رؤوف لم ينطق بكلمة ترهبها بل تذكر وصية الطبيب فاقترب منها بوقارٍ وهيبة وجذبها إليه مرة أخرى برغم مقاومتها.
سحبها لترتطم بظهره بصدره وأحاطها بذراعيه في ضمةٍ محكمة ودفن رأسه في عنقها مجدداً وهو يهمس بفحيحٍ عاشق تذوب له الجبال:
“اششش.. اهدي يا قلب رؤوف.. مفيش جَلد ذات تاني. أنتي ميساء زيدان المعلم.. والكسرة اللي في عينك دي أنا هغسلها بيدي.. أنتي في حمايتي ومفيش مخلوق هيلمسك طول ما أنا فوق الأرض.. فاهمة”
زياد الذي كان يراقبهما والندم يأكل قلبه أراد أن يلطف الجو ويخفف عنها الصدمة بجدعنة ومرح.. تقدم بابتسامةٍ واسعة وقال: “خلاص بقى يا ست البنات . تعالي هنا يا “لوز مقشر” يمكن الضحكة تعرف طريق وشك المنور ده”
مد زياد يديه ليحمل ميساء بخفة ويمزح معها كأخ، وفجأة…
تجمدت الحركة في الغرفة. رؤوف لم يفتعل خناقاً، بل بـ “حركة هادئة” كفيلة ببث الرعب وضع يده فوق يد زياد التي كادت تلمس خصرها وضغط عليها بـ “قوة صامتة” وهو ينظر لزياد بنظرةٍ حادة عيناه اسودّت بـ “غيرةٍ مكتومة”.
رؤوف بصوتٍ رخيم ومنخفض: “زياد.. ميساء تعبانة والضحك مش وقته دلوقتي سيبها ترتاح في حضن أمي وخليك في حالك.”
زياد فهم الإشارة فوراً، وفهم أن ميساء بالنسبة لرؤوف “منطقة محرمة”. رفع يديه بهدوء وقال: “تمام يا كبير.. أنا قصدي بس أخفف عنها حمد الله على سلامتك يا بنت عمي.”
ميساء استكانت تماماً في حضن رؤوف وكأنها أخيراً صدقت إنها ميساء مش سيرين المنبوزة. رؤوف انحنى عليها وباس راسها بوقار وهمس في ودنها بكلام خلى جسمها كله يتنفض بس المرة دي من “الأمان”:
“نامي يا ميساء.. نامي وطمني قلبك البيت ده اتقفل بابه عليكي ومحدش له عندك حاجة.. ومن بكرة مفيش مخلوق في الحارة دي هيقدر ينطق اسمك القديم على لسانه.. عشان اللي هيعملها هيكون بيحفر قبره بإيده.”
زهرة (أم رؤوف) اقتربت بدموعٍ حارة ومسدت على شعرها بحنانٍ جارف:
“يا قلب خالتك.. أنتي بنتي يا ميساء.. والبيت ده انقفل يوم ما ضعتي والنهاردة الروح ردت فيه بيكي.”