رواية وغابت شمسها الفصل الثاني 2 بقلم مايسة ريان
الفصل الثانى
حلقة استثنائية اليوم لرواية .. وغابت شمسها
مصنع طيبه
كان صالح جالسا فى مكتبه وباله مشغول عندما دخلت عليه سكرتيرته لتقول له أن أحمد مدير الحسابات والذى هو ايضا زوج شقيقته فى مكتبه الأن فهب واقفا على الفور وذهب اليه .. حاول أن يتصل به أكثر من مره منذ أن رآه خارجا من المصنع بصحبة تلك الشابه التى شاء قدره أن يراها مرتين فى ساعة واحدة ولكن هاتفه كان مغلقا
وجده جالسا خلف مكتبه شاردا ويظهر على وجهه الأرهاق فبادره قائلا بعد السلام
– أين كنت ؟
رد أحمد وهو يحاول رسم أبتسامة على وجهه
– كنت بالخارج لأمر خاص .
– رأيتك تخرج بالسيارة ولكنك لم ترانى على ما أظن .
عقد أحمد حاجبيه بشده وسأله
– حقا ؟ لا لم أراك فعلا .
أنه لم يراه فى حين أن تلك الشابة قد رأته
– من كانت تلك الفتاة الشابة التى كانت برفقتك بالسيارة ؟
تململ أحمد فى مقعده بتوتر ورد قائلا
– آه تلك .. تلك كانت أبنة صديق لى .
– أخبرونى عند وصولى أنها كانت تسأل عنى .
هز أحمد رأسه نفيا وتصنع ضحكه وهو يرد
– سؤ تفاهم .. كانت تقصدنى أنا .
تملكه شئ من الأحباط لم يفهمه وقال
– فهمت .. ولكن من أين هى فقد بدت لى غريبة عن البلده ؟
كذب قائلا
– هى ضيفة من القاهرة .
– هل أخذتها الى المزرعة اذن ؟
لم يفهم أحمد سبب أهتمام صالح بأبنته وزاد هذا من توتره ورد
– لا لقد سافرت .. عادت الى القاهرة فقد كانت فى زيارة قصيرة لبعض أقاربها بالبحيرة وجاءت لتسلم علي قبل سفرها .
ظهرت خيبة الأمل على وجه صالح ولكنه لم يصر على معرفة المزيد ثم أستأذن وخرج وبعد خروجه بقليل طرقت رباب الباب ودخلت
– عمى أحمد .. هل أستطيع الحديث معك قليلا .
أبتسم لها بود
– طبعا يا أبنتى تفضلى .
سألته بدورها عن مرام وما الذى كانت تفعله هنا وتابعت
– لقد كانت تسأل عن صالح .
بدت الفتاة قلقة ولم يلمها فهى أبنة عمه وتحبه منذ سنوات وهو عازف عنها وعن الزواج عامة ورؤيتها لمرام بجمالها الأخاذ جعلها تقلق فأراد أن يريح لها بالها وأخبرها ما أخبر به صالح منذ قليل فتهلل وجهها ولمعت عيناها أرتياحا وقالت بخفة وهى تقف
– سأرسل لك ملف المرتبات لمراجعته .
وبعد خروجها دفن وجهه بين كفيه متأوها .. ذلك الشبح اللعين الذى عاد ليطل بوجهه على حياته من جديد .. لم يتعذب رجل فى زواجه كما تعذب هو فى زواجه من علياء ..أحبها لدرجة الهوس بها .. كانت تصغره بخمسة عشر عاما وتلاعبت به حتى أفقدته عقله .. وعاملته بطريقة سيئة أهانته وأذلته كان يتذكر الايام التى كانت تطرده فيها من حجرة نومهما ويقف على بابها يتذلل لها كى تدخله وترضى عنه .. كانت تغازل رجال غيره دون أدنى أعتبار لوجوده برفقتها وعندما يثور لكرامته وغيرته عليها كانت تهدده بالطلاق وتذكره بفارق السن بينهما وبأنها شابة صغيرة ولها الحق فى مصاحبة من هم فى سنها وما كان يؤلمه وجعل روحه تتآكل بداخله أنه أصبح يتغاضى عما تفعل خوفا من تركها له .. ولم ينفعه كل التضحيات التى قام بها كى يحافظ عليها معه ففى النهايه تركته وما قالته وقتها كان فظيعا .. حتى اليوم لا ينسى وقفتها ولا صوتها الساخر القاسى وهى تقول له
– أنا أكرهك .. فأنت لست رجلا يملأ عين أمرأة .. لا أطيق لمستك على جسدى .. أشعر بالأشمئزاز لمجرد أقترابك منى .. أريد الطلاق .
