اعتدل في جلسته ، وأرخى ساعديه متابعاً بنبرة غامضة :
-بس مش خالصين يا بنت ريـــاض !
هب واقفاً من مكانه ملتقطاً هاتفه المحمول باحثاً عن رقم شخص ما ليحدثه ..
تحرك نحو الخارج فانتفض العمال من أماكنهم فور رؤيتهم إياه ..
مرر أنظاره عليه قائلاً بصرامة :
-اقفلوا الوكالة وروحوا على بيتكم
رد عليه رئيس عماله بجدية :
-تمام يا ريس !
وضع الهاتف على أذنه قائلاً بهدوء مريب:
-سلامو عليكم يا باشا ، معلش هازعجك شوية !
صمت للحظة قبل أن يتابع بجدية :
-في مشكلة تخص حد قريبي ، وعاوز سيادتك تدخل فيها وتحلها !
صمت ليصغي للحظة للطرف الأخر قبل أن ينطق نافياً :
-لأ مش حاجة رسمي ، بس يهمني أعرف مين اللي عمل كده
…………………………………..
أوصــــدت باب الغرفة خلفها حابسة نفسها بعد مواجهتها الشرسة معها ..
كانت تدافع عن نفسها ، ترد الإساءة المهينة لها ..
لم تتخيل أنها ستعتدي بالضرب على من ترتبط بهن بصلة الدم ..
هي كانت كالقطة المسالمة ، ضد العنف ونابذة لصكافة صوره .. والآن أصبحت شخصاً أخراً ..
انهارت قدماها وجلست مستندة بظهرها خلف الباب ، ثم ثنيت ركبتيها إلى صدرها لتتكور على نفسها أكثر.
نظرت إلى راحة يدها المرتجفة والمصطبغة بالحمرة الساخنة بخوف كبير غير مصدقة أنها صفعت ابنة عمتها بها .
تراقصت العبرات في مقلتيها ، ثم وضعت يدها على فمها كاتمة صوت شهقاتها المرتجفة ..
بكت بحرقة شديدة وهي تهز رأسها بإستنكار ..
ما مرت به ليس بالهين .. هي وحدها .. لا سند لها في تلك الحياة القاسية ، فإن لم تكن بالقوة الكافية للدفاع عن نفسها ستلوكها الأفواه الشرسة بشراهة تاركة إياها عظاماً بلا لحم ..
دفنت وجهها بين ركبتيها مجبرة عقلها على عدم التفكير في أي شيء ، يكفيها ما نالته من استفزاز متواصل أنهك قواها على الأخير ..
ظلت على تلك الوضعية لفترة من الزمن .. لا تدري إلى متى ، بقيت منطوية على حالة ، وآسفة على تفكيرها المتهور الذي أجبرها على فعل ما تبغضه ..
لكن لم يتركها عقلها تهنأ كثيراً ، حيث أضـــاء ذاكرتها بصورة منـــذر ، ذلك الوجـــه الصلب المتبلد ..
رجف جسدها ، وشحب لون بشرتها نوعاً ما ..
فتحت عيناها المتورمتين ، ورفعت رأسها للأعلى وهي تتنفس بتوتر …
مــــر ببالها مقتطفات سريعة من صدامهما الحامي ، وندمت على إندفاعها الغير مدروس ..
فربما وطأت بقدميها معركة أخطر لن تتمكن من الظفر بها ..
هزت رأسها مستنكرة حماقتها ، ثم دقت بها الباب بضربات خفيفة ..
تساءلت مع نفسها بحيرة كبيرة :
-ليه بس كده ؟ ليه ؟