رواية سكن روحي الفصل التاسع 9 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

الفصل التاسع (الجزء الثاني):
وفي المشفى:
مُحتضنا أخته التي لم تتوقف عن الارتجاف منذ أكثر من ساعة بقوة بين ذراعيه، مُحدقاً بصدمة مثل أبيه في الطبيب الذي أخبرهم أنهم قد وصلوا متأخرين كثيراً؛
وهكذا..
لم يعد هناك سامر!
لم يعد هناك أخوه الأصغر اللطيف الهادىء منذ مولده!
لم يعد هناك من ادَّخر من أجله مائتين وثلاثين جنيها كي يساعد في إجراء عمليته الجراحية!
“لِمَ؟”
**********

وبعد قليل:
طبيبة أخرى باختصاص آخر مع خبر آخر..
يبدو أن الركلة التي تعرَّضت لها والدته كانت أخطر مم توقعوا؛
وهكذا..
لن تصل”سلمى” الرضيعة بعد أسبوعين!
لن تصل تلك التي انتظر أن تغار سارة من بكائها المزعج وتتكلم أخيراً!
لن تصل تلك من ابتاع بالأمس من أجلها شراباً قطنياً شديد الصغر باللون الوردي!
“لِمَ؟”
**********

لا يوجد سامر..
لا توجد الرضيعة “سلمى”..
أسرتهم التي كانت ستتكون بعد أسبوعين فقط من ستة أشخاص أصبحت الآن تحتوي على أربعة فقط..
لكن مهلا!
ربما ثلاثة!
أهذا أبوه الذي لِتوه سقط؟!!
“لِمَ؟!!”
**********
جنازة صغيرة لثلاثة أشخاص من أسرة واحدة، أحدهم لم ير الدنيا أصلا!
جنازة صغيرة لثلاثة أشخاص من أسرة واحدة، كما لو أنها تعرَّضت لغارة ما!
جنازة صغيرة لثلاثة أشخاص من أسرة واحدة، والجاني واحد فقط!
الأب؛
الأخ؛
والأخت التي لم يرها!
جنازة صغيرة لثلاثة أشخاص ضحايا
لـ..
شديد محمود الناجي!!
**********
وبعد أسبوعين:
وقف شديد بين العمال بعد أن استطاع مصالحة والده وإقناعه أنه كان يمر بضائقة مالية أجبرته على التصرف بتلك الطريقة مع وعد_زائف_ بعدم تكرارها..
يُملي أوامره على بعض العاملين وإلى جواره عَمَّار يحاول تجنب صوته المرتفع الذي يؤذي أذنيه حقاً، ليبتعد قليلاً عابس الوجه، ضَجِراً والنقمة تسود كيانه بأكمله، بعينيه يبحث عن ذلك الذي يَوَد صداقته ويشرع في مَدّْ أواصرها بالرغم من عدم تبادلهما الحديث سوى مرة واحدة.
لكنه ابتسم فجأة وهو يراه يطُل من البوابة الضخمة للمصنع، تلك الابتسامة التي انحسرت وهو يلاحظ أن ذلك_الصديق_ يتخطاه متوجهاً إلى أبيه..
بغضب شديد؛
خطوات مصممة؛
جفون منتفخة؛
وبقايا دموع!
“شديد الناجي أيها اللص القاتل!”
والهتاف الصبيّ الذي انطلق في باحة المصنع جعل الجميع يتوقفون عن أي كانت أعمالهم ويحدقون في ذلك “الطفل” الذي يقف أمام ابن صاحب المصنع شخصياً سابّاً إياه بمنتهى الوقاحة!
تَسَمَّر شديد مكانه مصدوماً، متطلعاً لذلك اليافع الذي لا يتذكر أين رآه من قبل، لكنه ما لبث أن هدر ساخطاً:
_هل جننت؟ من أنت أيها الوقح؟
وببكاء لم يستطع كتمانه هتف بصوت متقطع منهار:
_أنا ساري صبري رشوان، من قتلت أبيه، وأخيه، وأخته، أنا من دمّرت أسرته كلها خلال بضع دقائق فقط، أنا من سينتقم، سأقتلك يا شديد!
