رواية عديل الروح الفصل الثامن 8 بقلم الكاتبة ام حمدة – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية عديل الروح الفصل الثامن 8 بقلم الكاتبة ام حمدة

الفصل الثامن – عديل الروح – بقلمي \ ام حمدة
************
خفقات تدوي كضرب حوافر الحصان على الأرض، يشعر بها تكاد تخترق أضلاعه، ما هذا؟؟.. لما يشعر بصدره يكاد يكتم أنفاسه؟؟.. وروحه تتعلق برمقها جاهدة بأن لا تترك جسده وتهفوا إليها؟؟… إحساس صاعق بالخسارة بأن شيء ما قد فقد من جسده، هو لا يعرف ما يحدث له سوى بأنه لا يريد أن يخسرها… يريد أن يراها تبتسم له، تغضب منه، تفوز عليه… سيتركها طوال عمره تفوز عليه… فقط يريد أن يراها على قيد الحياة.
ينطلق بسيارته كصاروخ حربي يشن هجوم عنيف ويحاور بمهارة جندي ذات خبرة بعلوم خصومة يصارع وحوش وهمية كهيأة سيارات، تتحرك هنا وهناك أبواق تنطلق زاعقة لهذا الأحمق المتهور الذي قطع إشارة ضوئية حمراء يسابق الوقت للوصول للمشفى.
كلمات صديقه تطرق على مسامعه:
” تعرضوا لحادث “
لم يمهله الوقت ليكمل حديثه فقد استل مفاتيح سيارته وانطلق يجري وصديقه يركض خلفه يحاول إيقافه من قيادته للسيارة وهو بهذه الحالة الهائجة، ثم تذكر كلماته التي رددها وهو يقف عند سيارته يهم بفتحها لتتوقف مفاتيحه عن الحركة عندما سأله بعقل مغيب عن مدى خطورة الحادث ليقف صاعقا مما سمعه:
” تعرضوا لحادث سرقة، ويبدوا بأنها عصابة السيارات التي نبحث عنها، ولكن لا نعرف ما حدث لهم بالضبط، فقط وردنا بلاغ بحدوث حالة اعتداء لسيدتين واحدة كبيرة بالسن والأخرى صغيرة بالسن وهذا كل شيء!! “.
عاد ينتبه لقيادته وهو يحاور سيارة توقفت أمامه وكاد أن يصدمها لولا أنه تفادها باللحظة الأخيرة، لعن نفسه بأنه صاحب فكرة الهدية بأن تكون سيارتها حديثة الطراز ومن النوع الفخم.
ضرب مقود السيارة بقوة عدة مرات وهو يلعن…عندما واجهه ازدحام مروري فاضطر لأن يبطئ من سرعته وينتظر دوره بالعبور، لكن صبره لم يسعفه، فقام بالضغط على أحد الأزرار لتنطلق صافرة سيارة المرور لينال مراده وهو يرى السيارات تتحرك مبتعدة عن طريقه لينطلق ضاغطا على دواسة البنزين محرقا إطارات سيارته ومخلفا خلفه بصمة إطاراته.
وصل للمستشفى وركن سيارته أمام البوابة ليتقدم حارس المشفى رافضا وقوفه بهذا المكان المخصص لسيارات الإسعاف، لكن ما إن انتبه لسيارة الشرطة وإلى الرجل الضخم بهيبته وصرامته حتى ابتلع احتجاجه وتركه يدخل بعد أن رمى عليه سلطان أوامره بتحريك السيارة بمكانها.
تقدم بخطوات سريعة وتوقف عند عاملة الاستقبال التي وقفت كالبلهاء فاغرة فاهها أمام هذا الرجل الطاغي الوسامة، فضرب على طاولتها بقبضته ليوقظها من غيبوبة سحره لتنتفض متلعثمة ومتأسفة ليزعق فيها بصوته الأجش:
” هل أنت هنا للعمل أم للتحديق بالناس؟؟ “.
” أنا… أنا “.
تأفف لتأتأتها ثم قال بعد أن ضغط على أسنانه ليتحدث بهدوء نسبي لا يشعر به بتاتا:
” هناك حالة اعتداء حصلت اليوم لامرأتين… أين هما؟؟ “.
” أجل.. أجل سيدي، أنهما في غرفة الكشف في هذا الممر “.
انطلق مسرعا دون أي كلمة شكر، لتجلس بعد مغادرته تزفر أنفاسا من هيبة الرجل ثم عادت تسرح بخيالاتها المستحيلة مع هذا الرجل وهي تهمس:
” محظوظة تلك المرأة التي تكون زوجته “.