سألها بغضب
– هل هناك رجل آخر ؟
– نعم .. وهو أفضل منك ويستحق أن يقال عنه رجلا على عكسك تماما .
لم يشعر بنفسه الا وهو ينهال عليها بالضرب وقد وصل صوت صراخها الى الجيران وكانت قد أستطاعت بطريقة ما الوصول الى الباب وفتحه فأنقذوها من بين يديه وما حدث بعد ذلك كان الأسوأ فقد سقطت علياء مغشيا عليها بين أيديهم واستدعوا سيارة أسعاف من أجلها وقد لحق بها الى المشفى وكانت تعانى من أرتجاج فى المخ نتيجة أصدام رأسها بشئ صلب كما كانت تعانى من كدمات فى وجهها وألتواء فى معصم يدها وبعض الخدوش فى جسدها .. لم يصدق أنه فعل بها كل هذا .. لم يكن ليتخيل أن يأتى يوما ويجرحها فيه ولو بكلمه وها هو يجعلها طريحة الفراش .. فجلس بجوار سريرها يبكى .. الغضب والغيره قد أعمياه ففقد السيطرة على نفسه ومن سخرية القدر أن الطبيب بعد أن أطلعه على حالتها قال له فى نهاية الأمر أن يحمد الله لأن كل ذلك العنف لم يؤثر على حياة جنينهما والا كانت ستصبح جناية قد تؤدى به الى السجن .. جاءت أمها بعد أن أبلغها الجيران بما حدث لأبنتها وكانت مواجهتهما شنيعة .. سبته بشده واتهمته بمحاولة قتل أبنتها وطفلها وقد شك وقتها أنها وأبنتها كانتا تعلمان بحملها وأرادت الطلاق قبل أن يكتشف ذلك وطلبت منه أن يطلقها والا سجنته وبعد أن تم لهما ما أرادا نظر الى علياء وطلب منها قائلا
– هذا الطفل لا أريده .. لا أريد أى شئ يربطنى بك أو يذكرنى بأننى تزوجت واحدة مثلك .
فردت عليه حينها بحقد
– ولا أنا أريده .. فى كل الأحوال كنت سأجهضه .
سافر بعدها الى بلدته فى البحيرة وبقى مع أمه التى أصبحت وحيده بعد وفاة أبيه وترك عمله فى البنك وأكتفى بالعمل كأجير لجمع المحاصيل فقد كان قد باع كل الأرض التى تركها له والده لكى يصرف ببذخ على زوجته الجميلة .. عمله كان شاقا ويشغله عن التفكير بحياته الفاشله حتى وصلته رسالة من أم علياء تطلب منه أن يذهب ليأخذ أبنته فقد تزوجت علياء ولم تأخذها معها وبحسبه بسيطه خمن أن عمر طفلته كان ستة أشهر فشعر بالغضب الشديد ولم يرد على الرساله وبعد أيام ماتت أمه فباع البيت وانتقل الى وادى النطرون وأجر حجرة صغيرة وعمل مؤقتا فى جنى ثمار الزيتون وعندما عرف صاحب المزرعة أنه كان يعمل محاسبا فى بنك طلب منه أن يعمل لديه فى المعصرة كمحاسب وكانت فى ذلك الوقت معصرة صغيرة بها آلات بدائيه على عكس ما هى عليه الأن وتعرف على أبنة صاحب العمل وكانت فتاة قليلة الجمال عليلة الصحه وتقدم لخطبتها فهى على عكس ما كانت عليه زوجته السابقة ليس لديها جمالا تغتر به ولن يطمع فيها رجال غيره وكانت طيبة ومطيعة وسيكون سيدها ورجلها الوحيد وذو قيمة فى نظرها .. حذره والدها بأن صحتها قد لا تتحمل الأنجاب فأخبره أنه لا يريد أبناءا ويكفيه أن تكون معه وكان