وابتسم شديد بسخرية، وارتفعت ضحكات المحيطين به، يضربون كفوفهم ببعض باستمتاع، يلقون النكات، يشيرون إليه بسخرية ويتلامزون!
وفي الخلفية يقف عَمَّار مستنداً إلى أحد أكوام الأخشاب، ينقل نظراته بين أبيه و_صديقه_ بلا اهتمام حقيقي!
شديد يبتسم بسخرية!
وساري تتساقط دمعاته حسرة..
على أب؛
على أخ؛
على رضيعة موؤودة؛
على أم مكلومة؛
على أخت أصبحت بالفعل تماماً خرساء!
على رجولة فتيّة مهدورة!!
وأخرج من بنطاله سكين مطبخ تستخدم عادةً لتقطيع الخبز؛
وانقض على المجرم رغبةً بالثأر!
عَمَّار يشاهد بلا مبالاة!
شديد يبتعد للخلف خطوات وئيدة مبتسماً بسخرية..
وساري يصرخ منهاراً؛
وحان الآن وقت التملُّق و المُجاملة!
…..
أحاط به العاملون وأوسعوه ضرباً حتى تشربت الأرض دماءه في عدة أماكن.
بصقوا عليه وركلوه ودعسوه بأحذيتهم كالحيوانات المصابة بالسعار، بينما هو بجسده الأضعف يتلوى أسفلهم كاتماً صراخه بإصرار..
لا يطلب الرحمة ولا يمنحونه إياها!
وقفز عَمَّار للمرة الأولى بحياته بوجه أبيه ووحوشه صارخاً:
_اتركوه! ابتعدوا عنه أيها المجرمون، إنه ينزف بشدة!
ثم انطلق عَمَّار إلى الداخل ليجلب له المساعدة..
وارتخى جسد ساري أرضاً مغمض العينين لا يقوى على فتحهما، مستسلماً، ضعيفاً، منهكاً، لكن دمعات حسرته وقهره خانته لتجري على وجنتيه أمامهم جميعاً..
وسؤال وحيد يدور بعقله لا يجد القدرة للتفوه به:
“لِمَ؟”
وفجأة مال شديد عليه هامسا بوعيد:
“اليوم سوف تدرك نتيجة تهورك!”
وقد كان!!
**********
المكان: قبو مظلم في منزل بأحد الأحياء القديمة.
الزمان: بالتأكيد ليلاً، فهذا المكان لا يرى نور الشمس مطلقاً.
الأشخاص: مجموعة من أحط البشر بالإضافة إلى صبي بمرحلة المراهقة جسداً، ورجل أنبل منهم جميعاً أخلاقاً.
والحدث…:
على عمود خرساني مُقيد بسلاسل حديدية منذ وقت ليس بالقليل؛
عاري الجذع؛
حافي القدمين؛
مُستسلماً تماماً للجَلْدَة القادمة!
أحبال خشنة مُلقاه هنا؛
أصفاد حديدية للتو نزعوها عنه مُلقاه هناك؛
وَ..سَوْط!
وكأنه مُتهم بِقَلُب الحُكم!
ثمانية أيام مرت منذ أن اقتاده بعض الوحوش من المصنع ليلقوا به إلى ذلك المكان ثم يتناوبوا على تعذيبه، طوال الوقت يُركل بأقدامهم، يُجلد بأسواطهم، أو يُضرب بالأحذية!
والسباب دائم..
والسخرية لا تنتهي..
والتهديدات وفيرة..
والوعيد مُستمر لا ينقطع..
لكم صرخ!
لكم بكى!
لكم توسلهم أن يتركوه كي يعود إلى أمه وشقيقته المتبقية كي يُدافع عنهما ويعتني بهما بعد المصائب المتلاحقة..
لكن أوامرهم بتهذيب أخلاقه التي فسدت حتماً وإعادة عقله الذي فقده مؤكداً تغلبت على كل توسلاته.
