الفصل الثاني عشر (الجزء الثاني)
“أريد التحدث معِك قليلاً رهف”
قالها عَمَّار بابتسامة مرتجفة لأخته التي تورَّمَت عيناها بكاءاً منذ الصباح، ثم أشار إليها لتجلس إلى جواره على الأريكة، ففعلت..
نظر لها بابتسامة مترددة ثم سألها فجأة:
_ما رأيك بإقامة دعوى إثبات نسب وإجراء تحليل حمض نووي؟
وقبل أن تستوعب عاجلها:
_لقد تحدثت مع أحد المحامين بذلك الشأن، فما رأيك؟
فغرت فاهها وسألته بدهشة:
_ماذا تقول عَمَّار؟ لماذا؟
رمقها باستهجان ثم قال:
_حتى نتخلص من تلك القصة تماماً، حتى يدرك الجميع أنكِ لست..
بتر عبارته وهو يتهرب بعينيه منها فأكملت هي بهدوء:
_لست ابنة خطيئة عَمَّار، قلها، فأنا اعتدتها منذ سنوات.
هَزَّ رأسه رافضاً ثم خاطبها بحنان:
_حبيبتي أنا أريد كتم كل الأفواه التي تخوض بنسبك.
ترددت لثوانِ ثم سألته بقلق:
_هل.. هل وصل الضرر إليك؟ أو إلى عملك؟ هل عَلِم أحد زملاؤك أننـ…
هتف بها بغضب للمرة الأولى:
_توقفي رهف!
ثم زفر بضيق متابعاً برفق، مُشدداً على كلماته:
_أنتِ أختي، وصغيرتي، ومن لا يقتنع أو يصدق ذلك فليحترق لا أهتم.
وأضاف بحنان:
_اقتراحي من أجلك أنتِ، من أجل إثبات نسبك.
هَزَّت رأسها رفضاً على الفور قائلة:
_لا أريد عَمَّار.
نظر لها بدهشة فتابعت بألم:
_لن أكذب وأخبرك أنني لا أتمنى إثبات نسبي، لن أخفي أن أشد ما أريده للأسف هو اسم ذلك الرجل بعد اسمي.
وترقرقت عيناها بالدموع وهي تستدرك:
_لكن.. لكن ليس عن طريق تعريضك لفضائح أكثر، أو مخاطر من أي نوع.
ثم طأطأت رأسها أرضاً وأردفت بِوَجَل:
_هذا الرجل رَضى بأن تُلقَى ابنته في بيت آخر وأنكر أبوته لها، هذا الرجل ضرب خالها أمامها وهددها..
صمتت للحظات ثم تابعت بألم:
_هذا الرجل تسبب في موت ثلاثة أشخاص ولم يجفل، ثم اختطف.. ثم اختطف عائلهم الوحيد دون أن تنتابه شفقة أو رحمة.
وفجأة أمسكت يده بقوة متابعة بخوف واضح مُطأطأة رأسها أرضاً:
_ هذا الرجل بإمكانه إيذائك أنت ومَوَدَّة وإياد نفسه، وأنا لن أقامر بأحدكم، أنتم عائلتي التي توقفت عن الحُلم بالحصول عليها، لا أتخيل أن أُحرم من أحدكم عَمَّار.
ثم رَفَعَت رأسها مخاطبة إياه بتوسل:
_انس الأمر عَمَّار، طالما عقد الزواج ليس بحوزتي فسأبقى للأبد رهف وفقط.
هَبَّ واقفاً وهو يصيح بغضب:
_أنا متأكد أن الحقيرة ابنة خالك لاتزال تمتلك ذلك العقد وتكذب بشأن ضياعه.
أومأت برأسها إيجاباً واتجهت إليه قائلة بخفوت:
_أعلم، لكن دعك منها عَمَّار، دينا ستتمسك بأي سبب يكدر معيشتي، لا تهتم!
والغضب بعينيه زاد أكثر فتابعت برقة:
_لا تشغل بالك، أنا قد تَقَبَّلت منذ زمن أنني لن أستطيع الحصول على اسمه، وحمداً لله قد صارت لديّ عائلة، لا تبتئس!
لكنه قد استسلم لشروده تماماً، فلم يُعلِّق على عباراتها التي حاولت بها التخفيف من حِدة غيظه، ولم يشعر بِقبلتها على وجنته قبل أن تعود إلى غرفتها.