لديه شرط ليبارك زواجهما أن يقيما فى منزل المزرعه حتى يكون هناك من يعتنى بها ويراقب صحتها فقبل بذلك ولم يعترض ومع مرور السنين أستطاعت زوجته بطيبة قلبها وبحنانها الجارف الذى غمرته به أن تنقيه وتطهره من السموم التى غرستها علياء بداخله وعرف الجمال الحقيقى الذى ينبع من داخل الأنسان .. الحب الأخلاص والمرؤة ونكران الذات .. مرت السنوات وهو راضى كل الرضى عن حاله ولكن ظهور أبنته .. تلك النسخه المكرره من أمها كان وكأن الماضى لم يمضى كما كان يظن وجراحة كانت ومازالت تنزف .. وكل همه الأن أن يتخلص منها ويعطيها ما تريد لتختفى من حياته وينسى وجودها تماما .فيلا بالعجمى ( الأسكندرية )
هبط الليل وأنيرت الأضواء فى الفيلا والحديقة التى تحيط بها الأسوار والأشجار العاليه .. كان هناك حوالى العشرين فردا من بينهم وجوه جديدة تراهم مرام لأول مرة ولم تشعر بالأرتياح لوجودهم .. ليست أول مرة تحضر الى هنا مع أصدقاءها لقضاء اليوم فالفيلا لأحد أصدقاءهم ولكن بعض الوجوه الجديدة كانت تثير الريبة بداخلها فمالت على أذن صديقتها ميمي وهما جالستان على الشرفه المسقوفة وسألتها
– هل لاحظت هؤلاء الفتيات هناك .
ضحكت ميمي وهى تنظر الى خمسة فتيات جالسات فى حجرة الصالون التى تطل على الشرفه وهى ترد
– نعم .. سامح هو من أحضرهن .
سامح هو صاحب الفيلا فقالت مرام بضيق وهى تتأمل هؤلاء الفتيات بملابسهن الرخيصة والغير محتشمة والتى تدل على نوعيتهن
– لن أبقى طويلا اذن .. سأنتظر حتى أرى فودة ثم أذهب .
– لا تكونى مملة .. لقد أحضرهن للتسلية .. سيرقصن فقط .
نظرت اليها ساخرة قائلة
– يرقصن فقط ؟
وقفت مرام وتركت ميمي وحدها وذهبت للبحث عن فودة .. ووجدته فى المطبخ يجلس أمام المنضده الخشبية وأمامه زجاجة بيرة قد تجرع نصفها وعندما رآها أشار لها
– تعالى يا مرام لدي شئ لك .
أخرج ورقة ملفوفة من جيب قميصه وفضها أمامه على الطاولة فقالت مرام بجفاء وهى تجلس على المقعد المواجه له
– تعرف أننى لا أتعاطى الكوكايين .
هز كتفيه بلامبالاة ثم أخرج كارت الفيزا من محفظته وراح يقسم به المسحوق الأبيض الى صفوف وهو يقول
– لو جربته مرة لغيرت رأيك .. أنه يجعلك تحلقين فى عالم آخر .
قالت ساخرة
– معك حق .. لو جربته مرة لما تركته أبدا وأصبحت مدمنة مثيرة للشفقه مثلك .
ضحك بشده وقد أخذ ورقة فى ذلك الوقت وطواها كأنبوب وراقبته مرام بأسف وهو يسحب المخدر من فتحتى أنفه وبعد أن أنتهى أرجع رأسه الى الخلف مغلقا عينيه للحظات , سألته
– هل معك سيجارة ؟
دعك أنفه بقوة ونظر اليها بعينان حمراوان
– سادة أم محشوة ؟
– محشوة .
تناول علبة سجائرة وأنتقى منها واحدة تبدو مصنوعة يدويا وقال مبتسما
– ومن أجود الأنواع .
قالت ساخرة وهى تأخذها منه
– كثرة المال أفسدتك .
