رواية سكن روحي الفصل التاسع 9 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

الفصل التاسع (الجزء الثالث):
عودة إلى الوقت الحالي:
“لِمَ؟!”
يقف أمامها منهكاً كما كان في ذلك القبو منذ سنوات؛
أطرافه باردة كما كانت أطراف سامر منذ سنوات؛
وجهه شاحب كما كان وجه أبيه عندما غطاه بنفسه منذ سنوات؛
لا يجد صوته كي يتحدث كما كانت سارة منذ سنوات؛
ضئيل الروح، والنفس، والقوة، كما كانت سلمى منذ سنوات؛
ملتاعاً، مقهوراً، متحسراً، كما هي أمه..حتى الآن ومنذ سنوات!
وبم يجيب؟
أيخبرها لأنه نذل؟
خسيس؟
ظالم؟!
أيخبرها لأنه لا يشعر حقاً بأي مما يدور حوله؟
أيخبرها بأن ذلك السؤال بالتحديد يقف منذ سنوات في حلقه لِيُصَعِّب عليه التنفس، لكنه للأسف يفشل في إيقافه تماماً؟
ولما لم يجب تابعت:
_هل شعرت بالندم أثناء عقد القران؟ أم قبله؟ أم بعده؟ هل فكرت في التخلّي عني قبله أم بعده؟ هل اكتشفت صعوبة ما ورطت نفسك به قبله أم بعده؟
وجاء صوته المبحوح أخيراً لدهشتها صادقاً حاسماً:
_أنا لم أشعر بالندم على ارتباطي بكِ أبداً رهف.
واصلت تحديقها الهادىء به ثم تحدثت:
_إذن؟!
ازدرد لعابه ثم أجاب بخفوت:
_أبوكِ هو من كان هدفي!
وكانت تلك العبارة هي بداية جذب انتباهها إلى شيء آخر، إلى العبارات المُشَوَّشَة التي صاح بها أخوها في القاعة عقب الفضيحة، عقدت حاجبيها باستغراب ثم بدأت عيناها تتسعان ببطء، ليدرك هو أنها أدركت.
_منذ متى؟
أغمض عينيه مدارياً ألمه فصرخت فجأة:
_أجبني منذ متى؟
ولما لم يرد اقتربت منه مصدومة هاتفة:
_منذ البداية؟ منذ البداية يا ساري كان هو هدفك؟
ثم توقفت لحظة واتسعت عيناها أكثر وارتجفت شفتاها مُتسائلة :
_السرقة.. كانت مُدبرة؟!
ترقرقت عيناه المغمضتان بالدموع فكررت صارخة:
_أجبني ساري، السرقة كانت مُدبرة؟ زياراتك لابنة خالتك كانت مُدبرة؟ كل ما حدث لم يكن صدفة ؟ لم تكن هناك أية صدفة؟!
ثم شهقت باكية وهي تتابع:
_كل تمسُكك بي واهتمامك بي وإصرارك عليّ لم يكونوا صدفة؟ كل…..
بترت عبارتها واتسعت عيناها مرة أخرى ثم سألته بِخفوت:
_أكنت تعرف ساري؟ كنت تعرف منذ البداية أنني لقيطة وتركتني أشعر بالخزي والخجل أمامك؟ كنت تعرف وتركتني أرتعب وأنا أفكر في نظرتك إليّ طوال الوقت؟ أكنت تعرف؟
وعندما حاول الرد كان صوته قد هرب منه تماماً، ليقوم بإيماء رأسه إيجاباً فارتدت إلى الخلف شاهقة:
_يا إلهي!
فتح عينيه أخيراً وهو لا ينوي إخفاء دمعاته عنها وحدها قائلاً بألم:
_أنا.. أعرف أنني ظالم ونذل، أعرف تماماً أنكِ لا تستحقين ما فعلته بك، لكن.. لكن ثقي بأن عقابي بكراهيتك لي وفقداني لكِ أنا أتلقاه الآن و…
صرخت مقاطعة إياه بِقهر:
_بِمَ يفيدني ذلك؟ بِمَ يفيدني بعد أن كسرت قلبي وأجهزت على حياتي، لقد عشت بماض مُخزِ وحاضر مؤلم وبلا مستقبل، وحينما وعدتني أنت بالمستقبل اختطفته مني وصفعتني بعار آخر سيلاحقني لبقية عمري.
أنَّاتها الضعيفة الباكية تمزقه، اقترب خطوة يتوسل لمسة..
لمسة واحدة فقط هي كل ما يتمنى؛
لمسة كانت من حقه منذ يومين فقط لكنه بمنتهى القسوة والغباء حرم نفسه منها! فَكوَّر قبضتيه يبغي تمزيقهما وهي تتابع بصوت سيقتله حتما الآن:
_ألم.. ألم يكن هناك أي شيء حقيقي؟ أي شعور ربما؟
وعندما هم بالإجابة بسرعة انتفضت مقاطعة بصراخ:
_لا! لا تُجِب! لا أريد، لن أصدقك على أي حال.