**********
باليوم التالي:
“مرحباً، هل سيدة مَوَدَّة موجودة؟”
رَفَعَت رهف رأسها عن طابعة الحاسب الآلي التي تأبى تحرير الورقة، ثم تطلعت إلى ذلك الشاب المبتسم والذي يبدو عليه الذوق والتهذيب وردَّت:
_نعم، هي بمكتبها لكن لديها مكالمة هاتفية هامة.
ثم استدركت:
_هل لدى حضرتك موعد معها؟
اتسعت ابتسامته وهو يُجيبها:
_في الواقع لا، لكنني كنت قد أخبرتها أنني سأزورها من أجل بعض الإرشادات الدعائية، لِذا جئت أعرض مساعدتي.
حدَّقت رهف بوجهه وهي تُحاول تذكُّر هل اتفقت مع مَوَدَّة على الإعلان عن طلب مسئولين دعاية من قبل؟
ربما!
لا تدري!
فما حدث بالأمس محا عن عقلها أي معلومة بشأن أي شيء سوى
ساري!
“مهلاً يا فتاة! أيتلفظ عقلك باسمه بمنتهى البساطة هكذا؟”
“طالما لا يتلفظ به لساني ما الضرر؟”
ابتسمت له بتهذيب وهي تشير إلى أحد المقاعد قائلة:
_تفضل بالجلوس حتى تنتهي السيدة مَوَدَّة.
جلس يتطلع إلى المكان بفضول بينما عادت هي إلى الطابعة اللعينة تحاول استخراج الورقة بغضب منها؛
ومن نفسها؛
ومن ساري؛
“توقفي!”
_خالد؟! يا لها من مفاجأة! متى جئت؟
صاحت بها مَوَدَّة ببشاشة عندما خرجت من مكتبها ووجدته جالساً بصالة الاستقبال، وقف على الفور وهو يرد بابتسامته المعهودة:
_لتوي جئت لكنك كنتِ منشغلة.
أشارت مَوَدَّة إلى غرفة جانبية قائلة:
_تفضل خالد بمكتبي كي تُخبرني ماذا أفعل في قصة الدعاية تلك.
ثم التفتت إلى رهف الغارقة تماماً بغضبها من الطابعة قائلة:
_رهف، لو سمحتِ أخبري السيدة نادية أن تُحضر بعض العصير، واتركي تلك الطابعة حتى يأتي المُصلح.
أومأت رهف برأسها حينما هتف خالد بابتسامة مهتمة:
_رهف؟! هل أنتِ أخت عَمَّار؟
نقلت نظراتها بينه وبين مَوَدَّة التي استدركت بانتباه:
_يا لعقلي الضائع! لقد نسيت أن أقدمكما، خالد هو ابن عمي الذي عاد مؤخراً من السفر.
ابتسمت رهف بمجاملة:
_أهلا وسهلا.
ليُعلق خالد بنفس الابتسامة:
_أهلاً رهف، أنتِ جميلة جداً!
فغرت فاهها دهشة وفعلت مَوَدَّة المثل، لكن الأخيرة كانت الأسرع في التخلص من دهشتها وهي تخاطب خالد:
_تفضل خالد إلى المكتب، سألحق بك.
أومأ خالد برأسه وتحرك بينما التفتت مَوَدَّة إليها هامسة:
_اعذريني أنا رهف، لقد عاش عُمره بالخارج وتعبيره عن جمال فتاة لا يعرفها بمثابة سلوك مهذب منه، أرجوكِ لا تُخبري عَمَّار كي لا يهشم عنقي.
ضحكت رهف برقة مُجيبة إياها بنفس الهمس:
_لا تخافي، هذا أحد أسرارنا، لكن أخبريه عن الفارق بين ما يحدث هنا وما يحدث في الخارج، كي لا تضطروا يوماً إلى استلامه من قسم الشرطة!
ضحكت مَوَدَّة وهي تتجه إلى مكتبها فعادت إلى الطابعة تصب جام غضبها عليها لبعض الوقت، حتى:
“مرحباً رهف!”
التفتت تجاه الباب ثم انفرجت ملامحها بابتسامة واسعة، وهي تهتف:
_أهلاً حمزة!