رد عليها ضاحكا بخبث
– وهل قلة المال لم تفسدك ؟
قالت ضاحكة بمرح
– معك حق .
سألها وهو يراقبها تنفث دخان سيجارتها بأستمتاع
– ماذا فعلت مع والدك ؟
تغضن وجهها بعبوس وقالت
– أتصل بى بالأمس .. قال أنه أستطاع تدبير المال الذى سيشترى لى به شقه .
– ومصاريفك ؟
– طلب منى أن أمهله بعض الوقت حتى يدبر مبلغ آخر .
– الأباء سيئون .
– والأمهات أيضا كذلك .
قال فودة عابسا
– أمى ليست سيئه تماما .. هى طيبة وساذجة .. يخونها أبى طوال الوقت مع قاذورات من نوعه وهى لا تنتبه له .. تعرفين أننى رأيته فى بيتنا بالساحل مع صديقة أمى المقربه ؟
شهقت مرام بذهول ثم أنفجرت ضاحكة
– هل أنت جاد ؟
ضحك بدوره بشدة
– نعم .. ذهبت الى هناك مع فتاة ألتقطها من على الطريق ولك أن تتخيلى الموقف عندما فتحت باب الشالية لأرى أبى الرجل المحترم وهو عاريا تماما ويرقص كالعاهرات ومعه السيدة المحترمة والتى كنت أناديها بخالتي ترتدى بذلة رقص مبتذلة .
وأستمرا فى الضحك بجنون حتى سالت الدموع من عيونهما ثم ألحت عليه لتعرف
– أخبرنى .. أخبرنى ماذا فعل حينها ؟
– نهرنى بشده لأننى أتيت دون أن أستأذن منه بالسفر .. وسألنى عن الفتاة التى كانت معى وماذا جئت أفعل بها … هذا الوقح .
ثم تجهم وجهه فجأة وكف عن الضحك بعد أن سحب نفسا عميقا وهو يتابع بكره وألم
– كنت أعرف أن له علاقات بنساء أخريات .. ولكن رؤيته فى تلك الحالة كانت .. مقززة .. كرهته فوق ما تتصورين .. لو أنه قتل أمامي ومزق لأشلاء لما أطفئ ذلك النار التى كانت تشتعل بداخلى وقتها .
أبتسمت مرام بسخريه مريره
– أباء سيئون .. أمهات سيئات .. وصديقات خائنات .
دخلت ميمي فى تلك اللحظة ولاحظت وجوههم الكئيبة
– ماذا بكما ؟
قالت لها مرام ضاحكة بعبث
– تعالى أنضمى الينا فى نادى ضحايا الوالدين .
جلست ميمي وسحبت السيجارة من يد مرام وهى تقول
– أنا لا أشتكى .. يعيش والدي فى الخليج ليعملا كالبهائم ويرسلان لى ولأختى كل ما نطلبه .. المال والحرية بلا حدود .. فلماذا أتذمر من عدم وجودهما ؟ ما قيمتهما فى الحياة بالنسبه لنا ؟ .. حتى أننا لا نطيق الأجازة التى نقضيها بصحبتهما .
سحبت نفسا طويلا من السيجارة وزفرته ثم نظرت الى مرام وقالت
– كان معك حق .. هؤلاء الفتيات جاؤا لغرض آخر .. لن أبقى أنا أيضا .
أستفسر فودة عن الأمر فأطلعته مرام على أمر الفتيات اللاتى جاء سامح بهن فهب واقفا بحماس
– ستكون ليله بألف ليله .
وخرج من المطبخ وهو يرقص فنظرت مرام الى ميمي وسألتها
– هل أنت على ما يرام؟
أبتسمت ميمي بمرارة
– ولماذا لا أكون ؟ .. كان خطأى لأننى فرطت فى نفسى ورخصت من قدرى .. لن ينظر سامح الي على أننى فتاة تستحق أن تكون زوجة له .
مطت مرام شفتها السفلى بأزدراء
– من يظن نفسه .. هو ليس أكثر من داعر حقير .. وقبل أن يحاسبك فليحاسب نفسه أولا .
دمعت عينا ميمي وهى ترد بأنكسار
– ولكن هو رجل .. لن يحاسبه أحد .. ليتنى أستمعت لنصيحتك ولم أترك جسدى له .
