رواية عشق يحيي الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم سلمي جاد
رواية عشق يحيي الفصل الثامن والعشرون 28
البارت 28
يحيى لما ملقاش رد، اتجنن تماماً.. رجع خطوتين لورا وهجم بكتفه بكل قوته على الباب الخشب المتين. أول مرة الباب مهتزش، تاني مرة صرخ صرخة مكتومة وضرب الباب برجله في القفل، لحد ما الباب انكسر واتفتح بقوة خبطت في الحيطة.
يحيى دخل الحمام وخطواته اتسمرت مكانه.. النفس هرب من صدره والمنظر خلاه يتصنم في مكانه لثواني كأنها سنين. ليلى كانت واقعة في البانيو، جسمها مرخي تماماً، وراسها مايلة على حرف الرخام بوضعية تقطع القلب.
الدم كان بيسيل بغزارة، خيط أحمر طويل وواضح نازل من راسها وماشي على حرف البانيو لحد ما لّون المية والصابون تحتها. البرنس الأبيض اللي كانت لابساه اتلطخ بلون الدم القاني في مشهد مرعب، وهي كانت غايبة عن الوعي تماماً، وشها شاحب زي الورق.
“ليلى!!!”
صرخ باسمها بصوت مخنوق وجري عليها.. وقع على ركبه جنب البانيو وإيديه بترتعش وهو بيحاول يلمسها. حط صباعين على رقبتها وهو كاتم نفسه، وأول ما حس بنبضها الضعيف تحت صوابعه، غمض عينه وطلع تنهيدة وجع ممزوجة بالراحة
شال راسها من على الرخام وحطها على صدره بكل رقة، والدم لّون قميصه هو كمان. رفعها من البانيو بخفة وشالها بين إيديه، وفي اللحظة دي ذكريات يوم ما وقعت من على السلم هاجمت عقله بقوة.. نفس الوجع، نفس العجز، ونفس الخوف من إنه يفقدها.
خرج بيها من الحمام ونزلها على السرير بسرعة، جاب قماشة نضيفة وربط بيها راسها وضغط على الجرح عشان يوقف النزيف اللي مش راضي يقف.
“مش هتمشي يا ليلى.. مش هسيبك تضيعي مني تاني.”
دور على موبايله بإيد بترتعش واتصل بدكتور صاحبه ساكن قريب من القصر
قفل المكالمة اللي مستمرتش ثواني فهم الدكتور الوضع بسرعه .. وبص لليلى بوجع، لمح البرنس الي لابساه واللي كان قصير لفوق ركبتها، بص بغيره غصب عنه ،وبسرعه سحب اللحاف وغطاها بسرعة وهو بيمسح دموعه اللي نزلت غصب عنه. دور بعنيه لحد ما لمح حجابها محطوط على الكرسي، خده ولفه حوالين راسها فوق الرباط عشان يداري المنظر ويهيأها لدخول الدكتور، وهو بيبص بأسى لبقع الدم اللي بدأت تظهر وتكبر فوق القماشة اللي ربطها.
عشر دقايق مروا عليه كأنهم دهر، لحد ما سمع صوت خبط سريع وخطوات بره الجناح. فتح الباب ولقى الدكتور ومعاه منال اللي كانت وشها أصفر من الخوف.
“في إيه يا يحيى؟ ليلى حصلها إيه يا ابني؟ ليه طالب دكتور لجناحكم؟”
يحيى رد بصوت مجهد وهو بيدخل الدكتور: “وقعت في الحمام يا ماما.. أغمى عليها وراسها اتفتحت.”
منال لطمت على صدرها بخوف: “يا لهوي! يا رب استرها.. يا رب احميها هي واللي في بطنها.”
الدكتور بدأ يفحص ليلى بدقة، ويحيى واقف فوق راسه عينه مش بتنزل من عليها، كأنه بيحاول يديها من روحه عشان تفوق.
بعد فترة، الدكتور لم أدواته وبص ليحيى اللي كان هيتجنن من القلق:
“خير يا دكتور؟ طمني!”
الدكتور: “الحمد لله يا يحيى بيه، هي حالة إغماء نتيجة الصدمة والخبطة. الجرح كان محتاج تدخل فوري، فخيطت لها تلات غرز. الوقعة كانت جامدة شوية بس الحمد لله مفيش ارتجاج.. أنا عطيتها مخدر بسيط عشان ترتاح، وهتفوق كمان شوية أو ممكن على بكره الصبح.”