هرول للمكان الذي حددته العاملة ثم توقف جامدا بمكانه وهو يرى رجل لم يتوقع رؤيته من جديد، شعر بأنفاسه تضيق، ونار تشتعل بأحشائه، إحساس غريب طفا بداخله.
لم يعتقد أبدا أن تجول بداخله الرغبة بالقتل سوى بعد رؤيته لهذا الرجل الذي يقف أمامه الآن ويبتسم بهدوء، أراد أن يمسحها كما يريد محوه من الوجود، اقترب منه وتحدث معه بهدوء بعكس العواصف التي تعبث بداخله.
” ماذا تفعل هنا؟؟ “.
” أنا أعمل هنا، هل نسيت سيد سلطان؟!! “.
” أجل أعرف بأنك طبيب، لكن ماذا تفعل هنا بداخل هذه الغرفة؟؟ “.
رفع الدكتور عمر حاجبيه بتعجب وقال ومازال مستغربا سؤاله:
” يوجد مريض بالداخل وأنا أقوم بعلاجه، ما الغريب بالأمر؟؟ “.
” أجل صحيح… “.
قاطعه الطبيب دون أن ينتبه لما ألم بسلطان لرؤيته بهذا المكان بالذات، بمكان تواجد مريم
” لا بد وأنك قد جئت لرؤية جدتك ومريم؟؟ “.
رفع حاجبه مستنكرا قوله اسمها بسهولة دون أي لقب.
واصطكت أسنانه بغيظ منه وتحدث بكره للرجل الواقف أمامه.
” أجل جئت لرؤيتهم “.
” انهم…”.
قاطعه سلطان وتحرك دون أن يوليه أي اهتمام ليدفع باب الغرفة، والدكتور عمر على اثره يمنعه من الدخول فتوقف سلطان مصدوما مما يراه أمامه.
تراجع للخلف بحرج وهو يعتذر بشده لاقتحامه الغرفة دون أن يستأذن.
” اعتذر يا عم عن دخولي فجأة “.
” لا عليك يا بني، لا بد وأنك تبحث عن أحد ما غال عليك؟؟ “.
” نعم يا عم، تعرضوا لحادث سيارة “.
” شافاهم الله يا ولدي “.
” شكرا يا عم على دعواتك الطيبة، وشافاك الله إن شاء الله، سأتركك الآن لأبحث عنهم مع السلامة “.
خرج سلطان مع الدكتور عمر الذي ينظر إليه بحنقن فبادره سلطان برفع حاجبه ثم أولاه ظهره مغادرا باحثا عن غرفتهما فأوقف إحدى العاملات التي أشارت إليه بأحد الغرف القريبة.
توقف عند الباب وقلبه يطرق بشدة خائف مما سيواجهه أو سيقال عن حالتهم، فما سمعه عن العصابة بأنها تترك خلفها إصابات جسيمة لأصحاب المركبة.
نطق باسم الله ثم طرق الباب وخافقه يدوي بمكانه وخوفا استعر بداخله من الفقد وعيناه تدعوا بالمستحيل برؤيتهم بصحة جيدة، وصله صوتها فأغمض عينيه يستعذب نغماته, وتستطرب أذنيه موسيقاها، دلف للداخل وهو يستعد لما سيراه
فوقف مبهوتا ينظر باهتمام، ينظر بحب، ينظر بلهفة، ليتقدم بخطوات قليلة ويأخذها بأحضانه وهو يردد:
” أنت بخير الحمد الله، الحمد الله “
وعينيه تبحث.. تلتقط … تتابع من تجلس على السرير الآخر بلهفة تجري عليها.. تتفحصها باهتمام… وتحتضنها بلهفة, كانت هي الأخرى تحدق به وترى بعينيه الدفء والحنان وشيء آخر شاهدته بالآونة الأخيرة وبعدها يختفي، ولا تعرف معناه، ولكن لا تهتم سوى برؤيته أمامها يبحث عنها, يسأل عنها، طاقت لاهتمامه…لحضن يحتويها، لكن لمعانها وبريقها الفضي ببنصره يخبرها ويوقظها من سحابة أحلامها، تخبرها بواقعها المر بأنه ليس لها.
أشاحت بوجهها بعد أن تجلت بعينيها نظرة الحزن التقطها قبل أن تنظر للجهة الأخرى، لا يعرف لما تبدل حالها من الشوق إلى الحزن والألم. ابتعد عن جدته ينظر إليها ثم عاد يقبل رأسها وكفيها بحب.
” أنت بخير صحيح؟؟ “.