حلقة استثنائية اليوم لرواية .. وغابت شمسها
مصنع طيبه
كان صالح جالسا فى مكتبه وباله مشغول عندما دخلت عليه سكرتيرته لتقول له أن أحمد مدير الحسابات والذى هو ايضا زوج شقيقته فى مكتبه الأن فهب واقفا على الفور وذهب اليه .. حاول أن يتصل به أكثر من مره منذ أن رآه خارجا من المصنع بصحبة تلك الشابه التى شاء قدره أن يراها مرتين فى ساعة واحدة ولكن هاتفه كان مغلقا
وجده جالسا خلف مكتبه شاردا ويظهر على وجهه الأرهاق فبادره قائلا بعد السلام
– أين كنت ؟
رد أحمد وهو يحاول رسم أبتسامة على وجهه
– كنت بالخارج لأمر خاص .
– رأيتك تخرج بالسيارة ولكنك لم ترانى على ما أظن .
عقد أحمد حاجبيه بشده وسأله
– حقا ؟ لا لم أراك فعلا .
أنه لم يراه فى حين أن تلك الشابة قد رأته
– من كانت تلك الفتاة الشابة التى كانت برفقتك بالسيارة ؟
تململ أحمد فى مقعده بتوتر ورد قائلا
– آه تلك .. تلك كانت أبنة صديق لى .
– أخبرونى عند وصولى أنها كانت تسأل عنى .
هز أحمد رأسه نفيا وتصنع ضحكه وهو يرد
– سؤ تفاهم .. كانت تقصدنى أنا .
تملكه شئ من الأحباط لم يفهمه وقال
– فهمت .. ولكن من أين هى فقد بدت لى غريبة عن البلده ؟
كذب قائلا
– هى ضيفة من القاهرة .
– هل أخذتها الى المزرعة اذن ؟
لم يفهم أحمد سبب أهتمام صالح بأبنته وزاد هذا من توتره ورد
– لا لقد سافرت .. عادت الى القاهرة فقد كانت فى زيارة قصيرة لبعض أقاربها بالبحيرة وجاءت لتسلم علي قبل سفرها .
ظهرت خيبة الأمل على وجه صالح ولكنه لم يصر على معرفة المزيد ثم أستأذن وخرج وبعد خروجه بقليل طرقت رباب الباب ودخلت
– عمى أحمد .. هل أستطيع الحديث معك قليلا .
أبتسم لها بود
– طبعا يا أبنتى تفضلى .
سألته بدورها عن مرام وما الذى كانت تفعله هنا وتابعت
– لقد كانت تسأل عن صالح .
بدت الفتاة قلقة ولم يلمها فهى أبنة عمه وتحبه منذ سنوات وهو عازف عنها وعن الزواج عامة ورؤيتها لمرام بجمالها الأخاذ جعلها تقلق فأراد أن يريح لها بالها وأخبرها ما أخبر به صالح منذ قليل فتهلل وجهها ولمعت عيناها أرتياحا وقالت بخفة وهى تقف
– سأرسل لك ملف المرتبات لمراجعته .
وبعد خروجها دفن وجهه بين كفيه متأوها .. ذلك الشبح اللعين الذى عاد ليطل بوجهه على حياته من جديد .. لم يتعذب رجل فى زواجه كما تعذب هو فى زواجه من علياء ..أحبها لدرجة الهوس بها .. كانت تصغره بخمسة عشر عاما وتلاعبت به حتى أفقدته عقله .. وعاملته بطريقة سيئة أهانته وأذلته كان يتذكر الايام التى كانت تطرده فيها من حجرة نومهما ويقف على بابها يتذلل لها كى تدخله وترضى عنه .. كانت تغازل رجال غيره دون أدنى أعتبار لوجوده برفقتها وعندما يثور لكرامته وغيرته عليها كانت تهدده بالطلاق وتذكره بفارق السن بينهما وبأنها شابة صغيرة ولها الحق فى مصاحبة من هم فى سنها وما كان يؤلمه وجعل روحه تتآكل بداخله أنه أصبح يتغاضى عما تفعل خوفا من تركها له .. ولم ينفعه كل التضحيات التى قام بها كى يحافظ عليها معه ففى النهايه تركته وما قالته وقتها كان فظيعا .. حتى اليوم لا ينسى وقفتها ولا صوتها الساخر القاسى وهى تقول له
– أنا أكرهك .. فأنت لست رجلا يملأ عين أمرأة .. لا أطيق لمستك على جسدى .. أشعر بالأشمئزاز لمجرد أقترابك منى .. أريد الطلاق .
