توقف للحظة يستشعر بفريدة أخرى غير التى أحبها ويعرف مدى براءو وصفاء قلبها، التفت بنصف جسده يرمقها بحزن لآخر مرة، ثم غادر الغرفة وصعد إلى شقته دون التفوه بأي حديث، قام بحزم حقيبته وقطع إجازته التي لم يقضِ منها سوي يوم واحد، هبط الدرج بسرعة، فوجد والده يقف على أعتاب شقة جدته : خالد أنت رايح فين يابني.
تحدث بكلمات مقتضبة : رايح الشغل، سلام.
خرجت نبيلة وسميرة على صوتهما، حاولت سميرة أن توقفه ولكنه استقل سيارته وقادها بسرعة البرق، أما هي فكانت تجلس في غرفتها تبكي بقوة ، دلفت جدتها لتتحدث بلهفة : حصل إيه يافريدة خلى خالد يمشي ويرجع شغله تاني!.
رفعت وجهها وتحدثت بصوت مبحوح : محصلش حاجة ، هو بس عرف نهاية الموضوع ده إيه!.
قالت الجدة بحزن : ونهايته إيه يابنتي!.
رقدت على فراشها وهي تغلق عينيها وهمست : الفراق….
بعد مرور شهر..
جلست نهال على فراش صديقتها تتأمل دبلتها بحب وسعادة، وذهنها عالق بأدهم بعدما استدعته قيادته بعجاله، وقطع إجازته وسط غضبها وحزنها، قطع شرودها دخول فريدة وهى تحمل أكواب القهوة…
_ القهوة يا نهال.
جذبتها نهال لتجلس أمامها متحدثة : ها وبعدين في حالتك دي، ولا بنطلع ولا بنخرج، وقاعدين زي ما إحنا كدة، أنا عروسة وعاوزة أجهز بقى .
ابتسمت فريدة بحب على عفوية صديقتها ثم قالت : متهيألي لسه سنة على الجواز.
شهقت نهال بتمثيل لتقول بعدها : بيعدوا هوا وحياتك اسأليني أنا!.
هزت فريدة رأسها لتقول : حاضر، اديني شوية وقت أعرف أخرج وأفك وبعدها نشوف عاوزة إيه!.
ابتسمت نهال بمكر لتقول : مش عاوزة تخرجي قبل ما خالد يرجع صح، خايفة وقلقانة عليه.
أشارت على نفسها وقالت باستنكار مزيف : مين أنا، لأ طبعًا وأنا مالي بيه أصلًا.
قالت نهال : يا شيخة ده على أساس إنك مبتتمنيش إن أكلم أدهم دلوقتي عشان تعرفي تطمني على خالد.
نهضت من أمامها بارتباك ثم ذهبت صوب سراحتها وقامت بتمشيط شعرها لتقول : بطلي جنان، قولتلك الموضوع ده مات وانتهى.
ابتسمت نهال بتهكم على صديقتها فبراءتها وعيناها تفضحاها بقوة، جذبت هاتفها وقامت بإجراء اتصال بأدهم، تحت أنظار واهتمام فريدة.
_ دومي وحشتني، والله.
كان صوته جاد وهادئ : وأنتي كمان، كنت لسه هاكلمك.
قطبت جبينها لتقول : تكلمني!، في إيه، مالك؟!..
_ مفيش، كنت عاوز أقولك بس إني بحبك أوي.
اتسعت ابتسامتها لتقول بهمس : أنا مع فريدة.
أدركت فريدة الوضع، فقامت من جلستها وذهبت صوب الباب لتعطيها قدر من المساحة لتتحدث مع حبيبها، لتفاجئها بقولها الذي جعلها تتسمر مكانها : فريدة، خالد عاوز يكلمك.
التفتت إليها لتقول وملامح الصدمة بادية على وجهها : نعم! .
أعطتها نهال الهاتف وقالت بهمس : معرفش أدهم قال إنه عاوز يكلمك، هاروح أبوس في جدتك شوية.
خرجت من الغرفة تحت نظرات فريدة المصدومة، وضعت الهاتف على أذنها ليصل إلى مسامعها : فريدة.
كان صوته هادئ بعض الشئ يتخلله حزن ومشاعر أخرى لم تفهمها أو لم تعهدها منه، حاولت تنظيف حلقها فقالت : ن.. نعم.
فاجأها بهمسه الذي اخترق أذنها بقوة : وحشتيني.
استندت على الباب بقوة قبل أن تهوى على الأرض، لتلجم الصدمة لسانها ولم تجعلها تتفوه بأي حديث، فاستمر في حديثه : هو أنتي لسه زعلانة مني؟.
لا هذا ليس خالد بالتأكيد، نعم لقد قاموا بتبديله في المعسكر، هذا ليس الفظ الذي أحبته، لتقول ببلاهة : أنت خالد!..
تخيلت ابتسامته الهادئة كما لو كان أمامها ليقول : أنا والله .
استمرت في بلاهتها : أومال مالك.
استمعت إلى صوت يستعجله : يالا ياسيادة الرائد، العربيات جهزت…
تحدثت هى في لهفة وقالت : خالد أنت طالع مهمة صح.
_ اممم، المهم إني عاوز أقولك إنك وحشتيني وبتوحشيني وهتوحشيني أوي، فريدة.
قالت بلهفة : نعم.
_ أنا بحبك أوي، رغم كل حاجة غلط عملتها زعلتك وجرحتك بس أنا بحبك أوي، سلام.
أغلق الاتصال قبل أن تتحدث هي، فخرجت شهقة من صدرها وهى تضع الهاتف بجانب قلبها، وهوت على الأرض وهي تجثو على ركبتيها متمتمة : ربنا هيرجعك سالم إن شاء الله..
اختلط حديثها بالدموع خوفًا من فقدانه…ففقدانه يعني حطامها حقًا.