_كيف حالك سيادة المُترجمة؟
تقدم منها مبتسماً فأشارت إليه بالجلوس على أحد المقاعد المُقابلة وهي ترد:
_أنا بخير، كيف حال أستاذ جمال وكيف حال والدتك؟
رد حمزة بهدوء:
_بخير.
ثم تابع بقلق:
_أنا لم آتِ وحدي رهف، هناك شخصاً ما بصُحبتي يود مُقابلتك.
ضيقت عينيها بتساؤل:
_مَن؟
نظر بساعته بتوتر قائلاً:
_ستعرفين الآن.
لماذا تأخرَت؟!
وهل تأخرَت أصلاً؟!
لقد أرسل إليها العنوان والموعد بالأمس في رسالة نصية بعدما انتهت مكالمتهما القصيرة ذات الأثر الطويل في نفسه، ليعاني نوم مُتقطع ثم استيقاظ نشِط بالصباح الباكر ليسبقها إلى هنا، وها هي قد تأخرت..
دقيقتين!
ربما ثلاثة!
_السلام عليكم.
التفت برأسه بسرعة تجاه الباب يحدِّق بها و…
“لقد اشتقت إليها يا حمزة!”
“أتمزح يا رجل؟!”
في حين لم يرد أحدهما سلامها، فالأول شارد بصدمة اكتشافه شوق لا يفهم له سبب، والأخرى تحدق بها مُستعيدة صور لم تشهدها حقاً
أب؛
أخ توأم؛
أخت مولودة جثة؛
أخ سند؛
وخَرَس!
وعندما هَمَّت سارة أن تستدير لتغادر بيأس وحرج قبل أن تطردها هي، كانت رهف تنطلق إليها بالفعل جاذبة إياها إلى أحضانها، مُتشبثة بها؛
بقوة، باحتياج، بمؤازرة!
لحظات صمت إلا من أصوات بكائهما سوياً..
_إذن أنتِ فعلاً سلمى!
هتفت بها سارة دامعة وهي مُستندة بجبهتها على إحدى كتفيها لتُجيبها بابتسامة دامعة أيضاً:
_أنا سأكون لكِ كما تريدين سارة، صديقة وأخت كما تُحبين وأكثر.
**********
يجلس بالقرب منهما في صالة الاستقبال بالمكتب، متظاهراً بمطالعة أحد المقالات الطبية على هاتفه، لكنه في الواقع للمرة الأولى بحياته.. يتلصص!
الطبيب الوقور الهادىء المتأني يُرهف السمع لأحاديث جوفاء بين فتاتين، أو في الواقع لحديث إحداهن تحديداً!
وعقله؛
ينهره ويُحذره..
وقلبه؛
متيقظ بطريقة غريبة..
وعيناه؛
تهربان إليها رغماً عنه!
“يا دكتور حمزة، الشاي!”
انتبه أخيراً إلى السيدة نادية التي أدرك أنها تقف أمامه منذ فترة ليست بالقليلة، حمحم بخشونة وابتسم لها باعتذار وهو يتناول الكوب الزجاجي منها شاكراً إياها بخفوت، بينما رمقته بابتسامة ماكرة بعدما كَشَفَت مرمى نظراته وسبب شروده..
_هل هي صديقة الآنسة رهف؟
سألته بخفوت فاتسعت عيناه بتوتر وتظاهر بعدم الفهم قائلاً:
_من تقصدين؟
ضَيَّقت السيدة عيناها ثم قالت بلهجة ذات مغزى:
_كتلة الحيوية والمرح تلك.
احتبست الكلمات في حلق حمزة فتابعت المرأة بضحكة مستمتعة:
_أتعلم يا دكتور؟ أنا أحب العيون الخضراء كثيراً، ألا تشاركني رأيي؟
عَبَس حمزة بشدة ثم قال بخشونة:
_أنا أحب جميع العيون سيدة نادية، فهم مصدر رزقي في كل الأحوال!
وقبل أن تتفوه بكلمة ارتشف حمزة السائل الساخن دفعة واحدة متجاهلاً الاحتراق الذي شعر به في حلقه وأمعائه، بينما شهقت هي بدهشة هاتفة:
_ستحترق يا ولدي، حاذر!