ثمانية أيام من التعذيب؛
ثمانية أيام من الإهانة؛
ثمانية أيام من السبّ والضرب…
لا يستمع أحد له، ولا يستجيب أحد له، بالرغم من تدهور حالته، وبالرغم من الدماء التي تسيل من صدره وظهره جراء جلداتهم لتلطخ الأرضية والعمود والحائط الذي ارتكن إليه بالأمس مستسلماً..
ثم ظهر أخيراً المجرم!
“أيجرؤ صبي مثلك أنت على إهانتي؟ بمصنعي؟ وأمام العاملين لديّ؟”
ليفتح عينيه أخيراً هاتفاً مردداً بِصوت باكِ متحشرج:
_أنت قتلت أبي، وأخي، وأختي، أنت دمّرت أسرتي.
ليصرخ به شديد:
_لو لم يكن أبوك بذلك الغباء لما حدث كل ذلك، كان من الممكن أن يشارك شوقي نسبته، لكنه فضّل الوشاية بي ربما ليكسب مكاناً لدى أبي، وانظر الآن ماذا حدث! أنا حققت أهدافي وهو بقبره.
ضغط ساري أسنانه بقوة والغضب يستيقظ كبركاناً ثائراً بداخله، احمرت عيناه بِشدة فمال عليه شديد ساخراً:
_أتريد البكاء؟ أتريد الصراخ؟ افعل، فلن يستمع إليك أحد في هذا القبو.
هز ساري رأسه رفضاً وبعينيه محدقاً فتابع شديد:
_ماذا تريد إذن؟ ماذا ستفعل؟
وبنبرة ميتة تماماً تخرج من حلقه للمرة الأولى رد ساري بخفوت:
_أريد أن أحقق هدفي ، وهدفي منذ الآن هو الانتقام منك، يوماً ما سأنتقم منك شديد بك، يوماً ما سنتبادل الأدوار وسأكون من يتسبب بسقوطك وفضحك، وأنا أعدك بذلك.
تعالت ضحكات شديد الساخرة فتابع ساري بصراخ مقهور:
_اقتلني! اقتلني في الحال وإلا فدعني وسوف أعود إليك!
حدّق شديد بعينيه ثم صرّح ببرود:
_أتعلم؟! أنا بالفعل سأتركك، لأنني لا أريد مشاكل بسبب اختفائك، فللأسف البعض قد رآك بمصنعي، وأمك لا تكف عن المجىء تتوسلني، وأنا_ كي تدرك أنني أسديت لك خدمة_ قد أخبرتها اليوم أنني سأعيدك طالما لم تقم بإبلاغ الشرطة، لكن إن فكّرت بالاقتراب من المصنع ثانية، سأقتلك حتماً، أنت وأمك وأختك!
**********
وبعد ثمانية أيام عاد ساري، نازف الجسد، مجروح القلب، فاقد الروح، متوعداً!
لم يُخبر أي شخص بما حدث؛
لم يستطع تعرية نفسه أمام الآخرين؛
لكنه اتخذ عهداً على نفسه وسينبش الأرض نبشاً حتى يُنفذه!
**********
ليالي تليها ليالي وهو واقف بمكانه بجانب جذع الشجرة المواجهة لفيلا عائلة الناجي، لا يعلم ماذا ينتظر، لا يعلم ماذا يتوقع، لكنه لن ييأس، ستظهر لشديد بك هفوة، ستنفتح تحت أقدامه هُوَّة ما ليلقيه هو بداخله ويدفنه حياً.
**********
وبأحد الأيام:
جالساً بجوار جذع الشجرة منتظراً أي بارقة أمل..
وفي تلك الليلة ظهرت هي!
تجذبها امرأة ما بجفاء واضح وتنتظران أمام باب الفيلا بتوتر شديد، وبعد قليل خرج المجرم من عرينه، فاختبأ ساري خلف جذع الشجرة منصتاً:
“أنا أيضا زوجتك شديد، وتلك أيضا ابنتك!”
حدق بالفتاة المتشبثة بأمها بصدمة..
“أقدم لك ابنتك! رهف شديد الناجي!”
أرهف سمعه في ترقب شديد لرد فعل المجرم..
