توقفت شادية عن تحريك ساقها ، ثم أخفضتها لتتمكن من النهوض ..
أصبح وجهها خالياً من التعابير ، لكن نظراتها كانت مليئة بالوعيد ..
ردت على ابنتها بثقة جادة :
-مش انتي اللي هاتعملي حاجة ، ده دوري !
سألتها ولاء بتوجس وهي تضم ذراعيها معاً أمام صدرها :
-ناوية على ايه يا ماما ؟
أجابتها شادية بغموض :
-على الصح يا ولاء !
……………………………….
لفت حنان الشـــال الحريري المغزول يدوياً حول عنقها ليعطيها بعض الدفء رغم اعتدال حرارة الجو .. لكنها كانت تشعر ببرودة خفيفة تضرب في جسدها المرهق ، ربما نتيجة السفر وتغير الجو فأصيبت بأعراض البرد ..
لم ترغب في إثارة قلق ابنتها ، فعمدت إلى الوسائل القديمة والدائية في التدفئة من أجل التعرق وإخراج الحرارة الزائدة من الجسد ..
أكملت بعد ذلك وضع حجابها على رأسها ، وأمسكت بحقيبتها لتتفقد ما بها من أموال ، ثم أسندتها على حجرها ..
وقعت عيناها على حافظة نقودها الجلدية ، فمدت يدها لتسحبها للخارج لتنظر بها.
كانت تضع في داخلها عدة صور مختلفة ، أخرجتهم بحذر لتتأملهم بنظرات مشتاقة.
كانت الصورة الأولى تجمعها مع زوجها الراحل وابنتهما أسيف وهي في عمر مبكر ..
ابتسمت بعفوية وهي ترى صغيرتها متشبثة بها بيد وجاذبة لياقة أبيها بقبضتها الأخرى ، ضحكتها كانت بريئة صافية تسلب الألباب وتآسر القلوب .
تنهدت بعمق ، وأزاحت الصورة لتشاهد التالية الموجودة خلفها.
كانت لأسيف وهي في المرحلة الثانوية بعد أن تحجبت.
لازل وجهها يحتفظ بملامحها الصغيرة رغم بلوغها ..
ابتسمت لها ، وأكملت تطلعها في الصورة الثالثة والتي التقطتها في استديو التصوير أثناء تقديم أوراقها للإلتحاق بكلية الزراعة ..
تذكرت رغبتها آنذاك في الانضمام لتلك الكلية خصيصاً لتعاون أبيها في أعماله بأرضه على أسس علمية ، و بالطبع فرح ريــاض بتفكيرها وحماسها ، وساعدها في شرح بعض المواد التي كانت تتعذر عليها دراستها ، وبعد تخرجها رفض أن تشاركه ذلك العبء ، وأثر أن تظل إلى جوار والدتها ..
أخرجت حنان تنهيدة حـــارة من صدرها وهي تتذكر شكل أسيف حينما منعت عن ممارسة ما تعلمته على أرض الواقع ، لكن والدها كان محقاً من وجهة نظره ، هو لم يرغب في إرهاقها وتحميلها مسئوليات ستؤرق ليلها وتكدر صفو نهارها .. بل ستقلب حياتها جحيماً ..
نعم هو أكثر الناس دراية بطبيعة شخصية ابنته الهشة و الرقيقة ، والحياة تسحق بضراوة الغير قادر على مجابهتها ، لذا رفض بعناد أن يلبي رغبتها في العمل ، وبقيت في المنزل ترعى والدتها ..