تسمح به حركتها الثقيلة ببطنها المتكورة وهي تهتف:
_عَمَّار! هل أنت بخير؟! لِمَ تأخرت حتى الآن؟!
حدق بها لثوان بعدم فهم ثم رفع معصمه ونظر إلى ساعته، لتتسع عيناه بدهشة: إنها الثالثة صباحا! هل ظل يمشي لأربع ساعات متواصلة بدون أن ينتبه؟
أما هي فقد التقطت ضياعه فورا، ضربها ذلك التيه بعينيه في مقتل، لتمتد ذراعيها بدون إرادة منها وتجتذبه لأحضانها بانهزام مُرَبتًة عليه بحنو، وبدمعات متكسرة وبصوت مذبوح سألته:
_علام تحتد حبيبي؟
ليجيبها بهمس ضائع:
_لقد تَزَوجَّت!
لا تعلم هل شعر باهتزاز صدرها تحت رأسه أم لا، لا تعلم هل استمع لصراخ روحها الصامت أم لا..
أيجب عليها أن تعاتبه؟!
أيُجاهِر بِحُزنه لِفقدان أخرى أمامها؟!
أيشكو لها ضياع غريمتها؟!
أحقا عَمَّار أنت بتلك القسوة؟!
ستصمت الآن، ستساعده وتطبب جروحه، وبعدها لكل حادث حديث.
وهو..
تسلل إليه دفء غريب لا يدري ما هو مصدره؛
لا يدري إن كان حقيقياً بالأصل أم أنه يتوهم؛
أمِن شِدة توقه إليه شعر به دون وجوده..أَم…!
طرقات عنيفة على باب جناحهما حرمتها من ذلك القرب النادر وأخرجته من ذلك الشرود ليرفع رأسه وهو ينظر لها بدهشة انتزعته منها إعادة الطرقات بصوت أعلى، اتجه الى الباب وفتحه ليجد أبيه يندفع تلاحقه أمه شاحبة الوجه ثم :
صفعة!
صفعة على وجهه من أبيه!
صفعة على وجهه أمام أمه!
صفعة أمام زوجته التي صرخت باسمه هَلِعَة!
صفعة يوم ضياع آخر أحلامه!
وصياح غاضب من أبيه كما العادة:
_أذهبت إلى زفاف ابنة البائع؟! أتريد إلحاق العار بي؟ لقد علمت أنك ستكون سبب نكبتي يوما، ماذا تريد أكثر؟! مهنة مرموقة، فيلا فخمة، أحدث سيارة، زوجة أصيلة النسب والمقام وطفل بعد شهرين قادم، أتعلم أي نوع من الحياة وفرت لك أنا؟
وكان الرد الهادىء على النقيض مم يستيقظ تلك اللحظة بأعماقه بعد طول غياب:
_سجن!
عقد والده حاجبيه بدهشة:
_ماذا قلت؟!
أعاد كلمته الوحيدة برتابة:
_سجن!!
ثم أضاف بابتسامة ساخرة بدأت تظهر على استحياء:
_وفرت لي سجن رفيع المستوى، عظيم المقام، جميل الهيئة من الخارج، ذي عيشة رغدة وطلبات تلبى بلحظة.
ثم هَزَّ كتفيه مُتابعاً بِتَهَكُّم:
_ لكنه يظل مجرد سجن!
لطمت أمه على وجنتها بذعر بينما فغر ابوه فاهه بصدمة هاتفا:
_هل تتواقح عليّ يا ولد ؟! أتعترض على رَغَد عيشك الذي أمنته أنا لك؟!
والابتسامة تحولت لضحكة، والضحكة تعالت وتعالت حتى دمعت عيناه، ثم بصعوبة توقف وهو يخاطب أبيه:
_أعترض؟! ماذا تعني تلك الكلمة يا أبي؟ وهل أنا أمتلك مثل تلك القوة الخارقة؟!