“سأفضحك شديد! سأذهب إلى مصنعك وأفضحك أمام العاملين لديك، سأخبر الجميع أن شديد بك الذي يتظاهر بالشدة والالتزام والانضباط لديه ابنة لا يود الاعتراف بها!”
وهكذا..
دونما إدراك، ألقت له المرأة بالهفوة، ثم أهدته الهُوَّة، ليلتقط هو المنحة منتظراً إسقاطه ثم إهالة التراب عليه!
ومنذ ذلك اليوم لم يعد يجلس عند الشجرة يومياً، واكتفى بالمرور كل فترة كي لا ينسى هدفه، أخذ على عاتقه مسئولية المتبقي من أسرته، سيعمل من أجلهم، سيعوضهم عن خساراتهم، سيرفع مستواهم لأقصى قدراته، سيخفف عن أمه عذاب فقدانها زوجها وطفليها، سيعالج شقيقته حتى تملأ الدنيا صياحاً، وعندما يحين اليوم المناسب سيشفي وجعهم ويهديهم انتقامهم من ذلك المجرم..
وعن طريق تلك الـــ..رهف!
**********
إنْ كانَ وجهي فَتيًّا في ملامحهِ
‏ فللفؤادِ وأحلامي تجاعيدُ
حذيفة العرجي
**********
وهكذا.. لسنوات ظل متربصاً بها على فترات متباعدة، وبخالها أيضاً، منتظراً لحظة ظهور شديد بحياة ابنته كي يفضحه، أو لحظة ذهابها هي إليه كي تفضحه فيساعدها.
والفتاة بريئة للغاية، وحيدة للغاية، ضعيفة للغاية..
لا تقابل أحداً، لا أصدقاء ولا أقارب؛
وبدأ اليأس يدب في قلبه: ألن تبدأ بتهديد والدها فيستغل هو تلك اللحظة كي يفضحه؟
وبمثابرته المعتادة، وبتصميمه الدائم حصل على بعض المساعدة!
ويبدو أن تلك اللحظة اقتربت، فها هي زوجة خالها وابنته تدخلان إلى فيلا شديد، ربما أرسلتهما إليه للابتزاز، أو لإجبراه على الاعتراف بأبوته لها، لا يهم، الآن ستتجمع خيوطه وسيحظى بانتقامه أخيراً بعد عدة أعوام!
ثم إصراره على ابنة خالته بالالتحاق بذلك المركز الذي تعمل به كي يقترب منها أكثر!
لكن..
استقلالها المفاجيء؛
ثم ظهور صديقه القديم، والذي هو بالطبع أخوها..
يراقبها أخوها ويراقبه!
الخيوط تتعقد وربما من يديه قريباً ستنفلت!
إذن يجب عليه التدخل على الفور!
و…
اتفاق مع اثنين من أرباب المقاهي بالحي القديم، سرقة حقيبة وهاتف، وإغلاق للهاتف بضعة أيام حتى تفقد الأمل، ثم فَتْحُه مرة أخرى، وموقف شهامة!
**********
مكالمة هاتفية أثارت بداخله تشتتاً غريباً؛
ما بال صوتها يصرخ بالسذاجة؟
وما باله يحدق بصورة هويتها باهتمام؟
وما باله قد صار فجأة رائقاً يمازحها بتلقائية؟!
ثم كان الوعد باللقاء!
وكان اللقاء!
**********
يتطلع إليها مليّا ويبدو أن موظفة الاستقبال ستطردها الآن، فقرر التدخل واقترب منها ببطء حينما سمع:
“أتريدين مقابلة المهندس عاصم؟”
وبسرعة تدخل:
“لا! الآنسة تريد مقابلتي أنا!”
واستدارت..
ويا ليتها ما استدارت!
وحدّقت به..
ويا ليتها ما حدّقت به!
