رواية دمية مطرزة بالحب الفصل الحادي والخمسون 51 بقلم ياسمين عادل
رواية دمية مطرزة بالحب الجزء الحادي والخمسون
رواية دمية مطرزة بالحب البارت الحادي والخمسون

رواية دمية مطرزة بالحب الحلقة الحادية والخمسون
“ثم إنكَ تتسلل إلى قلبي بدون أن تخطو.”
__________________________________________
أغلق “يونس” جميع منافذ الضوء كي تكون الغرفة مُعتمة ولم يرتاح إلا بعدما نامت وغرقت بـ عمق شديد، حتى إنه جلس في الشرفة وأغلق على نفسهِ كي يحافظ على نفس الهدوء من أجلها.
رنّ هاتفه المسنود على الطاولة، فـ أنزل ساقيهِ عن المقعد المقابل له.. نظر في شاشة الهاتف قبيل أن يجيب على الفور و :
– ألو، أزيك يانينة.. وانتي وحشاني جدًا طمنيني عنك
استمع إليها قبل أن يتنهد قائلًا :
– عارف، عارف إنك مفقتداها ووحشتك.. بس انتي أكيد عارفه انا مقدرش أرجعها غير لو هي عايزة
قذف بـ عُقب سيجارتهِ لتسقط بالأسفل جوار الكثير من الأعقاب التي ألقاها بنفس الطريقة.. ثم نهض عن جلستهُ وهو يقول :
– اللي تشوفيه، أنا حاسس إن ده هينفعها فعلًا
التفتت رأسهِ كأنه ينظر إليها، وزفر من الأعماق مختنقًا اختناق شديد لما يصيبهم بـ استمرار وبدون توقف أو حتى هدنة.. ثم عاد ينظر أمامه وهو يقف عن جلستهِ :
– اتفقنا، ماشي يانينة.. سلام
أغلق الهاتف وتركهُ، دخل وأغلق الشرفة من جديد محافظًا على نفس جودة الإضاءة القاتمة، وبحرص شديد كان يقترب منها.. انحنى قليلًا ومسح على شعرها برفق بالغ لم تشعر هي به، ثم رفع يده عنها واستقام في وقفتهِ وقد حضر “يزيد” على باله الآن.. انشغل به أكثر منذ أن تركه بالأمس لم يتصل به أو يطمئن على حاله، وفي نفس التوقيت لن يستطيع مغادرة المزرعة وهي في حالتها تلك التي لم تبارحها.. فـ عاد للشرفة من جديد كي يجلب هاتفهِ ويحاول الإتصال به على الأقل.
—على جانب آخر—
كانت “نغم” تقف خارج المقبرة بعدما أصرت إصرارًا شديدًا ألا تتركهُ يذهب وحده، تراه في حالة مزرية عاجزة عن التدخل أو أن تحول بينه وبين تأنيب الضمير الذي يعذبهُ عذابًا موجعًا.. كانت تسمع حديثهِ المتألم الذي رافقه صوت أنين ضعيف متألم وقلبها ينفطر من فرط القهر على حاله ذلك.. ولكن ليس بيدها حيلة.
حتى إنها تقبّلت أن تأتي إلى هنا، إلى قبر زوجتهِ السابقة.. كي لا تتركه بمفرده يعاني ويلات عذاب هذه المواجهه.
أحست “نغم” بـ اهتزاز هاتفها.. فـ ابتعدت على الفور وهي تنظر لشاشة الهاتف ثم أجابت :
– أيوة يامستر يونس
فسألها “يونس” بـ قلقٍ غالب صوتهِ :
– يزيد بيعمل إيه يانغم؟؟ أنا عارف إنك معاه
فـ ذمّت شفتيها شاعرة بالحرج منه وهي تجيب :
– إحنا في المقابر
فـ تنهد “يونس” متضايقًا من وضعه و :
– لو عرفتي تضغطي عليه عشان يمشي أعملي كده.. طول ما هو عندك مش هيتحسن أبدًا
فـ هزت رأسها عدة مرات وهي تنظر نحو بوابة المقبرة وقالت :
– حاضر، بس عرفت منين إني معاه؟؟
– الأمن شافك وانتي بتركبي معاه العربية وبلغني لما سألته
لم تكن” نغم” متأكدة كثيرًا هل سـ تستطيع فعل ذلك أم لا، ولكن رغم شعورها بالتردد نفت ذلك عنها وتحدثت بثقة شديدة :
– متقلقش أنا معاه، وهحاول نمشي دلوقتي
فـ اضطر “يونس” أن يعتمد عليها في ذلك :
– طيب، هستنى منك تليفون
أغلقت الهاتف ووضعته في الحقيبة.. تنفست بعمق وطردت زفيرًا متوترًا من صدرها منتوية أن تقطع عليه خلوتهِ معها.. دنت منه وهو يتحدث لنفسهِ وقاطعته :
– يزيد كفاية اللي بتعمله في نفسك، أنت مكنش ليك أي ذنب في اللي حصل
فـ انتقلت أبصارهِ المخيفة نحوها والتي أرعبتها وجعلتها تتراجع للخلف خطوة بينما كان هو يهدر فيها وكأنه يرى شبحًا :
– يعني إيــه ماليـش ذنب!! أنا الســبب في كل ده.