” أنا بخير يا بني لم يحصل لي شيء فقط ارتفاع بضغط الدم “.
” الحمد الله “.
” ماذا قال الطبيب بعد أن كشف عليك؟؟ “.
” قالت أنا بخير أحتاج فقط للراحة، لكن مريم هي من أصيبت “.
التفتت أنظارهم إليها فتوسعت عيناه بادراك لم ينتبه له سوى الآن، كان وجهها مليء بالكدمات، وشفتيها منتفخة والدماء ظاهرة عليها، ويدها ملفوفة بشاش طبي ومعلقة برقبتها وهذا إن دل على وجود كسر بيدها.
سارت عيناه بكل شبر على جسدها، فغزت حمرة الخجل والغضب على وجنتيها لتحديقه الجريء، فحاولت الاعتدال بجلستها فخرجت آه ألم من حركتها، فجسدها يؤلمها بشدة ومفعول المسكن لم يقم بعمله بعد.
اخترقت آهاتها مسامعه، وجرت بأوردته، لتصل لقلبه وتدوي بداخله، ليشعر بألم فظيع بين أضلاعه، فنبضت أوداجه، وانقبضت أصابعه، فتحرك من مكانه واقترب منها فرفعت رأسها ناحيته وببندقيتها تأملته لتتوسع بعدها بصدمة، فأبدا لم يخطر ببالها بأن تكون ردة فعله مغايرة.
” هل أصاب عقلك عطب ما؟! لما أوقفت السيارة؟؟ ها….تحدثي؟؟ لقد حذرتك وأخبرتك أن لا تتوقفي لأي شخص بالشارع حتى لو كانت امرأة أو طفل، لكن لا أنت مريم العنيدة التي تفعل ما تريده دون أي اعتبار للخطر المحدق لها، أتعرفين!!! لا يهمني أمرك، فأنت حرة بقراراتك لكن جدتي كانت معك بالسيارة، ألم تفكري بها؟؟.. لا بالطبع، لم تفكري سوى بنفسك وبعمل الخير الذي تقومين به، انظري إلى أين أوصلك عنادك؟! كدت أن تموتي وليس لوحدك!! “.
حدقت به بعيون جاحظة لهذا الانفجار الهائل لبركان كان خامدا منذ سنوات ويتحين الفرصة المناسبة ليثور وكانت هي بالواجهة.
سكتت تستمع… نظرت مستسلمة… ودمعت تعترف… ولأول مرة تبكي أمامه. ولأول مرة يرى ألماسات عينيها، ليصمت ويتأمل بريقها وهطولها واحدة تلو الأخرى دون حديث، دون حرف، فقط تلك الدمعات النازلة من مقلتيها تتحدث. اعتصره الندم لصراخه، آلمه قلبه لاتهامها لكن لم يكن يقصد الصراخ، فأمامها يتغير, يتحول لا يستطيع أن يتمالك نفسه فهي تصيبه بالجنون، بالحرارة, بالنار فتحرق أعصابه برعونتها وتمردها.
” سلطان… هل جننت؟؟ “.
صرخت الجدة باسمه، فالتفت يحدجها بنظرات مبهمة استيقظ على صوتها ليرى ما فعلته كلماته بتلك الصغيرة، أعاد رأسه ينظر إليها لكنها أشاحت بوجهها باللحظة التي أراد رؤيتها، فتح فمه يريد التحدث لكن طرقات الباب منعته، فتراجع مجبرا وعندما التفت ناحية جدته وجدها ترميه بنظرات مشتعلة غاضبة وكأنها الآن تريد اختفائه عن الوجود وهذا ما تمناه أيضا.
فتح الباب فأطل من خلفه رجل بلباس الشرطة وما أن رأى سلطان بلباسه العسكري حتى وقف جامدا وأدى التحية العسكرية وتحدث معه بعملية.
” سيدي… جئت كي أكتب تقرير عن الحادث مع الضحيتين؟؟ “.
” نعم… ادخل “.
قالها ببرود عملي، دخل الشرطي وألقى التحية ثم سحب كرسي وجلس يستعد ويجهز أوراق الأسئلة التي سيلقيها، أما سلطان وقف ينظر إليها بنظراته القوية والحادة يحاول اختراقها بعد أن غلفها جو من البرودة والجمود، وهو متكئ على الجدار بتكاسل استفزها.
ألقت عليه نظرات متفحصة بعد أن استجمعت قواها الخائرة ولعنت بداخلها ضعفها وانهزامها، فهي لم تكن تتوقع صراخه بل لم تكن مستعدة بتاتا لكلماته الغاضبة، كانت تأمل وتنتظر كلمات أخرى تشبع عطشها…..أخرست نفسها ونهرتها قائلة لها….