اتسعت عيناها وازدردت لعابها بينما غيوم الجهل تنقشع عن عقلها رويداً رويداً:
_هو.. قام بإيذائك بطريقةٍ ما فاستخدمتني أنا! .. أهذه هي العدالة التي كنت تتمنى تحقيقها؟ ألهذا كنت أنا أهم أهدافك؟!
وعادت شهقاتها الباكية ثم أردفت بصوت خافت:
_لقد أحببتك منذ رأيتك ساري، أحببتك لكنني لم أجرؤ حتى على تمني ارتباطك بي، وعندما حدث ذلك كدت أطير من فرط سعادتي، كنت أحدق بصورتي بالمرآة وأتساءل: هل أنت حقاً تراني؟ هل أنت تفكر بي؟ هل أنت فعلا تريد الزواج مني؟
وفجأة ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها وهي تهتف:
_ أتذكر ذلك اليوم الذي نعتّك فيه باللص؟! يا إلهي كم كنت محقة!
وبلهجة متوسلة حدّق بعينيها قائلاً بِخفوت:
_أرجوكِ رهف، أنا أموت بالفعل، أموت كلما أستعيد ما فعلته بك، لكنني لا أستطيع تراجعاً، لا أجد راحة فيما فعلت، ولم أكن سأجدها مطلقاً إن لم أفعل، لكنني لم أتعمد قتلك أنتِ رهف، لم….
هنا قاطعته صائحة:
_قتلي؟! أتعتقد ساري أنك قتلتني حينما عيرتني أمام الجميع بأن أبي لا يريد الاعتراف بي ؟!! أتعتقد بأن ما آلمني هو معرفة الحاضرين بأنني ابنة غير شرعية؟!
صمتت ليتنازعا النظرات المتألمة فتابعت:
_لا!، لقد اعتدت ذلك الوصف منذ سنوات من الجميع حتى ما عاد يؤثر بي.
سقطت دمعتان على وجنتيه توازيان دمعتيها بينما أكملت بصوت مبحوح وهي تشير إليه بسبابة مرتجفة:
_ما قتلني وجرحني حتى الصميم هو أنك أنت من أطلقت رصاصك على قلبي تماماً بينما أنا بانتظار ضمة من ذراعيك، ضمة تخبرني أنني وصلت لملاذي الآمن أخيراً، ضمة تخبرني بها أنك لن تسمح لأي شيء بجرحي مجدداً.
أغمض عينيه مرة أخرى والاحتراق بداخله يزداد ويشتعل وهو يدعو بداخله أن تنتهي أنفاسه فورا عند قدميها، ثم فتحهما مرة أخرى على عبارتها الهادئة:
_أنت دون الجميع من وثقت بك، أنت فقط! هل ستصدقني حينما أخبرك أنني لم أحب سواك مطلقاً؟ لم أهتم بتلك المشاعر حتى بمراهقتي مثل جميع الفتيات؟
اجتذبت أنفاساً اختلطت بشهقاتها ثم تابعت:
_لكن أنت وحدك ساري من استيقظ قلبي لك، حتى تمزقه بمنتهى القسوة!
ودمعتاه تكاثرا وتكاثرا حتى أغرقوا وجهه وهي تسأله بتوسل:
_أخبرني ساري، وأنت تطلق عليّ يمين الطلاق بليلة زفافي، وأمام جميع الحاضرين، وأمام عدوّي الأكبر، ألم.. ألم تشعر ولو بقليل من الشفقة بقلبك؟
ولما اختار الصمت صرخت به:
_تكلم ساري!، تكلم! ألم تشعر بأية شفقة بقلبك؟! بروحك؟!
أتموت عينا إنسان وهو على قيد الحياة؟!
أتتردد الأنفاس بصدر جثة؟!
أترتعش أصابع تمثال يقف أمامها الآن..يختنق؟!
وعندما وصلها رده الهادىء تماماً تسمرت تحاول استيعابه، واستيعاب الألم والقهر والحسرة الذين تغرق بهم خضراوتاه:
_ أتسألين عن قلبي؟!
توقف مبتسماً من بين دمعاته ثم تابع:
_أنا لا أملك واحداً، لقد دفنته في نفس القبر مع أبي وأخي وأختي الرضيعة.
حدقت به بلا فهم فأكمل بابتسامة أكثر اتساعاً ولا زالت دمعاته تنهمر أكثر:
_أتسألين عن روحي؟!
هز رأسه نفياً وهو يردف:
_هي لازالت هناك، حبيسة قبو مظلم، معلّقة بسوط ينهال على جسدي ليبعثر كرامتي ويمزق رجولتي!

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  مدونة كامو - رواية أحببت متهم الفصل الحادي عشر 11 بقلم نهلة أيمن - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top