يحيى بدأ يحكي للدكتور تاريخ حالتها: “يا دكتور ليلى أصلاً فاقدة البصر بسبب جلطة في مراكز الإبصار ناتجة عن وقعة قديمة.. هل الخبطة دي ممكن تأثر عليها؟”
الدكتور سمع منه وطلب الأشعات القديمة اللي يحيى جابها له بسرعه، وهز راسه بتفكير عميق وقال جملة خلت قلب يحيى يدق بأمل جديد:
“بص يا يحيى بيه.. الطب فيه معجزات. أحياناً الصدمة العصبية أو الخبطة القوية في نفس المكان ممكن تعمل تحفيز للأعصاب أو تفك التجلط ده بشكل مفاجئ. الوقعة دي كانت حافز كبير جداً للجهاز العصبي.. أنا مش عايز أديك أمل كاذب، بس وارد جداً لما تفوق تلاقي فيه تغيير في حالتها. خلينا نستنى ونشوف.”
يحيى ودع الدكتور وهو حاسس إن جواه صراع بين الخوف عليها من الجرح، وبين أمل ضعيف إنها تشوف النور تاني. قعد جنبها ومسك إيدها ،منتظرها تفوق وقلبه يطمن، حتى لو كلام الدكتور محصلش يكفي إنه يشوفها بخير .
_______________________________
الشمس بدأت تتسلل من بين ستائر الجناح، بخيوط ذهبية هادئة بتعلن عن بداية يوم مختلف تماماً في حياتها. يحيى كان لسه ساند ضهره، فارد جسمه بتعب، وليلى نايمة فوق صدره زي ما تكون بتستمد منه الحياة؛ إيده كانت تحت راسها بمنتهى الحذر، بيتجنب يلمس الجرح اللي متخيط ومغطى بالشاش الطبي، وعيونه الذبلانة من سهر الليل كله كانت بتراقب ملامحها بحب
ليلى بدأت تتحرك بسيط، وأنة ألم خفيفة طلعت من بين شفايفها بسبب الجرح في راسها. فتحت عينيها براحة، وجواها الاستسلام المعتاد للظلام اللي بقاله شهور مالي حياتها.. لكن المرة دي، حصل حاجة غريبة.
السواد الفحمي اللي كان بيغطي رؤيتها بدأ يتكسر؛ في الأول شافت زي نغزة نور بيضا في وسط الضلمة، ثواني وبدأ النور ده يتسع زي بقعة حبر بتنتشر في مية صافية. السواد بدأ يتحول لرمادي ضبابي، وفجأة، بدأت تلمح خيالات مهزوزة.. ستارة بتتحرك، سقف النجف، ألوان باهتة بدأت تظهر وتتحدد.
الرؤية بدأت توضح أكتر، التفاصيل بدأت تترسم قدام عينيها زي لوحة بتكمل ألوانها؛ وفجأة، شعاع شمس خبط في عينيها مباشرة، غمضت بقوة وهي مش مستوعبة، ضربات قلبها زادت لدرجة إنها حست بصوتها في ودانها، بلعت ريقها بصعوبة ورجعت فتحت عينيها …
اتضحت الرؤية تماماً.. هي في جناحها، السرير، الألوان، عفش الأوضة اللي كانت بتحفظ مكانه باللمس دلوقتي شايفاه بعينيها! لفت راسها ببطء للي نايمة على صدره، ودموعها نزلت بشلالات من الفرحة أول ما شافته.. يحيى!
شافته بتفاصيله اللي وحشتها؛ قميصه المكرمش، دقنه الخفيفة اللي بتعشقها ، إيده القوية المحاوطة وسطها وكأنها بتقول “أنتي ملكي”. شهقت بشهقة مكتومة وهي بتفتكر وقعة الحمام، والخبطة، والدم.. معقول الوجع كان هو تمن النور؟ معقول ربنا استجاب؟
يحيى فاق فجأة على صوت نفسها العالي اللي بيخبط في رقبته، قام بخضة وعيونه بتدور عليها: “ليلى! حبيبتي أنتي فوقتي؟ حاسة بألم؟ الجرح بيوجعك؟”
ليلى مكنتش بترد، كانت بس بتبص في عيونه بتركيز، بتشرب ملامحه بعينيها اللي وحشها يشوفها. يحيى بدأ يتوتر من نظراتها، لاحظ إن بؤبؤ عينها مش ثابت زي الأول، ده بيتحرك معاه، وبيلمع بلمعة حياة مش طبيعية. بلع ريقه وقال بصوت مهزوز:
“ليلى.. أنتي كويسة؟ ردي عليا يا قلبي.”