هل يعقل أن يظل الإنسان حياً مع تأكده من توقف نبضات قلبه؟
هل يعقل أن تتذبذب مشاعره كلها لمجرد نظرة مرتجفة متوترة؟
هل يعقل أن يتصرف لسانه وعيناه طوال عدة دقائق على النقيض تماماً مم نوى؟
لقد ظل يراقبها لسنوات عن بُعد على فترات، فكيف للتو لاحظ مدى هشاشتها ورقتها؟
لِمَ براءتها تصرخ بصوتها الحزين؟
لِمَ عيناها تحاولان إخفاء احتياجاً واضحاً؟
ولِمَ أهدابها بهذا الجمال مشعثة؟!
انفصال!
ما يشعر به هو انفصال تام؛
عن الماضي، عن مأساته، عن هدفه الوحيد؛
دقات قلبه تتسارع، وتوتر غريب يكتنفه؛ شرود وتحديق منه؛
خجل وارتباك منها؛
ولسانه ينطلق طوال اللقاء بإرادة حرّة!
ما يحدث له الآن غريب مريب وخارج أي خطة، ما يحدث لم يكن بِحسبانه يوماً لا معها ولا مع غيرها، ما يحدث يُشبِعه بِنسيم عليل بعد جفاف سنوات حياته كلها.
وبينما تستعد للانصراف أجهزت تماماً على البقية الباقية من تماسكه وهي تهديه..
غمزة!
بانشداه يحدق بها، ويبدو أن قلبه سيخرج من صدره الآن حتما كما يحدث في الأفلام المصورة، سيتوسلّها ألا تنصرف، سيطلب منها لقاءاً آخر، لكنها انصرفت!
مهلاً!
ألا يوجد احتمال بسيط أنها ليست ابنة عدوّه؟
ألا توجد نسبة ضئيلة للخطأ؟
وأغمض عينيه بألم لنفسه ناهراً، ولنفسه واصلاً الانفصال..
أهكذا يتأثر كالأبله خلال دقائق بها وهو الذي لم يهتم في حياته بأية امرأة؟!
“اهدأ ساري، لا تنس هدفك ساري!”
“لقد انتظرت سنوات وها قد حان الوقت أخيراً، لا تحِد عن مُخططاتك!”
“إنها رهف شديد الناجي!”
وفتح عينيه فجأة..
ليرتحل الهيام ويحل الغضب!
*********
ولقاء آخر بحجة إقلال ابنة خالته بعدما أجبر سارة بالعدول عن الذهاب، ليصبح تأثره بها أشد، وبدلا من تعقله المعتاد في كل كلمة تخرج من فمه وجد نفسه يهذي بهراء ما عن دورات ودروس وأهدابها التي تختطف نظراته رغماً عنه…
“تلك الفتاة أعادتك مراهقاً يا ساري!”
“تلك الفتاة اختطفت قلبك يا ساري!”
“تلك الفتاة لقد عَشِقتها يا ساري!”
وكانت الصدمة!
هو يحب ويعشق؟!
الأصح: هو يحب ويعشق ابنة شديد الناجي؟!
متى أصبح إلى هذا الحد خائناً؟
متى أصبح إلى تلك الدرجة عديم الإحساس؟
لقد قتل أبوها ثلاث من أفراد أسرته قبل أن يختطفه ويعذبه؟
لحظة!
لقد قتلها أبوها أيضاً!
بصرف النظر عن جميع البشر، تنتمي الإنسانة الوحيدة التي أحبها إلى ذلك الشيطان!!
“لِمَ؟”
**********
يسير في الطرقات المظلمة ليلاً بلا انتباه حتى وجد نفسه أمام ذلك البيت بأحد الأحياء القديمة، البيت الذي قُيد به وعُذب وجُلد، البيت الذي أصبح حلمه منذ أن خرج منه منذ سنوات أن يملكه!
وقد كان!
البيت الذي شهِد إذلاله وهدر كرامته وسحق رجولته الفَتِيَّة أصبح أخيراً بعد سنوات يملكه.
لن يترك انتقامه؛
لن يترك ثأره؛
سيعيش لليوم الذي سيقف به أمام قبر يحوي ثلاثة جثث تخصه وتطالبه بحقوقهم متسائلين:
“لِمَ؟”
*********
يموت هو بين صراع قلبه وصوت انتقامه؛
حتى عقله يأمره بألا يفعلها؛
ليس ذنبها!