وانمحت الابتسامة تماما ليحل محلها تعبير حاقد كاره وكأنه لتوه تم تشكيله على وجهه، تراجع أبوه للخلف خطوة واحدة وهو يحدق في ذلك الكائن الذي يراه للمرة الأولى ويتوقع الآن منه تصرف عشوائي لم يعتده من قبل، هو يعلم متى يفقد زمام أحد عبيده ويبدو أنه قد فعل الآن، فلم يخذل عَمَّار توقعه عندما زأر بأعلى صوته:
_متى اعترضت أبي؟ وعلام اعترضت طوال حياتي؟ ارتدي تلك السترة عَمَّار، حاضر! لا تتباسط مع ابن الموظف الذي يعمل لَدَيّ عَمَّار، حاضر! سيارة زرقاء عَمَّار؟! ما هذا الذوق المقرف؟!، خذ الرمادية، حاضر! لا تأكل في ذلك المطعم الشعبي عَمَّار، حاضر! ستصبح طبيبا وانس امر التدريس تماما، حاضر! اتريد ان تتزوج ابنة البائع وتحرجني أمام معارفي؟ ستتزوج ابنة خالتك بالطبع، حاضر!حاضر! حااااااااضر!!!
صمت عم بين أربعتهم إلا من شهقات مَوَدَّة الباكية وهي تتمسك ببطنها بألم، الابن يواجه أبيه للمرة الأولى بحياته وهما لا يشعران بما حولهما، ليتقدم عَمَّار تجاهه الخطوة التي تقهقر الآخر بها وهو يحدق بعينيه بابتسامة حاقدة، وبنبرة خافتة قاتلة تحدث:
_أتعلم أبي؟! لطالما استمعت من أصدقائي عن شعورهم عندما بُشِّروا بانتظار أطفالهم ودهشت كثيرا، لأظل طوال الشهور الفائتة أتساءل لِمَ لا أشعر مثلهم؟ لِمَ لا أتلهف لحضور ابني إلى هذه الدنيا؟ لِمَ لا أتخيل ماذا سأفعل معه عندما أحمله بين يدي وألاعبه وألاطفه، هل انعدم شعوري أخيرا؟ هل تبلدت أحاسيسي بالأبوة تماما؟، ودوما ما هَرِبَت مني الإجابة، والآن فقط أدركتها بأم عيني وأنا أنظر إليك..
سَكَت يجتذب شهيقاً عميقاً ثم أردف بِتشديد:
_ببساطة أنا لا أريد أن يأتي ابني حتى لا أكن له أبا مثلك أنت!
والصفعة الثانية انطلقت من أبيه لكنها لم تصل لهدفها عندما قفزت مَوَدَّة صارخة باسمه تفتديه بجسدها لتصبح من نصيب إحدى كتفيها، فسقطت أرضا شاحبة الوجه بينما انتفضت خالتها إليها تصرخ بلهفة، دارت عينا أبيه بين ثلاثتهم بجنون غاضب وتركزت على مَوَدَّة والذعر_للمرة الأولى منذ سنوات_ يتملكه، ثم انطلق خارج الفيلا بأكملها، أما عَمَّار فقد حدق في الماء الذي ينهمر أسفل جسد زوجته التي تطلعت إليه بصدمة، سَقَط بِجانبها على رُكبتيه وملامحه تصرخ بالذعر ممسكا إحدى كفيها، ثم مَدَّ إحدى يديه أسفل عنقها والأخرى أسفل ركبتيها وانطلق بها إلى الأسفل وقلبه يرتجف بين أضلعه شاعراً برُعب لم يكتنفه يوماً ، فمن الواضح أن ابنه لن يصبح خاضعا مثله ، حيث قد قرر عصيانه والخروج إلى الدنيا قبل موعده بشهرين!!
********

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية مجنونة اليزن الفصل الثاني عشر 12 بقلم ميرو محمد - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top