لكنه لم يأبه وأعطاها الكوب الفارغ بابتسامة صفراء قائلاً:
_شكراً سيدة نادية! لو سمحتِ أنا كنت أطالع مقالاً هاماً، هلا تركتني الآن؟!
أمعنت السيدة النظر به بمكر ثم أولته ظهرها وانصرفت متمتمة:
“ما أجمل بدايات قصص الحب!”
اتسعت عيناه أكثر والتفت بسرعة إلى سارة ورهف ليزفر نفساً مرتاحاً وهو يتأكد أن إحداهما لم تسمعها!
**********
“شكراً خالد، لقد أفدتني حقاً”
هتفت بها مَوَدَّة بامتنان فتقدمها خالد إلى خارج المكتب لتتبعه، لكنها ما لبثت أن توقفت بدهشة وهي تطالع الضيفين الموجودين مع رهف، أحدهما تعرفه بالطبع بسبب صداقته القريبة مع عَمَّار، والأخرى….
_سارة صديقتي يا مَوَدَّة.
ثم التفتت إليها قائلة:
_وهذه مَوَدَّة، زوجة عَمَّار وأخت لي!
اتسعت عينا مَوَدَّة بدهشة وهي تتعرفها، فقد رأتها أيضاً بذلك اليوم المشئوم، تقدمت منها الفتاة بتوجس فطردت دهشتها فوراً مبتسمة:
_أهلا بكِ سارة، أنرتِ مكتبنا.
ارتاحت ملامح سارة فوراً وهمت بالرد حينما ارتفع صوت خالد من خلفها:
_هل كل الفتيات هنا على هذه الدرجة من الحُسْن يا مَوَدَّة؟
والدهشة حلّت على ملامح رهف وسارة، بينما ودَّت مَوَدَّة لو تلكزه في معدته..
وبخلافهن فقد نظر إليه حمزة بهدوء مُريب عابساً بوضوح، متسائلاً بوجوم:
_من هذا؟
حمحمت مَوَدَّة بحرج وهي تجيب:
_إنه خالد، ابن عمي.
ثم استدركت بسرعة:
_لقد عاش عمره كله في الخارج وللتو عاد.
وكأن ذلك التوضيح وافِ، لكن ملامح حمزة المتجهمة لم تنشرح وهو يُعقِّب بامتعاض صارخ:
_أهلاً!
ثم التفت فوراً إلى سارة قائلاً بنزق لاإرادياً:
_سارة! ألم تخبريني أنكِ لا تملكين سِوى ساعة واحدة للاستراحة؟! ها قد انتهت، هيا إلى عملك!
نظرت له كلا من مَوَدَّة ورهف بدهشة، لكن سارة تطلعت إلى ساعتها بقلق ثم هتفت:
_يا إلهي! أنت محق دكتور حمزة، لقد تأخرت كثيراً عن العمل، سيقتلني عاصم!
ارتدت حقيبتها واتجهت إلى مَوَدَّة مُقبِّلة إياها ببساطة؛
ثم فعلت المثل مع رهف؛
ثم..
“ألن يحين دوري؟!”
نفض رأسه مُتسع العينين بذعر..
“لقد جنِنت حمزة!”
_إلى اللقاء دكتور حمزة، شكراً جداً.
وبنفس ابتسامتها البسيطة انصرفت فتخشب مكانه لوهلة مُحدِّقاً في إِثرِها حتى أن رهف ومَوَدَّة لاحظتا ذلك..
“لماذا يدُق قلبك بهذه السرعة حمزة؟!”
**********
ألقت دينا هاتفها فوق الفراش بغضب بعد أن أنهى تامر المكالمة فجأة تلك المرة أيضاً..
لقد أصبح وضعها هنا لا يُطاق، الجميع لا يتعامل معها، وإن تعاملوا لقت الغرور والعجرفة وإشعارها دائماً أنها لم تكن تحلم بالوصول إلى هنا..
وهل هذا غير حقيقي؟!
لا! بالفعل هي لم تكن تتخيل أن تقطُن مكان بذلك الفخامة، ولا تعيش بمستوى بتلك الرفاهية، بعدما ذاقت حياة عادية ببيتها ثم ببيت حمزة..
حمزة؟!
لم يكن يتعامل معها بطريقة فوقية مُطلقاً بالرغم من أنها من كانت تفعل ذلك عبثاً، لكنه كان يتجاهل فورات غضبها بصبر شديد.