هزت راسها بفرحة هستيرية والدموع مغرقة وشها، يحيى استغرب وسألها بخوف: “أومال بتعيطي ليه بس؟ في إيه تعبانة؟”
الصدمة شلته لما لقاها رفعت إيدها ولمست خده بتمكن، ومشت صوابعها على ملامحه وقالت بصوت ملهوف:
“وحشتني أوي يا حبيبي.. وحشتني ملامحك أوي يا يحيى.”
يحيى اتجمد مكانه، الكلمة هزت كيانه، صوته طلع يرتعش بالأمل وهو بيفتكر كلام الدكتور: “ليلى.. أنتي.. أنتي شايفاني؟”
قاطعته وهي بتهز راسها بـ “آه” قوية وفرحانة. في لحظة، يحيى سحبها لحضنه بقوة لدرجة إنه كان هيخبيها جوه ضلوعه، وصوته طالع مخنوق من كتر الفرحة:
“الحمد لله.. الحمد لله يا رب! الحمد لله حمداً كثيراً طيباً يملأ السماوات والأرض.. كنت حاسس، والله العظيم من أول ما فتحتي عينيكي وأنا حاسس إن عيونك رجعت لها الروح تاني.”
خرجها من حضنه ومسك وشها بين إيديه، المسافة بينهم كانت سنتيمترات، وقال وهو بيبتسم لدرجة إن سنانه ظهرت بوضوح: “أنا بموت من الفرحة يا قلب يحيى، مش مصدق إن النور رجع لحياتنا من تاني.”
لكنه فجأة سكت، ملامحه اتحولت للجدية الصارمة، ونبرة صوته اتغيرت وهو بيبص في عينيها بقوة:
“بس لازم محدش يعرف يا ليلى.. لازم محدش في القصر ده يعرف إنك رجعتي تشوفي.”
ليلى ضيقت حواجبها باستغراب: “ليه يا يحيى؟ أنا عايزة أفرح الكل، بابا ومنال وعائشة. ووو “
يحيى مسك إيديها وقال بهدوء مخيف: “لازم تمثلي إنك لسه مش شايفه.. عشان الحية اللي حاولت تموتك وتموت ابننا تقع في شر أعمالها.”
وبدأ يحكي لها كل حاجة؛ وعن خطته ورسايل التهديد اللي بيبعتها هو وزين لميادة.
ليلى كانت بتسمع وعينيها بتوسع من الصدمة، الغضب بدأ يحل محل الفرحة، وإيدها بدأت تترعش وهي بتفتكر إن عمتها – اللي من دمها – كانت السبب في كل العذاب والضلمة اللي عاشتها
________________________________
الهدوء كان لافف الجناح كله، مفيش غير صوت تكتكة صوابع عمر على الكيبورد وهو مركز جداً في تصميم هندسي بيخلصه. عائشة كانت في الحمام، والمكان كان ساكت تماماً لحد ما الصوت ده كسره رنة إشعار رسالة من موبايل عائشة اللي كان مرمي على الكومود.
عمر في الأول مهتمش، كمل شغله وهو بيحاول ميفصلش تركيزه، بس الموبايل مسكتش.. رنة ورا التانية ورا التالتة، وكأن فيه حد مستني اللحظة دي عشان يفتح فتيل رسايل مبيخلصش. عمر استغرب، مد إيده وخد الموبايل بفضول ممزوج بقلق، وبما إن عائشة قلبها أبيض ودايماً بتنسى الباسورد فمش عاملة قفل للموبايل، الشاشة نورت وكشفت كل حاجة قدام عينيه.
نفس عمر بدأ يعلى وضربات قلبه زادت بغضب مكتوم وهو بيقرأ الكلام اللي مكتوب:
“هاي يا عائشة.. أنا أحمد اللي اتكلمنا في السنتر.. كنت بعرفك إني عملت حسابك في ملزمة المراجعة بتاعت العربي.. أنا عارف إنك هتحتاجيها عشان تلحقي الشرح من أوله لأنك مبدأتيش معانا من أول السنة.. هبقى أعطيهالك لما نتقابل في السنتر.”