سألها بغضب
– هل هناك رجل آخر ؟
– نعم .. وهو أفضل منك ويستحق أن يقال عنه رجلا على عكسك تماما .
لم يشعر بنفسه الا وهو ينهال عليها بالضرب وقد وصل صوت صراخها الى الجيران وكانت قد أستطاعت بطريقة ما الوصول الى الباب وفتحه فأنقذوها من بين يديه وما حدث بعد ذلك كان الأسوأ فقد سقطت علياء مغشيا عليها بين أيديهم واستدعوا سيارة أسعاف من أجلها وقد لحق بها الى المشفى وكانت تعانى من أرتجاج فى المخ نتيجة أصدام رأسها بشئ صلب كما كانت تعانى من كدمات فى وجهها وألتواء فى معصم يدها وبعض الخدوش فى جسدها .. لم يصدق أنه فعل بها كل هذا .. لم يكن ليتخيل أن يأتى يوما ويجرحها فيه ولو بكلمه وها هو يجعلها طريحة الفراش .. فجلس بجوار سريرها يبكى .. الغضب والغيره قد أعمياه ففقد السيطرة على نفسه ومن سخرية القدر أن الطبيب بعد أن أطلعه على حالتها قال له فى نهاية الأمر أن يحمد الله لأن كل ذلك العنف لم يؤثر على حياة جنينهما والا كانت ستصبح جناية قد تؤدى به الى السجن .. جاءت أمها بعد أن أبلغها الجيران بما حدث لأبنتها وكانت مواجهتهما شنيعة .. سبته بشده واتهمته بمحاولة قتل أبنتها وطفلها وقد شك وقتها أنها وأبنتها كانتا تعلمان بحملها وأرادت الطلاق قبل أن يكتشف ذلك وطلبت منه أن يطلقها والا سجنته وبعد أن تم لهما ما أرادا نظر الى علياء وطلب منها قائلا
– هذا الطفل لا أريده .. لا أريد أى شئ يربطنى بك أو يذكرنى بأننى تزوجت واحدة مثلك .
فردت عليه حينها بحقد
– ولا أنا أريده .. فى كل الأحوال كنت سأجهضه .
سافر بعدها الى بلدته فى البحيرة وبقى مع أمه التى أصبحت وحيده بعد وفاة أبيه وترك عمله فى البنك وأكتفى بالعمل كأجير لجمع المحاصيل فقد كان قد باع كل الأرض التى تركها له والده لكى يصرف ببذخ على زوجته الجميلة .. عمله كان شاقا ويشغله عن التفكير بحياته الفاشله حتى وصلته رسالة من أم علياء تطلب منه أن يذهب ليأخذ أبنته فقد تزوجت علياء ولم تأخذها معها وبحسبه بسيطه خمن أن عمر طفلته كان ستة أشهر فشعر بالغضب الشديد ولم يرد على الرساله وبعد أيام ماتت أمه فباع البيت وانتقل الى وادى النطرون وأجر حجرة صغيرة وعمل مؤقتا فى جنى ثمار الزيتون وعندما عرف صاحب المزرعة أنه كان يعمل محاسبا فى بنك طلب منه أن يعمل لديه فى المعصرة كمحاسب وكانت فى ذلك الوقت معصرة صغيرة بها آلات بدائيه على عكس ما هى عليه الأن وتعرف على أبنة صاحب العمل وكانت فتاة قليلة الجمال عليلة الصحه وتقدم لخطبتها فهى على عكس ما كانت عليه زوجته السابقة ليس لديها جمالا تغتر به ولن يطمع فيها رجال غيره وكانت طيبة ومطيعة وسيكون سيدها ورجلها الوحيد وذو قيمة فى نظرها .. حذره والدها بأن صحتها قد لا تتحمل الأنجاب فأخبره أنه لا يريد أبناءا ويكفيه أن تكون معه وكان لديه شرط ليبارك زواجهما أن يقيما فى