وقف امام باب منزله يحمل سلسلة مفاتيحه ،يتخبط من حائط الي آخر لا يستطيع ايجاد المفتاح الخاص بمنزله حيث عائد هو من سهرة الفسق والفجور المعتادة لديه ،
فتح الباب اخيرا بعد محاولات كثيرة ، دلف الي منزله اغلق الباب واخذ يترنح حتي وصل اللي اريكة غرفة المعيشة خاصته ، تمدد عليها وفي ثواني معدوده غط في نوم عميق غير عابئا بتغير بملابسه او علي الاقل نزع حذائه .
___________________________________
استيقظت علي مداعبة شعاع الشمس المتسلل من نافذة شرفتها لاهدابها “حياة” فتاة كالقمر المنير، بشرتها بيضاء ، وتمتلك عيون سوداء واسعه وجميلة ، وشعر اسود به تموجات بسيطة تزيدها فتنة وجمالا يصل الي ما بعد كتفيها وشامة اعلى شفتيها العلوية ،نهضت من الفراش واخذت حمامها ثم توضأت وادت صلاتها ، خرجت من غرفتها تنزل علي الدرج متجهه الي المطبخ حيث المكان الدائم لوالدتها ،وقفت علي باب المطبخ تنظر اليها تتسللت من خلفها واضعة يديها علي فمها لتفزعها كما عادتها دائما، لتتفاجأ بها قائلة في ثبات :
-مش هتبطلي بقي حركاتك دي .
اطلقت حياة ضحكة رقيقة وهي تحتضنها من الخلف قائلة :
– نفسي اعرف بتحسي بيا ازاي
نظرت اليها بجانب عينيها مبتسمة قائلة بمرح :
– يمكن امك ولا حاجه .
ارتفعت اصوات ضحكاتهما سويا ثم جلست الفتاة بجوارها علي طاولة المطبخ لتترك الام مابيدها وتلتفت اليها تأخذها بين احضانها قائلة:
-صباح الخير ياحياتي .
اسقرت حياة بين يدي تلك المرأه التي جمع الله حنان العالم كله ليتجسد بين يديها في “ضمه” ، حيث نالت من اسمها ما تستحق به ان توصف “حنان ” زوجة خالها ،
حياة : – صباح النور يااحلي حنون في الدنيا ..
ابتسمت حنان قائلة :
-نمتي كويس ولا سهرتي كالعادة .
اعتدل حياة جالسة .
-لا مانمتش كويس ..وخايفة اوي من امتحان انهارده حاسة اني مش هعرف احل حاجة.
لتبتسم حنان ابتسامة مطمئنة قائلة :
-ان شاء الله ياحبيبتي تحلي وتنجحي بتقدير كمان، شدي حيلك بقي كده واتخرجي خالو محتاجك معاه في الشركة.
لتبتسم الفتاة وتتسع عينيها بحماس قائلة :
-انا مش مصدقه نفسي اني خلاص هتخرج واشتغل ،
لترفع راسها عاليا في كبرياء وفخر تربع يديها قائلة :
لا ومش مع اي حد مع خالي صاحب الشركة شخصيا .
لتضحك حنان قائلة :
-لا ياقلب ماما ماتتعشميش اوي كده انتي عارفة خالك في حتة الشغل دي مايعرفش قريب من غريب .
لتنكمش ملامح حياة متصنعة الاحباط قائلة :
انتي هتقوليلي ده هيطلع عيني .
ابتسمت لها حنان وهي تربت علي كتفها قائلة :
-ده معندوش في الدونيا دي كلها اغلي منك ،
ثم تردف محذره .
بس ده ما يمنعش بردو انك لازم تلتزمي في شغلك .
نهضت حياة واقفة قائلة بفخر :
– شوفي يا ماما هبهرك اتخرج انا بس وشوفي انا هعمل ايه .
لتعلو ضحكاتهم سويا لتردف حنان ضاحكة .
-طب قومي بقي صحي خالو عشان مايتأخرش كان بيقولي امبارح ان عنده اجتماع بدري ، وانتي كمان يلا عشان عندك امتحان وانا هقوم احضر الفطار .
نهضت حنان واقفة فبرغم من سنوات عمرها التي قاربت الخمسين الا انها تتمتع بجسد نحيل بعض الشيء .
نهضت حياة تقبل وجنتيها قائلة :
-حاضر ياحنون .
لتضحك لها حنان وتتابعها بشرود وهي تخرج من المطبخ قائلة في نفسها : يالهذه المسكينة ترى ماذا كان سيحدث لها لو لم يكن خالها بجوارها .
تنهدت حنان في اشفاق وشرعت في اعداد الفطور .