عمر حس بنار بتولع في صدره. خرج من الشات بآلية وفتح صورة الرقم، وهنا كانت الصدمة.. قدامه صورة شاب في مقتبل العمر، وسيم جداً بملامح أوروبية؛ عيون خضرا وشعر بني فاتح، ولابس لبس شبابي روش أوي يليق بسنه اللي ميتعداش سن عائشة بكتير.
لأول مرة عمر الصياد، الراجل اللي هيبته بتهز أي حد ، يحس إنه بيقارن نفسه بحد تاني. أول مره ياخد باله من فرق السن اللي بينهم ، عائشة مجرد بنت مراهقه لسه مجابتش العشرين سنه د لكن هو راجل على مشارف التلاتين، وبدأت يطرح أسئلة شك في عقله : “يا ترى عائشة لفت نظرها الولد ده ؟ هل هي مضايقة من فرق السن اللي بيني وبينها وهل وهل وهل ؟”
قفل الموبايل وحطه مكانه بسرعة لما سمع صوت باب الحمام بيتفتح. رجع بص للابتوب ومثل إنه غرقان في الشغل، بس كان بيمثل ببراعة لأن عقله كان في مكان تاني خالص.
عائشة خرجت وهي بتنشف شعرها وراحت ناحية المكتب، لاحظت إنه باصص للشاشة بجمود ومن غير ما يتكلم، سألته برقة:
“فيه حاجة يا حبيبي؟ مالك ساكت كدة ليه؟”
عمر من غير ما يرفع عينه، رد بنبرة جافة وهادية زيادة عن اللزوم:
“مفيش..
ورجع بنظره على الابتوب كإنه بيشتغل لكن مازالت الأفكار في باله …
_______________________________
في شركة الريان، ساد الصمت للحظات قبل ما ريان يقفل اللاب توب بتاعه بهدوء، وكأنه بياخد قرار مصيري. بص لـ “لينا” اللي كانت غرقانة وسط أوراقها وشغلها، بدون أي مقدمات، نطق ريان بصوته الرزين:
“لينا.. إيه رأيك فرحنا يبقى الأسبوع الجاي؟”
لينا اتصنمت مكانها، صوابعها اتجمدت على الكيبورد، ورفعت راسها ببطء وهي مش مصدقة اللي سمعته، عينيها وسعت بصدمة وقالت بذهول:
“أنت بتهزر صح؟ ريان أكيد بتهزر!”
ريان سند ضهره لورا وقال بجدية تامة:
“أنا مش بهزر يا لينا.. الفيلا خلاص جاهزة من كل شيء، وأنتي عارفة إن اللي أخر الموضوع ده هو إني كنت سايبك تبعتي لمهندسين الديكور وتغيري في كل تفصيلة على مزاجك، ودلوقتي مفيش أي حجّة تانية.”
لينا قامت من مكانها بارتباك واضح، وبدأت تمشي في المكتب وهي بتفرك إيديها:
“مستحيل يا ريان! الأسبوع الجاي إزاي؟ إحنا محجزناش قاعة، ولا شوفت فستان، ولا اتفقت مع ميكب أرتيست، ده غير المعازيم والترتيبات.. أنت بتتكلم في أسبوع!”
ريان قام من ورا مكتبه وقرب منها، قعد جنبها على نفس الكنبة ومسك إيدها عشان يهديها، وقال بهدوء:
“كل ده مقدور عليه يا لينا.. من بكرة هننزل نختار الفستان، وأنا هحجزلك مع أشطر ميكب أرتيست في مصر، وأي قاعة تشاوري عليها هتكون محجوزة ليكي في ثانية، والمعازيم تليفون واحد يجمع الكل.”
سكت ريان لحظة، وعينه لمعت بنظرة عتاب خفيفة وكمل:
“ولا أنتي اللي حاسة إن مشاعرك ليا لسه مش كفاية عشان نتجوز ونبقى في بيت واحد؟”
لينا هزت راسها بارتباك حقيقي، الخطوة كانت مفاجئة وسريعة جداً عليها، ردت بتوتر:
“إيه اللي بتقوله ده يا ريان؟ أنا واثقة في مشاعري ليك مية في المية، وعمري ما شكيت في حبي ليك.. أنا بس ارتبكت من السرعة، أنت فعلاً بتتكلم بجد؟”
ريان قام وقف بضيق، وظهرت على وشه جدية غريبة أول مرة تشوفها، وقال بنبرة حاسمة:
“لينا.. أنا قولت اللي عندي، وأنتي واثقة إني أقدر أخلص كل الترتيبات دي في يوم واحد مش أسبوع. إحنا من أول ما اتخطبنا والفيلا كانت جاهزة، وأنا حبيت إنك تفرشيها على ذوقك عشان ده المكان اللي هتعيشي فيه وتكوني مرتاحة.. أنا هسيبك لحد بكرة تفكري، ولو وافقتِ هكلم جدك ونبدأ التجهيزات فوراً.”