الآن هي لا تدري ما الذي تفعلُه ليتسبب بِغضب تامر منها طوال الوقت..
اتسعت عيناها فجأة وهي تهتف:
“أمه!”
بالتأكيد هي من تتسبب في ذلك، فهي لا تترك فرصة إلا وأخبرتها دون كلمات واضحة بمدى كراهيتها وعدم موافقتها على تلك الزيجة، والآن ربما ستدفعه إلى تطليقها؟ ربما هذا ما حدث مع زوجتيه السابقتين أيضاً؟!
وهل ستترك لها الفرصة؟!
هي، من كافحت طويلاً كي تصل لحياة مثل هذه تتخلَّى عنها بتلك البساطة؟!
“أنتِ لا تعرفينني إذن سيدة هدى، أنا لا أستسلم أبداً!”
ماذا تفعل إذن؟
أتنفذ نصيحة أمها وتُسارع بالإنجاب منه؟
لكنها.. لكنها لا تريد الأطفال الآن وليست مستعدة لتربيتهم وتحمُّل عنائهم وضوضائهم..
أمها نفسها لا تعلم السبب الرئيسي في انفصالها عن حمزة وتظن أنه بخصوص ابنة عمتها…..
دق هاتفها فانطلقت إليه مُسرعة هاربة من أفكارها معتقدة أنه تامر، يبدو أنه أدرك خطأه وسيطلب رضاها الآن..
رقم غير مُسجل!
ربما!
“مرحباً!”
صمت للحظات ثم:
_مرحباً سيدة دينا، مُبارك زيجتك الجديدة.
عقدت حاجبيها باستغراب مُجيبة:
_شكراً، من تكون أنت؟
صمت آخر أثار التوجس في نفسها، والذي تحول إلى رعب حقيقي عندما جاءتها إجابته الهادئة بصوت رخيم على النقيض تماماً من المعاني الواضحة بها:
_أنا_يا سيدة دينا_ من سيُحيل حياتك إلى جحيم حارق، أنا من سيُخلص الحق منكِ، ولنبدأ بحق ابنة عمتِك.
صمت هو ولم تجد رداً تتغلب به على رُعبها فتابع بنفس الهدوء:
_هل ستُخبريني بكل أدب أين هو عقد الزواج العرفي الذي يخص والدتها، أم سأضطر لطلب تدخُّل تامر بِك؟!
عندئذٍ شهقت وشحب وجهها وهي تسأله بصوت مبحوح:
_من أنت؟ وكيف تعلم كل ذلك عني؟
ضحكة بطيئة رنَّت بأذنها، ضحكة أكدت لها أن ذلك الشخص على الطرف الآخر لا يُهددها جُزافاً:
_أنتِ تريدين لقاءاً بيننا إذن! في بيتك أنتِ، أقصد في فيلا تامر بك وأهله بالطبع!
صرخت به بغضب:
_أنت تُهددني شديد بك؟ ألا تعلم أنني بإمكاني أن أعرض ذلك العقد على مواقع التواصل لتكتمل فضيحتك التي بدأها عريس ابنتك؟
تنفس ثائر بصمت تام جعلها تدرك أنها تسرَّعت، لكن على العكس تماماً جاء رده هادئاً:
_أولاً: أنا لم أذكر أنني شديد بك، ثانيا: افعليها سيدة دينا كي أكون أكثر من سعيد وأنا أعرض على تامر بك بعضاً من محاسن زوجته، ثالثاً: ساعدي زوجك في اختيار ملابسه قليلاً، تلك السُترة البُنية تبدو بشِعَة عليه للغاية.
لَطَمت خدها وهي تسأله بصوت متحشرج:
_هل تُراقبه؟
فيُجيبها ببساطة:
_أنا لا أحيد عن أهدافي سيدة دينا، ولا أترك من يتسبب لي بضرر!
ثم بنبرة مُبتسمة بالرغم من أنها لا تراه أردف:
_والآن سأُرسل لكِ عُنواناً، أريد العقد به غداً صباحاً، فإن لم يتم ذلك أرجو أن تُضيفوا فرداً على قائمة عشائكم!
وانتهت المكالمة!!
لتقف هي مكانها مُتشبثة بالهاتف بلا إرادة، شاحبة الوجه، ويدوي قلبها بذُعر!