منزل المزرعه حتى يكون هناك من يعتنى بها ويراقب صحتها فقبل بذلك ولم يعترض ومع مرور السنين أستطاعت زوجته بطيبة قلبها وبحنانها الجارف الذى غمرته به أن تنقيه وتطهره من السموم التى غرستها علياء بداخله وعرف الجمال الحقيقى الذى ينبع من داخل الأنسان .. الحب الأخلاص والمرؤة ونكران الذات .. مرت السنوات وهو راضى كل الرضى عن حاله ولكن ظهور أبنته .. تلك النسخه المكرره من أمها كان وكأن الماضى لم يمضى كما كان يظن وجراحة كانت ومازالت تنزف .. وكل همه الأن أن يتخلص منها ويعطيها ما تريد لتختفى من حياته وينسى وجودها تماما .فيلا بالعجمى ( الأسكندرية )
هبط الليل وأنيرت الأضواء فى الفيلا والحديقة التى تحيط بها الأسوار والأشجار العاليه .. كان هناك حوالى العشرين فردا من بينهم وجوه جديدة تراهم مرام لأول مرة ولم تشعر بالأرتياح لوجودهم .. ليست أول مرة تحضر الى هنا مع أصدقاءها لقضاء اليوم فالفيلا لأحد أصدقاءهم ولكن بعض الوجوه الجديدة كانت تثير الريبة بداخلها فمالت على أذن صديقتها ميمي وهما جالستان على الشرفه المسقوفة وسألتها
– هل لاحظت هؤلاء الفتيات هناك .
ضحكت ميمي وهى تنظر الى خمسة فتيات جالسات فى حجرة الصالون التى تطل على الشرفه وهى ترد
– نعم .. سامح هو من أحضرهن .
سامح هو صاحب الفيلا فقالت مرام بضيق وهى تتأمل هؤلاء الفتيات بملابسهن الرخيصة والغير محتشمة والتى تدل على نوعيتهن
– لن أبقى طويلا اذن .. سأنتظر حتى أرى فودة ثم أذهب .
– لا تكونى مملة .. لقد أحضرهن للتسلية .. سيرقصن فقط .
نظرت اليها ساخرة قائلة
– يرقصن فقط ؟
وقفت مرام وتركت ميمي وحدها وذهبت للبحث عن فودة .. ووجدته فى المطبخ يجلس أمام المنضده الخشبية وأمامه زجاجة بيرة قد تجرع نصفها وعندما رآها أشار لها
– تعالى يا مرام لدي شئ لك .
أخرج ورقة ملفوفة من جيب قميصه وفضها أمامه على الطاولة فقالت مرام بجفاء وهى تجلس على المقعد المواجه له
– تعرف أننى لا أتعاطى الكوكايين .
هز كتفيه بلامبالاة ثم أخرج كارت الفيزا من محفظته وراح يقسم به المسحوق الأبيض الى صفوف وهو يقول
– لو جربته مرة لغيرت رأيك .. أنه يجعلك تحلقين فى عالم آخر .
قالت ساخرة
– معك حق .. لو جربته مرة لما تركته أبدا وأصبحت مدمنة مثيرة للشفقه مثلك .
ضحك بشده وقد أخذ ورقة فى ذلك الوقت وطواها كأنبوب وراقبته مرام بأسف وهو يسحب المخدر من فتحتى أنفه وبعد أن أنتهى أرجع رأسه الى الخلف مغلقا عينيه للحظات , سألته
– هل معك سيجارة ؟
دعك أنفه بقوة ونظر اليها بعينان حمراوان
– سادة أم محشوة ؟
– محشوة .
تناول علبة سجائرة وأنتقى منها واحدة تبدو مصنوعة يدويا وقال مبتسما
– ومن أجود الأنواع .
قالت ساخرة وهى تأخذها منه
– كثرة المال أفسدتك .
رد عليها ضاحكا بخبث
– وهل قلة المال لم تفسدك ؟
قالت ضاحكة بمرح
– معك حق .