———–
بينما علي الجانب الاخر صعدت حياة لتوقظ خالها طرقت علي باب الغرفة بنقرات رقيقة وبصوت يوازي نقرات الباب رقة :
-خالو انت صاحي؟
لم تستمع لاجابة ، فتحت باب الغرفة فلم تجده ابتسمت بيأس لعادته التي لن يتوقف عنها ابدا وهي الاستيقاظ باكرا للقرائة ،حتي في ايام العطلة ، توجهت نحو غرفة المكتب خاصته طرقت الباب فاذن لها بالدخول ، فتحت الباب وادخلت فقط راسها تبتسم قائلة:
-صباح الخير
لا اراديا ترتسم علي ملامح وجهه ابتسامة واسعة لرؤيتها ،صغيرته ، وقطعة من روحه ، شمسه التي اشرقت علي ليل حياته لتنشر نورها في الارجاء .
-ياصباح النور .. الناس اللي بتصحى متأخر .
توجهت نحوه لتلف زراعيها حول رقبته تقبل وجنته قائلة:
– كنت سهرانه بذاكر وحضرتك عارف بقي ده اخر امتحان وانا بصراحه خايفه جدا
استقام ليقف امامها قائلا :
– طالاما مذاكره وعمله اللي عليكي ربنا هيوفقك متخافيش .
انحني يقبل جبهتها ،ثم أردف قائلا وهو يلملم اشيائه من علي سطح المكتب يالا اجهزي بسرعة عشان تفطري و اوصلك في طريقي .
اسبلت له عينيها في استعطاف قائلة :
-طب ممكن نعدي علي سارة نخدها في طريقنا .
كتم ابتسامته بصعوبة فتلك الصغيرة تلعب علي اوتار قلبة ثم رد قائلا :
– هتأخريني كده ..بش ماشي ياستي ممكن .
وقفت علي اطراف قدميها لتقبله من وجنته وتتجه الي خارج المكتب ، نظر اليها وشبح ذكرى اخته الوحيدة يلوح في ذاكرته غامت نظرة عينيه وسيطر الحزن علي قلبه ليتذكرها
Flash back
جلست امامه تنظر ارضا ، متوترة بل تكاد تموت من التوتر تتعرق و تفرك يديها بشدة ، نظر اليها اخته بل طفلته الجميلة كما كان يلقبها دائما ب”قطعة السكر” ليرق لها قلبه قائلا بصرامه وثبات لا يخلو من بعض المكر كما هو دائما :
– يعني افهم من كده انك موافقة .
ردت مسرعه :
– لاء ….اه ..ااااا …قصدي يعني الي تشوفه
ابتسم لبرائتها ، ثم وقف فاستقامت هي بدورها احتراما له فهو بمثابة ابيها .
-ربك يسهلها ..هحدد معاه معاد واشوفه .
اومأت له وقد لاحظ لمعة عينيها بالفرحه فانشرح قلبه لسعادتها
Back
تجمعت الدموع بعينيه، ثم دعا لها بالرحمة والمغفرة ، وهو يتوعد بالجحيم لمن كان سببا في موتها او بالأحري انتحارها ..
_______________________________
وصلت اخيرا اللي البناية التي بها تلك العيادة البيطرية لتتنهد بارتياح ،لم تسطتع انتظار المصعد فصعدت الدرج حيث علمت من اليافطة ان العيادة تقبع بالدور الثالث ،
صعدت الدرجات درجة تلو الاخري وخفقات قلبها تكاد تسمعها اذنيها ،وصلت اخيرا اللي العيادة ، لحظة ..فقدت فيها الاستيعاب ،حيث العيادة مغلقة ،تشعر وكان الهواء يسحب من رأتيها وكانها هي المصابة وتحتاج الي الطبيب وفورا ..لحظة.. لن تترك لعقلها فكرة الاستسلام وترك العصفور ليلقي حتفه وحيدا ،
توترت والعرق يتساقط من جبهتها قلبها يخفق يكاد يخرج عن صدرها لا لن تدعه يموت يجب ان يبقي علي قيد الحياة يجب عليه الا يستسلم ،بل هي التي يجب عليها الا تستسلم ، وضعته في يد واحدة وباليد الاخري اخذت تطرق بشده علي باب تلك العيادة، تارة تطرق وتارة تضرب الجرس هي تعلم انه لا يوجد احد بالداخل لكنها لن تستسلم ،ربما يظنون من بالبناية انها مختلة اذا رأوها تطرق هكذا لاكنها لا تأبى ،لن تستسلم ولا تأبى ايضا باذعاج السكان فهناك من يفقد حياته
“نعم هو عصفور لاكنها لا تراه عصفورا بل تراه هي،يمثلها وبشدة ولا تريد تصديق ذالك هي قوية حتي اذا كانت وحيدة ، بفردها مثله.. لكنها قوية ،او ذالك هو اعتقادها “.