**********
خرجت من المكتب تاركة السيدة نادية التي تهتم بالترتيب في انتظار مُصلِح الطابعة قبل بدء الدورات التدريبية بالغد، وهبطت إلى الأسفل مُنشغلة العقل بما حدث بالأمس، ظهور سارة في ذلك الوقت بالذات هدَّأ قليلاً من ثورة أفكارها بعد علمها بنبذة عن ماضي ساري!
“أحقاً عُدتِ للفظ اسمه بعقلك بمنتهى البساطة؟!”
زفرت بحنق وهي تتطلع إلى الشارع الرئيسي بحثاً عن سيارة الأجرة التي طلبتها عن طريق تطبيق الهاتف، لكن يبدو أنه لا يزال هناك بضعة دقائق على وصولها، استندت إلى أقرب سيارة في ترقُّب وهي تتظاهر بالتطلع إلى واجهة المحل المُقابلة كي تطرد احتلاله لأفكارها، وبجوار الواجهة تماماً، على السيارة السوداء يستند!
هو؟
نعم هو؟
ساري!
المخادع؟..الحبيب!
الغادر؟..المغدور!
الظالم؟..المظلوم!
على الطرف الآخر تفصل الأمتار بين جسديهما وتتحد عيونهما كالحديد بالمغناطيس..
لا هو يحيد بنظره عنها؛
ولا هي تفعل..
لا هي تتحرك قيد أنملة؛
ولا هو يفعل..
لا هو يرفرف مرة بأهدابه؛
ولا هي تفعل..
لكنه لم يكن ليترك تلك المنحة تضيع هباءً…
تقدَّم خطوة.. فخطوة، ببطء يتحرك..
ليُسرع خطوة.. فخطوة، بِتَعَجُّل يمشي..
ليُهروِل خطوات..فخطوات، لينطلق تجاهها..
وتوقف أمامها!
……..
يلهث وتلهث على الرغم من سكونها؛
يمتص ملامحها بعينيه وكذلك تفعل هي؛
ترتعش شفتيه فتتراجع دقات قلبها واهية!
ثم..
“رهف!”
وأسدلت جفنيها..
هل يُعقَل أنه يستطيع تقبيل حروف اسمها؟
طبعاً لا! لِمَ تشعر بذلك إذن؟
هل يُعقل أنه يتنفس حروف اسمها؟
طبعاً لا! فلِمَ تشعر بذلك إذن؟
وثانية..
“رهف!”
وحررت عينيها..
صدره يعلو ويهبط بسرعة حتى شعرت أنه سينفجر؛
يداه ترتعشان بطريقة واضحة حتى شعرت بالرغبة في تمسيدهما بحنان تصرخ خلجاته مطالبة به؛
والآن..
أتصفعه؟
أم تضمه؟
ولازالت مشتتة!
وثالثة..
“رهف!”
_ماذا تريد؟!
ويبدو أن عقلها قد استيقظ أخيراً فقرر حل الموقف بطريقته، ثم كررت بِحِقد:
_ماذا تريد مني؟
وإجابته كانت عن سؤال لم تسأله..
رفع كفه التي لاتزال تحمل الحلقة الفضية ليتلمس الهواء بجانب وجهها، وبخفوت رد:
_لم أستطع رهف!
ثم اجتذب نفساً مرتجفاً وهو يُجيب:
_لم أستطع الابتعاد!
شهيقاً آخر وهو يُزيد:
_أموت كل لحظة!
وإضافة أخيرة:
_أستحق كل ما أعانيه بمنتهى العدل رهف!
واحتكمت للبرود فور أن شعرت بقلبها الخائن يعدو نحو الاستسلام، فاجتذبت بسمة ساخرة وسألته:
_ألم تمل مراقبتي؟
ليقترب خطوة.. خطوة واحدة أشعرتها فعلاً بالخطر والضعف وهو يُجيب:
_أنا أستطيع مراقبتك طوال الوقت، طوال اليوم، طوال العمر، وأستقبل تلك الهبة شاكراً.
“إياكِ والضعف يا حمقاء!”
_لكن أنا لا أهتم، وإن رأيتك تراقبني مرة أخرى سأقوم بتبليغ الشرطة!