يعرف أنه ليس ذنبها، لكنها الهُوَّة التي ستجتذب جسد المجرم، ربما حينها يستطيع أخيراً الشعور بطعم تلك المسماة بــ..الراحة!
إلى جوار بيت خالها يقف متخفياً متظاهراً بتناول إحدى الشطائر، ينتظرها وقد صعدت منذ بعض الوقت إلى شقة خالها والضيق يبدو عليها جلياً، بينما صديقه القديم يجلس بسيارته الرمادية على مسافة من البيت متربصاً..
بِعِتاب رغماً عنه، وبخسارة رغماً عنه، تعلقت عيناه به تحديداً..
“هل لازلت تتذكرني يا عَمَّار؟”
“هل لازلت تتذكر وعدك بتعليمك إياي كيفية اللعب على جهازك؟”
“تُرى من منا كان ليفوز على الآخر بالمنافسة؟!”
“لماذا لم تأتِ وتنقذني عَمَّار؟!”
وانتبه إلى أنها من تأخرت ببيت خالها غير الموجود بذلك الوقت فعلاً، والقلق يأكل ذرات جسده حقاً، فهو على علم بنوايا زوجة خالها وابنته السيئة تجاهها!
وها هي أخيراً تخرج ملقية تحية مرتبكة على جارهم ليبدأ الحقير بإهانتها!
تتشنج أطرافه؛
تفور دماؤه؛
والسواد يتخلل عينيه الخضراوتين!
ليقوم بالاتصال بها بحُجة خرقاء..فيستقبله صوت بكائها؛
وهذا حقاً فوق مستوى احتماله!
حبيبته تبكي بسبب ذاك القذر وهو لا يستطيع التدخل علناً..
وحقها.. أهدره ذلك الحقير مُتَجَبِّراً؛
والعدالة.. من أجلها الآن تجِب؛
وهدفُه..تلقينُه درساً وسيحققه!
وهو بارع في التمهُّل والانتظار!
انصرفت..فانصرف عَمَّار على الفور إياها ملاحقاً.. ليجد نفسه يلتقط عبوة طلاء من سيارته، وعلى باب المحل من أجلها قرر أن ينتقم..
و..:
“يا من تتشدقون بالطهارة، حاسبوا أنفسكم أولا!”
**********
يتعذب ليلته وصوتها الباكي يرن في أذنيه، وكان أول ما فعله باليوم التالي أن انطلق إليها ملهوفاً، ليستمعها تهاتف ذلك المدعو..حمزة!
يغار!
أدرك أنه عليها يغار!
وتحبه!
حبيبته الوحيدة تحبه!
تحبه لدرجة أنها تقف أمامه الآن وتخبره بالخزي الملتصق بها، تحبه لدرجة أنها لا تستطيع إخفائه عنه، ثم تتركه راحلة والدمعات بعينيها لم تخف عليه.
تعتقد أنها تخبره بمفاجأة، ولا تعرف أنه على عِلْم بها قبل أن يدركها عقلها الصغير منذ سنوات بالأصل!
وطالما يعلمها هو حقاً منذ سنوات، لماذا يشعر الآن بكل ذلك الغضب؟
لماذا يشعر برغبته في التربيت عليها؟
لماذا يكافح من أجل عدم إخفائها بين ذراعيه في التو؟
وها هي رغبته في قتل ذلك القذر تزداد..من أجلها وحدها تلك المرة!
يتمزق قلبه ويكاد يُجن عقله! ما الذي عليه فعله؟، أيكتفي بها؟! أيأخذها هارباً من أي مكان يتواجد به شديد الناجي؟ وأين سيهرب من ثلاث صور لا تتركه متوسلة أن يعيد لها حقوقها!
**********
وأسئلة حقاً تقض مضجعه يلقيها عليها ليرى إجاباتهم جميعهم بعينيها..
تحبه..ويعشقها!
تتمناه..ويموت من أجلها!
ووعد بالتمسك يعلم جيداً أنه لن يفي به!