سابها ريان ومشي ببرود أربك حساباتها أكتر، وساب لينا قاعدة في المكتب لوحدها، محتارة بين فرحتها إنها أخيراً هتكون معاه، وبين خوفها من المسؤولية والسرعة اللي ريان عايز يفرضها بيها.
_________________________________
على الغدا
السفرة كانت عبارة عن لوحة مرسومة بالتوتر، كل واحد قاعد وجواه عالم تاني خالص. لينا بتقلب في طبقها وسرحانة في كلام ريان، وقلبها بيدق ما بين الفرحة والخوف من السرعة دي. وقصادها عمر، اللي كان قاعد ببرود غريب وهدوء يسبق العاصفة؛ لأول مرة يحس إن الكرسي اللي قاعد عليه واسع، وإن “عائشة” اللي جنبه دي لسه يدوب بتفتح عينيها على الدنيا، وهو خلاص على مشارف التلاتين.. “يا ترى يا عائشة بتشوفي فيا الراجل اللي بتميلي له، ولا شايفة فيا (أبيه عمر) اللي سادد عليكي الطريق؟”.
أما ميادة، فكانت في عالم تاني تماماً؛ السواد اللي تحت عينيها بيحكي قصة الرعب اللي عاشتها طول الليل بسبب رسايل التهديد، إيدها كانت بتترعش وهي ماسكة الشوكة، وكأنها مستنية القلم جيلها من أي ناحية.
وسط الصمت ده، ظهر يحيى وهو نازل من على السلم وشايل ليلى بين إيديه بحرص شديد، وكأنها قطعة ألماس خايف عليها تخدش. يحيى مال على ودن ليلى وهمس بصوت واطي جداً:
“اهدي بقى.. وبطلي تبصي حواليكي يمين وشمال كدة زي اللي قاتل قتيل! خليكي طبيعية وباصة لتحت زي ما انتي متعودة.”
ليلى ردت عليه بهمس مرتبك وهي متبتة في قميصه:
“يحيى، أنا حاسة إني مش هعرف أمثل.. قلبي هيقف، وبخاف نظراتي تفضحني أول ما أشوف حد.”
يحيى شدد على ضمتها وقال بصرامة حنينة: “لا بالله عليكي ركزي.. مفيش نملة في القصر تعرف إنك رجعتي تشوفي، الخطوبة اللي جاية دي لازم تكون نهايتهم، مش عايز أي غلطة لحد ما أتصرف مع ميادة.”
وصل يحيى السفرة، ونزل ليلى برفق على الكرسي وقعد جنبها، ومسك إيدها من تحت الترابيزة يطمنها. أول ما عائشة شافت الشاش اللي على راس ليلى، شهقت بخوف:
“مالك يا ليلى؟ رابطة دماغك كدة ليه؟ أنتي كويسة؟”
يحيى رد بسرعة قبل ما ليلى تنطق: “اتزحلقت في الحمام يا عائشة وعورت راسها، جرح بسيط بس كان لازم نغطيه.. محبناش نقلق حد بالليل.”
الجد خبط بالعصاية بتاعته في الأرض بضيق: “كدة يا يحيى؟ يعني إيه محبتش تقلق حد؟ هو أنت عايش لوحدك !” وبص لليلى بحنان: “أنتي كويسة يا قلب جدك؟”
ليلى نزلت عينيها في الأرض بسرعة زي ما يحيى نبهها، وقالت بصوت واطي: “الحمد لله يا جدي.. والله أنا كويسة، متقلقش عليا.”
منال جت من وراها وحضنتها بحب: “بعد الشر عنك يا حبيبتي، إن شاء الله اللي يكرهوكي يا رب.”
عمر ولينا فاقوا من سرحانهم وقالو في نفس واحد: “ألف سلامة عليكي يا ليلى.”