ومرة أخرى فاجأها وهو يسألها بتوسل:
_هل سيجعلك ذلك تُعطيني فرصة أخرى؟
حدقت به بدهشة متجاهلة الذبذبات التي تطلقها عيناه تجاهها وسألته بدهشة:
_ماذا تعني؟
وبخفوت وضَّح:
_أعني إن أنا ذهبت بنفسي إلى الشرطة وقمت بالتبليغ عن نفسي لأي سبب ما، هل ستُعطيني فرصة أخرى؟
تلجلجت وقد أفلتت دقات قلبها بالفعل:
_فرصة لِمَ؟
وبهمس أجاب:
_لأعتذر لكِ، فقط أريد الاعتذار، أنا لا أستحق تلك الفرصة، فهل إن فعلت أياً ما ستطلبينه مني ستمنحينني إياها؟
ورابعة..
“رهف!”
ومن بين أسنانها هتفت:
_توقف عن مناداتي!
وبعناد رد:
_لا أستطيع!
وبعشق واضح أضاف:
_أنا أتنفسه، أتنفس اسمك، كيف تطلبين مني كتم أنفاسي بيدي؟!
كيف يفعلها؟!
بالله عليه كيف يفعلها؟!
“حمقاء رهف لا تضعفي!”
ورسمت برود مُفتعل، وابتسامة مستفزة، وصوت هادىء:
_لا يهمني حقاً إن توقفت أنفاسك، لا يهمنى إن اشتعلت بك النيران أمامي أو دعستك شاحنة ما يا ساري، سأكون سعيدة للغاية، وشامتة للغاية، وأنت بالأصل تستحق أكثر!
وأغمض عينيه مُستمتعاً بابتسامة آلمت وجهه الذي افتقدها لشهور، لقد نادته! لقد خرج اسمه هو من بين شفتيها هي، بصرف النظر عن بشاعة الجزء الآخر من الكلمات، ليجد نفسه يفتح عينيه ويتجول بهما على كل ذرة بوجهها قائلاً بابتسامة مشتاقة:
_لقد استطال لسانك كما استطالت أهدابك يا مُشعثة!
والصمت تسيَّد الموقف..
نظرات عتاب.. تقابلها نظرات ندم
نظرات ألم .. تقابلها نظرات أسف
نظرات حيرة.. تقابلها نظرات توسل
ثم:
“رهف الجميلة! كيف حالك؟”
والذهول تسيَّد الموقف!
التفت الاثنان تجاه صاحب العبارة؛
تطلعت رهف إلى خالد..
بشوش الملامح، المُهَذَّب، اللامبالي؛
وتطلع ساري إلى خالد..
المستفز، السخيف، المائع!
توقف خالد أمامهما وهو يوجه حديثه إلى رهف المُتخشبة مكانها متسائلاً ببراءة:
_هل أغلقتِ المكتب؟ أنا أتيت من أجل تصليح الطابعة، ألم تُخبرك مَوَدَّة؟!
حمحمت رهف وهي لاتزال تُجمِّع كلمات لا تعرف ماهيتها:
_لقد.. لقد تركت السيدة نادية بالأعلى، هي ستكون معك، و..لا ، لم تخبرني مَوَدَّة أنك أنت من ستقوم بإصلاحها.
وابتسامة مرتجفة منها انمحت فور انطلاق العبارة الخشنة العدائية من الآخر وهو يمسك بتلابيب خالد الذي انتابه ذعر مفاجىء بينما يستمع للأسئلة المتلاحقة :
_من تكون أنت؟وكيف تعرفها؟ وكيف تناديها بالجميلة؟ ولِمَ تضحك بلا سبب مُقنع بهذا الشكل؟!
“يالمصيبتك رهف!”
شهقت بخوف وَهَمَّت بالتحدث، لكنها ابتلعت كلماتها وهي تطالع الغضب يُعربِد بحُرِّية على ملامح وجهه الثائرة، ورغماً عنها التزمت الصمت وتوترها يتزايد بسرعة..
على عكس خالد الذي يبدو مُسالماً بشدة برغم ذهوله، أو ربما مُتبلِّد الإحساس!
_أنا خالد، ابن عم مَوَدَّة زوجة أخ رهف.
وبسرعة أضافت هي رغبةً بمنع حلول شجار بمنتصف الشارع وأمام مكان عملها:
_لقد عاش عمره بالخارج ولا يعــني…..