“ماذا كنت تنتظرين؟! كلمات الحب والعشق!! أم كلمات اللهفة والخوف!! استيقظي يا مريم فهو رجل متزوج ولا يرى غيرها، وأنت مجرد شوكة بخاصرته”.
بادلته نظراته بقوة أكبر وشموخ لعلع بعينيها، أبهرته واستفزته بنفس الوقت.
” كيف لها أن تنظر إليه مباشرة دون استحياء أو خجل من فعلتها التي كادت أن تودي بحياتها؟؟.. هل تعتقد بأن حياتها ” رخيصة الثمن “”.
قاطع استهجانه الداخلي سؤال الشرطي ليقف متأهبا ويتحرك من مكانه ويسحب كرسي ويجلس، فبدأ الشرطي يسأل عن أسمائهما وأعمارهما وأين وإلخ…ثم ألقى سؤاله الذي ينتظره سلطان يريد أن يعرف ما حدث
” ماذا حصل؟؟ .. وأين كنتم عندما حصلت عملية السرقة؟؟ “.
حل الصمت بالغرفة ليسمع رنين الهاتف ينطلق من جيب سلطان، فالتقطه ونظر للرقم وشتم بخفوت توقيته الغير مناسب للاتصال.
هدأ الهاتف ليسعل الشرطي ويجلي حنجرته ويعيد السؤال مرة أخرى، لكن الرنين قد عاد ليملئ الغرفة الساكنة، فما كان من سلطان سوى النهوض والخروج وهو يزبد ويتوعد صاحب الرقم، أخذ أنفاسا طويلة ثم أجاب:
” نعم سلمى؟؟ “.
……………..
” يا لك من زوجة محبة سلمى!! فأنت تنازلت واتصلت تسألي عن أحوالي بعد مرور أسبوعين من الخصام؟؟ “.
………………
رفع رأسه ينظر للسماء من نافذة تطل على حديقة المشفى وهو يستمع لصوتها الحاد لأذنيه، وهو يبتسم بتهكم وسخرية من نفسه.
” هذا ما أردته أنت يا سلطان؟؟ هذا اختيارك؟؟ فتذكر كلمات جدته تسأله:
” هل أنت متأكد من أنها الزوجة المناسبة لك؟؟ “.
تنهد بضيق.. ماذا يقول الآن؟؟.. فهو لا يحق له أن يعترض، لقد وافق عليها وهو يعرف عيوبها وارتضى بهذا ليعيش براحة، لكنه كان مخطئ!!.. فالراحة لم يشعر بها معها أبدا، هناك أشياء كثيرة تنقصهما، لا ينكر بأنهما رائعان بالسرير، ولكن تلك الأشياء الأخرى التي تساعد أيضا للعيش بسعادة.
لقد مر على زواجهما عدة أشهر فقط وهو الآن نادم على زواجه منها، لكنه لا يستطيع أن يتركها وينفصلا، فهي ابنة خالته وقد ارتبط معها بعقد يصعب الفكاك به، فسمعتها على المحك إن تطلقت للمرة الثانية.
عاد للواقع وهو يسمعها تناديه، فأطلق أنفاسا ساخنة وهو يقول:
” نعم سلمى… ماذا تريدين؟ لما اتصالك؟؟ “.
سمع ترددها، وقال وقد فهم ما تريد وافترت ابتسامة بجانب شفتيه:
” المال…أنت تريدين المال، أليس كذلك؟ “.
الصمت أجابه فأغمض عينه بإرهاق شعر به ينخر جسده، فجلس على كرسي كان بجانبه ومسح على وجهه وقال:
” سأرسله لك “.
وأغلق الهاتف، وأرجع رأسه للخلف يسنده على الجدار ثم أغمض عينيه بتعب ثواني أو دقائق لم يشعر بها سوى بخروج الشرطي، ففتح عينيه وعقد حاجبيه لهذا الشرطي المهمل.
” كيف انتهى بسرعة من استجوابهم؟؟”
فنهض بسرعة ناحيته، أراد أن يلقنه درسا بكيف يخلص بعمله.
” هل انتهيت من استجوابك؟؟ “.
” نعم سيدي، كتبت أقوالهم وانتهيت من عملي، وسأعود للمركز كي أطبع ما كتبته وأقدم التقرير للمقدم “.
” هل تسخر مني؟؟ “.
تعجب الشرطي من غضب النقيب عليه، ثم ازداد ذهوله من كلماته الأخرى.
