23
كانت العودة إلى مكتبه كدخول الجحيم، ذرع المكان جيئة و ذهابا، و التقط فنجان قهوته لعل مرارة البن تطرد عنه مرارة التوتر، لكن المذاق كان عجيبا، مرارته ساحرة، مألوفة و غريبة في آن واحد، أهذا عطرها في الفنجان؟ فتح عينيه على وسعهما موقنا أنه أخطأ و ارتشف من فنجانها، راوده شعور لا يُفسر عندما تحسس بأنامله آثار شفتيها على حافة الفنجان، ثم أطلق شتيمة و وضعه ثانية مكانه بقوة حتى كاد يكسره، ماذا الآن؟ هل يكرهها… أم يكره ألمها؟ دخل عليه الخادم فجأة ليأخذ الصينية، خطا بهدوء نحو السيد، و انحنى ملتقطا ما أتى من أجله في صمت، و عندما أصبح على أهبة المغادرة، سأله هارولان بنبرة معذبة لأول مرة:
+
“سيد لي… كيف يمكنكَ إسعاف روح آذيتها بنفسك؟”.
10
تنهد الخادم مطرقا، ثم أجاب:
+
“إسعاف الروح أصعب بكثير من إسعاف الجسد، من الصعب أن نغلق الجراح التي فتحناها بأنفسنا، لكنه ليس بالمستحيل! ربما لا نستطيع إستعادة الكلمات الجارحة التي تفوهنا بها، إلا أننا نستطيع تضميد الروح الجريحة بكلمات ٱخرى طيبة… أو بأفعال جميلة تحول الدمعة إلى إبتسامة، إننا نستطيع دائما أن نحاول”.
19
قضت ماريغولد ليلة عصيبة، تقطع نومها كثيرا، و راودتها كوابيس مفزعة، و وسط الكوابيس أتاها شخص ما مسح على شعرها بحنان، و تمتم في أذنها بشيء مبهم، لقد شعرت به، هل يعقل أن والدها زارها في الحلم؟ وقفت عند بكرة الصباح أمام المرآة تتفحص وجهها الشاحب، اكتشفت تورم جفنيها بسبب البكاء و الأرق، إلا أنها ضربت بذلك عرض الحائط، و حزمت حقيبتها لتغادر فور انتهاء حفل ذكرى زواج السيد لي، فهي رغم ما عانته ليلة أمس لم تنسَ وعدها للطفل. لاحظت وجود صندوق الإسعافات فوق المنضدة الجانبية للسرير، و أيضا اختفاء صورة أمها! غضبت بشدة إذ خمنت أن هارولان هو من أخذها! غيرت ثيابها، و حرصت على ارتداء قميص طويل الأكمام ليخفي جراح ذراعيها، ثم اندفعت خارج الغرفة باحثة عنه لتضعه عند حده، لكنها فوجئت بلِيو يركض نحوها و يسحبها باتجاه المطبخ ليريها ما تحضره الخادمات!