إن كان في شيء صادقاً سيكون في عدم اهتمامه بكونها ابنة شرعية أو غير شرعية أو حتى معدومة النسب.
هو أحب رهف، وعشق رهف، وبكُليته لا يريد إلا رهف، لكن..
ليست من يريدها رهف شديد الناجي!
**********
وصراع آخر مع أمه لكنه يعلم جيداً أنه سينتصر به، لن تكون أمه هي سبب إفشال خطة طالت لسنوات، لن تكون أمه هي من تمنعه راحته، وكل ما يتمناه فقط أن ينتهي قبل الموعد المحدد حتى يؤدي ما عليه كاملاً!
لكن….
ألا يخيب ظنه وتفعلها أمه حقاً وتعرقل خطته فلا يهرع بنفسه نحو قبراً رابعاً يُزين شاهده..اسمه هو؟!
وخِطبة!
تلك الجميلة خطيبته! السعادة بعينيها مقترنة بوعد لن يدعها تفي به، أين يستطيع التهرب من نظراتها العاشقة؟ أين يستطيع التهرب من قلبه الذي يئن بداخله، ومن عقله الذي يصرخ به متوسلاً..
لا تُكمل!
لا تمش هذا الطريق!
ليس ذنبها هي!
هي تحبك وأنت تحبها، ستندم!
وتوسُّل منه بأن يهربا معاً يقسم أنها لو وافقته حينئذٍ لكان فعلها بلا تردد؛
لكنها للأسف لم توافق!
وكما اعتاد كل ليلة ذهب إلى منزله الجديد_السجن سابقاً_ ليصرخ ويحطم كيفما شاء، وبعد قليل يخرج هادئاً_ظاهرياً_ ليواصل طريق انتقامه!
وزفاف!!
*********
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير!”
شرد وهو يستمع إلى دعوة الشيخ وترديد الحاضرين بعده، ثم رفع رأسه رامقاً إياه بوجوم وهو لا يصدق أنها أصبحت بالفعل زوجته..
رهف زوجته؟!
رهف زوجة ساري؟!!
أغمض عينيه متشبعاً بتلك المعلومة التي تمسك بها قلبه وهو يتوسله أن يتراجع، لاتزال هناك فرصة، يستطيع إتمام زواجه بها بطريقة طبيعية دون تنفيذ خطته الأبشع على الإطلاق.
والآن رآها!
آية في الجمال والحُسن، عيناها تخبرانه كم تعشقه لكنه لا يستطيع إخبارها بالمثل؛ بسمتها تعطيه فكرة عن المستقبل الذي تعِده به لكنه لا يستطيع وعدها بالمثل؛ ليس وهي..
رهف شديد الناجي!
الذي وصل أخيراً للتو بعد أن انتظره لأعوام طوال؛
هب واقفاً..
وارتد قلبه متوارياً..
واحتل انتقامه المظلم عقله ..
يراه أمامه وبجواره دماء أمه!
يراه أمامه وبجواره وجه سامر الأزرق!
يراه أمامه وبجواره جثة سلمى الرضيعة!
يراه أمامه وبجواره تصرخ سارة بلا صوت!
يراه أمامه وبجواره يرقد أبوه يائساً رافعاً سبابته إلى الأعلى لِرَبُّه مُفَوِّضَاً أمره!
يراه أمامه وبجواره هو نفسه مراهقاً مُقَيَّداً إلى عمود حديدي كي تنهش الوحوش جسده ويستبيحوا كرامته!
يراه أمامه ويرى فيه نهاية مشواره الذي هرول فيه يائساً!
والآن حان وقت القصاص!!
نظرة حقد منه..
تقابلها نظرة دهشة من ذلك القاتل!
نظرة كراهية صريحة..
تقابلها نظرة خوف وقد بدأ يشعر بوجود خطأ ما!
نظرة تشفِ تأخرت كثيراً..
تقابلها نظرة ذعر ما إن بدأ العريس بالتحدث!
ثم..
“أنتِ طالق!”

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  مدونة كامو - رواية بيت البنات الفصل الرابع 4 بقلم جمانة السعيدي - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top