” أجل، أي استجواب هذا الذي أنهيته خلال خمس دقائق؟!! “.
فجاوبه دون أن يدرك من شدة عدم استيعابه لهذا القول:
” سيدي… لقد مرت ساعة كاملة وأنا بالداخل!! “.
سكت ينظر للرجل الواقف أمامه بإعياء فتفهم وضعه، من بالداخل هي جدته وابنة عمه وهو يعلم كم هي عائلتهم مترابطة فقال بحسن نية:
” لا عليك سيدي، هما بخير وهذا المهم،والآنسة مريم قاتلت ببسالة، فهي كانت بعشرة رجال، لهذا هما على قيد الحياة فلولا دفاعها عنهم باستماتة لكانوا بموقف آخر “.
سكت الشرطي ولم يعرف بأنه أشعل نارا حارقة بالرجل الذي يقف أمامه، وعلى وجهه علامة استفهام لم ينتبه لها الرجل الآخر وسؤال تردد بداخله
“ماذا حدث هناك؟؟ “.
فقال له بذهن غائب:
” أرسل لي نسخة من التقرير على مكتبي بعد انتهائك من طباعته “.
” نعم سيدي “.غادروا المشفى بعد أن اعترضت الجدة ومريم على بقائهم دون جدوى، فهم بخير ولا يحتاجون للبقاء وتحت إصرارهم رضخت الطبيبة التي عالجتهم بالمغادرة بعد أن كتبت بعض الأدوية وأمرتهم بالراحة التامة.
حل الصمت بالسيارة وكأن على رؤوسهم الطير وكل منهم يدور بفلكه الخاص.
وصلا للمنزل دون أن يشعروا بالطريق فترجل سلطان مساعدا جدته بالنزول وعندما هم بمساعدة مريم بمده كفه ليساعدها، قذفته بنظراتها الحارقة ليتراجع مخفضا كفه لمكانه، فوقفت رغم ألمها تشعر بجسدها كأن شاحنة مرت عليها ودهستها عدة مرات، لكن هي مريم المرأة الحديدية كما قال فهوا من أطلقه عليها عندما كانت طفلة صغيرة في العاشرة، تتذكر ذلك اليوم عندما كانوا بمزرعة الجدة أسرعت تركض لحصانها تريد امتطاءه ولم تنتبه للحفرة أمامها فوقعت وشجت رأسها بجرح عميق ولم تبكي بل ظلت صامدة لم تذرف دمعة واحدة، فأطلق عليها هذا اللقب فهو من أخذهم للمزرعة وشاهد كل ما حدث وعندما زارها بالمشفى اقترب منها وعلى ثغره ابتسامة عابثة وقال:
” أنت المرأة الحديدية التي لا تشعر بالألم “.
ليته يعرف، ليته يشعر, فأنا إنسانة من لحم ودم، أملك من المشاعر كوسع المحيط، وأحاسيس بعمق البحر، لكنه لم يرى ولم ينظر لعيني الدامعة، ولا لقلبي المنكسر من كلماته التي انتشرت بين الجميع وترددت كلماتها بمسامعي لأكون كما قال ” المرأة الحديدية “.
رفعت رأسها كطود الجبل وسارت بخطى متأنية متوجعة لكن صامدة، هي لن تبكي ولن تشتكي، فتحت الباب ودخلت دون أن تقول أو تهمس حرفا واحدا له، تجاهلته تماما كأنه غير موجود وهذا قتله بل شعر بسكين باردة تغرس بصدره طاعنة إياه بالصميم.
سار بخطوات مع جدته يساعدها وهي الأخرى صامتة لم تتحدث معه وعندما هم بالمغادرة قالت له:
” أخبرتك من قبل أن لا تتسرع بأحكامك، فالتسرع يؤدي للتهلكة “.
دخلت هي الأخرى لترتاح، وخرج هو ساهما غاضبا من نفسه لاتهامها بالأنانية، وتفكيرها بنفسها فقط، فعاد لمنزله يجر خلفه أذيال الخيبة والندم لحروف لم يعرف بأن تشكيلها سيجرح إنسانة عزيزة على قلبه.
انتشر خبر تعرض الجدة ومريم لعصابة السيارات وانطلق الجميع لمعرفة ما حدث لهم، اعتذرت الجدة عن جلوس مريم معهم لأنها نائمة بعد أخذها لمسكن للألم. وتحدثت الجدة معهم قليلا ثم غادروا بعد أن اطمأنوا عليهم.

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية حريم الباشا الفصل الثالث عشر 13 بقلم اسماعيل موسي - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top