فـ كافحت مخاوفها وتصدت لمشاعر الذعر منه والتي ملأت صدرها، ولم تهتم سوى بـ محاولتها المستميتة لـ إخراجه من هنا :
– اللي حصل حصل وانت متقدرش ترجع الزمن، وكل اللي بتعمله دلوقتي إهدار لنفسك وبس
فـ أطبق على ساعدها بحركة مباغتة حتى آلمتها قوة قبضتهِ، لم يكتفِ بذلك.. بل إنه هزها هزًا عنيفًا وكأنه يُنفث عما بـ أغوارهِ من كبت تراكم بداخله لأيام طويلة :
– انتـي مش عـايـزة تـفهمـي لــيه ؟؟ بـقـولك قــتلتـها، أنا اللي قـتلتهـــا أفـــهــمــي بــقـى
فـ لم تشعر بنفسها إلا وهي تنفجر فيه وتصرخ في وجهه بشكلٍ جعل حواسهِ تتجمد وهو يستمع لكل كلمة ويرى كل إيماءه عنيفة منها، لم يكن يتخيل إنها ستتحول بهذه السرعة لهذا الشكل الذي يراها عليه الآن :
– أيــوة انت الســبب، أنت اللي بــطـمـعك وجـشـعك مـوتها، مـقدرتش تـشوفها مـع راجـل غـيرك فـ دمـرتها ووديتـها للموت بـ أيدك وكأنك بتقول لو حضنك مش ليا يبقى القبر أولـى بيـكي.. خــلاص يا يــزيـد؟؟ ارتــحـت لما سـمعـت الكـلام ده مـنـي! هــه ؟؟
نهج صدرها متنفسة بصعوبة بالغة بعد مجهود شاق بذلتهُ أثناء مواجهته بكل هذا الكلام دفعة واحدة وبدون توقف أو تمهل، ضربت الحقيقة كاملة في وجهه وبدون أن ترأف بـ حالهِ، ولأن الطرق على الحديد وهو ساخن هي الطريقة الوحيدة التي ستجعلهُ لينًا قابل للطي والتشكيل.. ضربت هي جرحه الذي ما زال ينزف كي يتوقف عن إهدار ما بقى من دماءه.
خرجت “نغم” للخارج وهي تتحسس رسغها الذي شعرت بـ آلامهِ توًا، ثم فتحت باب السيارة وجلست بالداخل منتوية ألا تظهر أمامه ثانيةً حتى يخرج هو بنفسهِ ويستقر بداخل سيارتهِ.. فكرت مليٍّا في الكلمات اللاذعة التي ألقتها على مسامعهِ، فـ لم تشعر بأي ندم.. بل إنها تحسنت قليلًا وتمنت لو إنه يتحسن هو الآخر ويخرج أمامها الآن كي ينصرف.. طال الأمر قليلًا ولكنه خرج في النهاية وفي لحظة غروب الشمس تحديدًا، أوصد الباب على قبرها والتفت لـ ينظر إلى سيارتهِ التي تجلس هي بداخلها.. علق بصرهِ عليها للحظات قبل أن يُجفل بجفونهِ عنها، إلى أين يذهب وماذا يفعل؟؟ لا يوجد حتى مفرّ من المعاناة التي يعيشها، ماذا عساه يفعل كي ينسى جريمتهِ الشنعاء؟.
لا يدري.. همّ نحو سيارتهِ مجبرًا على الذهاب من هنا بعدما تضاعفت آلامهِ النفسية والجسدية ولم تبقَ له طاقة، حتى وإن انصرف، لن يبتعد عنه شبح هذا الذنـب.
…………………………………………………………………..
أشرف “يونس” بنفسهِ على تحضير أغلب الوجبات التي تُحبها.. ثم وضعهم بشكل أنيق على حامل الطعام وخرج، ولحق “مهدي” خلفهِ من المطبخ وهو يسأله :
– تفتكر هتعرف تقنعها تاكل؟
– أصلًا مينفعش ترفض، دي خست نص وزنها تقريبًا
انتقل “مهدي” لفتح الباب حينما كان “يونس” يبدأ صعود الدرج.. لكنه توقف مع سماع هذا الصوت المألوف إليه والتفت راسمًا ابتسامة على ثغرهِ وهو يردف :
– نينـة ؟؟
ابتسمت “كاريمان” في وجهه وهي تقترب منه قائلة :
– İyi akşamlar “مساء الخير”
فـ أجابها بنفس لغتها المحببة :
– İyi akşamlar, büyükanne. “مساء الخير يا جدتي”
نظرت “كاريمان” للطعام الذي يحمله وتسائلت :
– الأكل ده عشان ملك؟
فـ