ونظرته المُرعبة لها جعلتها تبتُر عبارتها والقلق تحول إلى خوف..
خوف لم يصل إلى خالد الذي تساءل بفضول دونما مراعاة لوضعه المُهَدَّد:
_وحضرتك تكون؟
“يا ليومك الذي سينتهي بفضيحة أخرى رهف!”
وانتقلت نظرته المرعبة منها إلى الآخر الذي استفزه بكل خلجة به قبل حتى أن يفتح فمه..
ثم ارتخت كفيه وهو يتركه على مضض، بينما أهداه نظرة قاتلة، حارقة، تنطلق السهام المسمومة منها لتخترق عينيه الوديعتين، وأخيراً شدد ببطء قائلاً:
_أنا المهندس ساري صبري رشوان، أكون زوج رهف، ولا أسمح لأي رجل أن يناديها بالجميلة سواي!
“يا لحُفرتك السوداء التي وقعتِ فيها يا رهف!”
وقبل أن تهُم بنفي ذلك الجنون الذي تفوه به لتوه؛
وقبل أن يستكمل هو الشجار مع خالد الذي يشبه أحد الارانب المذعورة بالقصص المُصورة؛
ارتفع رنين هاتفها مُعلناً عن وصول قائد السيارة، وبمنتهى البساطة انسلَّت من بينهما إليها دون أن تلقي نظرة واحدة عليهما..
حَدَّق خالد في إثرها بدهشة ثم نظر إلى ساري الذي اختفى تهذيبه وأناقته ووسامته تماماً خلف ملامح مُخيفة تُنذِر بالكثير، وتُذكره بأفراد العصابات الذين كان يتحاشى المرور من الحي الذي يسيطرون عليه عندما كان يعيش بالخارج؛
ليبتسم بتوتر قائلاً:
_عُذراً، لم أعلم بأنها متزوجة، لم أرَ بيدها أي…
اقترب ساري منه مُتمهلاً مرة أخرى يسأله بصوت خفيض على النقيض تماماً مم يظهر على وجهه من غضب:
_ولِمَ تنظر ليدها بالأساس؟! هل أنت طبيب أمراض جلدية؟!!
ظهر عدم الفهم على وجه خالد فقال بارتباك:
_أنا…
وبنفس النبرة قاطعه:
_اسمع جيداً، انس أمر الهندسة التي أخبرتك عنها لِتوي تماماً واعتبرني من أرباب الشوارع، وإن تطلعت إلى رهف مرة أخرى لا تلُمني على رد فِعلي!
هَزَّ خالد رأسه قائلاً بدفاعية:
_لا أفهم، أنا لم أعنِ شيئاً، لقد كنت أعبر عن إعجابي بـجمالـــ…
لكنه بَتَر عبارته بنفسه هذه المرة عندما ارتفع حاجبا ساري إلى أعلى جبهته واتسعت عيناه بطريقة مثيرة للقلق قبل أن يضرب إحدى كفيه بالأخرى، ثم يهتف به ذاهلاً:
_هل أنت مُختل يا بُني؟!
تراجع خالد إلى الخلف بِتوجُّس وقد بدأ بعض المارين يلاحظون ما يحدث فتوقفوا للمشاهدة وتحفزوا للتدخل في حال احتدمت الأمور..
وساري الذي أخذ صدره يرتفع وينخفض بصورة غريبة قال له بعد ثوانِ من بين أسنانه:
_اسمع يا هذا! ربما أنت لا تفقه عاداتنا هنا، لكنني أحذرك من مجرد النظر إلى زوجتي كي لا تُجلِب لنفسك المصائب!
وقبل أن يرد خالد تابع ساري مُشدداً:
_وأعني بالمصائب ما لا يخطر على تفكيرك مطلقاً!
ابتسم خالد ببساطة قائلاً:
_أعتذر منك، هل حُلَّت المشكلة الآن؟ نحن بهذه الصورة نرتبط بِصِلَة قرابة بعيدة في آخر الأمر!
عَضَّ ساري على شفتيه بِغيظ فاضت نظراته به بِغزارة شديدة قبل أن يتراجع إلى الخلف لينصرف دون توديع مُغمغماً بمنتهى الامتعاض:
_يا للميوعة!