حمحمت بأسى خفي مرددة بشجن :
– عايزة أشوف الأولاد، وحشوني قوي.
انفرجت ابتسامة خفيفة من ثغره وهو يغمغم بحنو شديد :
– عيوني يا حبيبتي، نروح بس استشارة للدكتور وأطمن عليكي، وأجيبهم يقعدوا معاكي يومين تلاتة.
أجابته بأسى ينهش كلماتها :
– أنا كويسة يا ابني، بعدهم عني هو اللي تاعبني.
حرك “أحمد” رأسه بدهشة مغمغمًا :
– اللي تاعبك!.. أومال “كنزي” بتقول إنك مش متحملة شقاوة الولاد عشان تعبانة، وعشان كده طلبتي منها ما يجوش هنا لحد ما تخفي خالص.
اغرورقت مُقلها بالعبرات، واختنق صوتها بالبكاء وهي تردد بحشرجة :
– يا ابني! .. دا أنا بتصل بيها تجيبهم ليا أشوفهم بس أو حتى تبعتهم معاك وهي بتتحجج بتمرين السباحة، ودروس “حازم”.
فارت الدماء بعروقه وثارت ثورته لينهض لها متشنجًا بجميع أعصابه وهو يصيح غاضبًا :
-دي اتجننت دي ولا إيه؟.. الولاد وقت ما تحبي تشوفيهم يكونوا هنا، دول عيالي وأنا صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في حياتهم، أنا هنزل حالًا أجيبهم و ربي وما أعبد لو فتحت بوقها لأكون حارمها منهم طول عمرها، ولا هي مفكرة إني عشان بعاملها بما يرضي الله أبقى لعبة في ايدها.. نص ساعة والعيال هيكونوا هنا.
وهرول مغادرًا يصفق باب الشقة خلفه، لتنهمر دمعات “سميرة” حينما تذكرت معاملة طليقة ابنها لها، ودوت أصداء كلماتها بمسامعها كأنها تصرح بها الأن :
– انتي يا ست انتي.. يا ريت تبطلي زن شوية، أنا مش عارفة أربي عيالي.. مش كل أسبوع تطلبي تشوفيهم، وبعدين لما بيجوا عندك بيبقوا مش عايزين يرجعوا ليا من دلعك فيهم، التربية القديمة بتاعتك دي متنفعش مع عيالي.. وأه قبل ما أقفل متنسيش تشتكي لحامي الحما بتاعك.
وقطعت الاتصال معها بغضب تاركة وراءها دموع جدة تشتاق احتضان أبناء وحيدها.
******************
كانت “هيا” تسترخي بفراش صغيرتها “كادي” تضمها إلى صدرها برفق وهي تمسد خصلاتها المنسدلة بشرود شجن في معشوقها الذي تبدل معها تمامًا فهذا ليس “مروان” زوجها الذي تعشقه منذ قرابة العشرة أعوام، أو ربما كان هكذا بالأصل وهي لم تكتشفه بعد. صراع محتدم بين عقلها وقلبها الذي مازال ينبض بأحرف اسمه باشتياق جارف، وبين عقلها الذي يُحرضها على الثأر لكرامتها المهدورة، قلبها الذي يلتمس له ألف عذر كونه يعمل بمجال به الكثير من السخافات، فالمؤكد أنه يسمع همهمات كثيرة خلف آلات التصوير، أما عقلها فينعته بالمذبذب المشاعر وفاقد الثقة بها وبذاته. حرب ضروس تتصاعد أحداثها النارية كدمعتها الفارة من أحداقها تشق طريق مرير إلى شفاهها المرتجفة.
انتفاضة خفيفة من جسدها جذبتها من شرودها هذا إلى أرض الواقع لتسحب نفسًا عميقًا وتخرجه بقوة ملتفةً نحو صغيرها “كريم” الذي اقتحم جلستهما لتوه صائحًا بتذمر طفولي :
– أنا خلصت أكلي كله يا مامي.