فتح احد السكان باب شقته وخرج لتلك المزعجة غاضبا حانقا من تصرفها المختل الغير لائق الذي لا يمط للتحضر بصلة ، الشرر يتطاير من عينيه فهي لا تمتلك اي حيوان برفقتها اذا هي مختلة او عديمة الذوق، سيلقنها درسا لن تنساه ليتكلم زاعقا قائلا :
– عاوزة ايه.. وبتخبطي كده ليه انتي حمارة .
انتفضت زعرا اثر الصوت التفت له لتجد شاب يبدو عليه التحضر والاحترام الذي يتعارض مع اهانتها منذ قليل استشاطت غضبا من اهانتها لترد عليه بشراسة قائلة :
-انا حمارة ياحيوان انت ؟..ثم انت مالك انت ايش احشرك هو انا بخبط علي دماغك .
لتتسع عينيه في صدمة كبيرة مؤكد تلك الفتاة مختلة حيث اخذ يفكر ويتذكر رقم المشفي الخاص بالامراض العقلية ، حسنا لن يسمح لها باهانته سيرد لها الاهانة مضاعفة ،وقف في استقامة يربع يديه امام صدره قائلا في هدوء مستفز :
– اللي احشرني ان انا الدكتور صاحب العيادة اللي سيادتك بطربقي الباب بتاعها دي ،مش حيوان انا بعاالج الحيوانات لو حضرتك حاسة بحاجه او عندك مشكلة ممكن افتح دلوقتي عشان خاطر سيادتك مع ان ده مش معاد فتح العيادة .
ثم اختتم قوله بابتسامة صفراء .
اما هي فلم تستمع لاهانتها المباشرة منه بل لم تستمع شيئا بعد قوله “دكتور وصاحب العيادة” لتتحول تلك الملامح الشرسة اللي ملامح رقيقة خائفة وتلك العيون الغاضبة الي عيون دامعة مستعطفة قائلة :
– طب الله يخليك اللحلقه هيموت .
وتمد قبضة يديها امام عينيه لتتسع عينيه في صدمة اخري.. من تلك ؟ اذا كان يظن انها مختلة ف الان هو متأكد تماما من ظنه ليقول بتهكم :
-مين ده اللي هيموت ؟
حسنا !هي تبكي لا هي منهارة..، فتحت قبضة يديها امامه والدموع تتساقت من عينيها الخائفتين ليتفاجأ بعصفور صغير ينزف من راسه ويبدو انه كسر احد جناحيه حسنا لقد ظلمها لم تكن مزعجة هي خائفة.. ولم تكن عديمة الذوق فهناك طائر جريح لكنها حتما مختلة وهذا ما اقتنع به الان ولن يتراجع عنه، فبنظرة واحدة للعصفور علم انه من النوع الذي يعيش بالاشجار لا المنازل واذا كان عصفورها لماذا لا تاتي به في قفصه الخاص وما الذي جرحه هكذا هل وجدته في طريقها فقررت ان تنقذ حياته؟!.. حسنا ربما يفضل ترك تلك التسائلات الان فالعصفور علي وشك فقد الحياة ليقول في احراج محمحما :
– احم ..لحظة واحدة هجيب المفتاح واجي …
_________________________________
استيقظ علي رنين هاتفه لينهض بصعوبة اثر الام راسه الشديدة يبحث عن هاتفه ليسكت ذالك الصوت المزعج ، ليتفاجأء بنفسه علي اريكه غرفة المعيشة بملابسه ، تذكر ليلة امس حين قامر احد اصدقائه وخسر كل ما بحوزته من مال ، وجد هاتفه ففتحه ليجيب قائلا بصوت اجش ناعس :
– الو .؟!……مين ؟
لياتيه صوت مدير اعماله الخاص .
-استاذ رشدي حضرتك فين كده هنتأخر علي اجتماع انهارد
فرك جبهته يحاول التذكر
ليأتيه الصوت من الطرف الاخر:
-اجتماع الصفقة الجديدة مع شركة “المنيااوي” يافندم حضرتك نسيت ولا ايه .
رد قائلا:
– ايوه ايوه..لا مش ناسي مسافة السكة وابقي عندك .
اغلق الهاتف ونهض يتوجه لياخذ حمامه ويذهب الي العمل .. جمع الاموال وانفاقها علي سهراته وطاولات القمار والمعاصي هو كل مايشغله في الحياة غير عابئا ب “حياة” اخرى .
_________________________