ليلى، بدافع الفضول والرغبة في التأكد، رفعت عينيها بتوتر وبصت للي قاعدة قصادها بالظبط.. ميادة. لأول مرة ليلى تشو” ملامح عمتها بوضوح وهي مش عاملة حسابها؛ شافت نظرة الكره الصريحة، والحقد اللي مالي عينيها، والغل اللي كان مرسوم في تجاعيد وشها وهي بتبص لليلى.
ليلى اتنفست بسرعة ونزلت عينيها تاني وهي بتترعش، يحيى حس برعشة إيدها، فضغط عليها بقوة وطمنها بنظرة خاطفة قبل ما يبص لميادة ببرود وقال:
“مش هتسلمي على ليلى يا عمتي؟ ولا لسه مسمعتيش إنها تعبت؟”
ميادة اتنفضت من مكانها وقالت بلجلجة: “ها؟ لا طبعاً.. ألف سلامة يا حبيبتي، عين وصابتكم والله.”
_________________________________
بعد الغدا
ميادة دخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح وهي بتنهج، إيدها كانت بتترعش وهي بتطلع الموبايل وضغطت على الرقم اللي بعتلها الرسايل. ثواني والخط اتفتح، وجالها صوت خشن وقوي، صوت زين اللي كان مجهز نفسه للدور ده:
“أهلاً أهلاً يا ميادة هانم.. ها، فكرتي ولا لسه؟”
ميادة بصوت مكتوم من الخوف: “أنت مين؟ وعايز مني إيه؟”
رد زين ببرود يقبض القلب: “أنا واحد عايز يفضحك، بس قولت أديكي فرصة.. لو مش عايزة اللي حصل يوم الخطوبة يوصل للعيلة، وبالأخص يحيى الصياد، يبقى تسمعيني كويس.”
ميادة عينيها جحظت برعب حقيقي، وتخيلت للحظة منظر يحيى وهو بيواجهها باللي عملته، يحيى اللي مبيعرفش الرحمة لو حد قرب من “ليلى”. قالت بصوت مبحوح:
” لا لا، أرجوك ، متقولش حاجة ليحيى ،قولي انت عايز ايه ؟
زين بضحكة سخرية: “مليون جنيه.. وأختفي من حياتك خالص.”
ميادة صرخت بهمس: “مليون جنيه؟! وأنا أجيبلك المبلغ ده منين؟”
رد زين بنبرة حادة: “ميادة هانم، أنتي من عيلة الصياد، أكبر عيلة في القاهرة.. معقولة مبلغ زي ده هيكون صعب عليكي؟”
ميادة بتوتر وعرق بارد نازل على وشها: “ولو.. ولو معرفتش أدبر المبلغ، هتعمل إيه؟”
زين: “وقتها هتشوفي بنفسك.. وأظن المليون جنيه أهون بكتير من اللي يحيى هيعمله فيكي ،أو رد فعل ولادك لو عرفوا قذارة أمهم.
ميادة برعب وخوف : أرجوك بلاش ولادي.. أنا هموت لو عرفوا حاجة، اديني بس وقت وأنا هجهزلك المبلغ اللي انت عايزه .
وقت مين يا حلوة ..قدامك تلات أيام بالظبط، وهكلمك أقولك نتقابل فين.. سلام يا مدام.”
قفل السكة في وشها ومداهاش فرصة تنطق حرف. ميادة رمت الموبايل على الأرض كأنه جمرة نار، وحطت راسها بين إيديها وهي بتعيط برعب وهستيرية: “يا رب أعمل إيه؟ يحيى لو عرف هيدبحني.. وولادي هيكرهوني أكتر ماهم بيكرهوني .”
وسط الحالة دي، مخدتش بالها إن باب الأوضة كان موارب بسيط، وإن فيه شخص واقف ورا الباب وسامع المكالمة من بدايتها لنهايتها بصدمة مكنش يتخيلها.
عمر كان واقف، ملامحه متجمدة، وهو باصص لها بنظرة استغراب وشك :
“ياترى إيه اللي مش عايزانا نعرفه يا ماما؟ وإيه السر اللي أنتي مرعوبة إن يحيى يعرفه للدرجة دي؟”
#رواية_عشق_يحيى
#الكاتبة_سلمي_جاد
استنوا فصل بكرة عشان هيحصل ضرب نار 🔥🤫
دمتم سالمين أحبابي وأشوفكم على خير الفصل الجاي 😙❤️
🍉Salma Gad 🖋️
يتبع
الرواية كامله من( هنا )