سألها وهو يراقبها تنفث دخان سيجارتها بأستمتاع
– ماذا فعلت مع والدك ؟
تغضن وجهها بعبوس وقالت
– أتصل بى بالأمس .. قال أنه أستطاع تدبير المال الذى سيشترى لى به شقه .
– ومصاريفك ؟
– طلب منى أن أمهله بعض الوقت حتى يدبر مبلغ آخر .
– الأباء سيئون .
– والأمهات أيضا كذلك .
قال فودة عابسا
– أمى ليست سيئه تماما .. هى طيبة وساذجة .. يخونها أبى طوال الوقت مع قاذورات من نوعه وهى لا تنتبه له .. تعرفين أننى رأيته فى بيتنا بالساحل مع صديقة أمى المقربه ؟
شهقت مرام بذهول ثم أنفجرت ضاحكة
– هل أنت جاد ؟
ضحك بدوره بشدة
– نعم .. ذهبت الى هناك مع فتاة ألتقطها من على الطريق ولك أن تتخيلى الموقف عندما فتحت باب الشالية لأرى أبى الرجل المحترم وهو عاريا تماما ويرقص كالعاهرات ومعه السيدة المحترمة والتى كنت أناديها بخالتي ترتدى بذلة رقص مبتذلة .
وأستمرا فى الضحك بجنون حتى سالت الدموع من عيونهما ثم ألحت عليه لتعرف
– أخبرنى .. أخبرنى ماذا فعل حينها ؟
– نهرنى بشده لأننى أتيت دون أن أستأذن منه بالسفر .. وسألنى عن الفتاة التى كانت معى وماذا جئت أفعل بها … هذا الوقح .
ثم تجهم وجهه فجأة وكف عن الضحك بعد أن سحب نفسا عميقا وهو يتابع بكره وألم
– كنت أعرف أن له علاقات بنساء أخريات .. ولكن رؤيته فى تلك الحالة كانت .. مقززة .. كرهته فوق ما تتصورين .. لو أنه قتل أمامي ومزق لأشلاء لما أطفئ ذلك النار التى كانت تشتعل بداخلى وقتها .
أبتسمت مرام بسخريه مريره
– أباء سيئون .. أمهات سيئات .. وصديقات خائنات .
دخلت ميمي فى تلك اللحظة ولاحظت وجوههم الكئيبة
– ماذا بكما ؟
قالت لها مرام ضاحكة بعبث
– تعالى أنضمى الينا فى نادى ضحايا الوالدين .
جلست ميمي وسحبت السيجارة من يد مرام وهى تقول
– أنا لا أشتكى .. يعيش والدي فى الخليج ليعملا كالبهائم ويرسلان لى ولأختى كل ما نطلبه .. المال والحرية بلا حدود .. فلماذا أتذمر من عدم وجودهما ؟ ما قيمتهما فى الحياة بالنسبه لنا ؟ .. حتى أننا لا نطيق الأجازة التى نقضيها بصحبتهما .
سحبت نفسا طويلا من السيجارة وزفرته ثم نظرت الى مرام وقالت
– كان معك حق .. هؤلاء الفتيات جاؤا لغرض آخر .. لن أبقى أنا أيضا .
أستفسر فودة عن الأمر فأطلعته مرام على أمر الفتيات اللاتى جاء سامح بهن فهب واقفا بحماس
– ستكون ليله بألف ليله .
وخرج من المطبخ وهو يرقص فنظرت مرام الى ميمي وسألتها
– هل أنت على ما يرام؟
أبتسمت ميمي بمرارة
– ولماذا لا أكون ؟ .. كان خطأى لأننى فرطت فى نفسى ورخصت من قدرى .. لن ينظر سامح الي على أننى فتاة تستحق أن تكون زوجة له .
مطت مرام شفتها السفلى بأزدراء
– من يظن نفسه .. هو ليس أكثر من داعر حقير .. وقبل أن يحاسبك فليحاسب نفسه أولا .
دمعت عينا ميمي وهى ترد بأنكسار
– ولكن هو رجل .. لن يحاسبه أحد .. ليتنى أستمعت لنصيحتك ولم أترك جسدى له .