كورت أسيف قبضة يدها ووضعتها على فمها لتكتم شهقاتها الموجوعة. ففراقها ليس بالأمر اليسير. هي فقدت روحها وليس أمها الحنون.
أحاطتها عواطف بذراعيها قائلة بتوسل:
-عشان خاطري يا أسيف ، بطلي تعيطي ، بتقطعي قلبي !
لم تكن أسيف مصغية لتوسلاتها ، فهي في حالة تُحسد عليها.
وما إن وطــأت قدماها المدخل حتى شعرت بإحساس الفقد.
رغماً عنها رأت أثار بقعة الدماء الجافة التي تتوسطه. إنها تخص والدتها.
زادت شهقاتها ونحيبها.
وضعت يداها على أذنيها لتسدهما ، فصوت صدى صراخ والدتها كان أخــر ما سمعته منها.
كاد يصيبها بالصمم.
شعرت بذنبها وعجزها لأنها لم تستطع مساعدتها وتركتها بمفردها لتلقى حتفها.
نهج صدرها علواً وهبوطاً ، وزادت رعشتها.
بكت عواطف هي الأخرى مشفقة عليها ، وضمتها إليها لتخبيء رأسها في صدرها فتبعد عيناها عنها.
شعرت بإختناقتها ، بما تتكبده في صدرها المكلوم من مشاعر متآلمة وأحاسيس صعبة ، فظلت محاوطة إياها ، ورددت قائلة بنشيج باكي :
-تعالي يا بنتي !
سحبتها مجبرة نحو الدرج لتصعد كلتاهما للأعلى ومُبعدة إياها عن تلك البقعة.
همست قائلة في نفسها بعزم :
-ربنا يقدرني وأعوضك عن غيابها ، واكون أمك التانية !
شعرت أسيف بخـــواء كبير في نفسها بعد إدراكها لحقيقة الوضــع. لا أب طيب يعطف عليها ، ولا أم حنون تضمها إليها.
ليس معها رفيق تشكي إليه ، ولا قريب يخاف عليها وينصحها ، فقط هي بمفردها لتواجه مصيرها المجهول.
نعم الحياة لا تترك مكاناً للضعفاء ، بل تسحقهم تحت وطــأة قسوتها اللامتناهية. هي عليها أن تتخطى أحزانها وأوجاعها وتعيد بناء نفسها من جديد.