رواية حارة الربيع الفصل الثاني عشر 12 بقلم خضراء القحطاني
البارت الثاني عشر ~حارة الربيع ~
بس في الآخر يمكن هو أطهر منهم.
في نفس الوقت اللي مرام كانت بتبكي فيه وحدها،
كان عماد بيبكي هو كمان في الغربة.
بس ماحدّش منهم كان يعرف إنهم بيتشاركوا في الألم.
الفرق الوحيد؟
إن مرام لسه عندها حد بيستناها بالبيت أبوها اللي بيرجع تعبان، بس بيحضنها بحنية.
أما عماد؟
فكان بيدور على أي حضن حتى لو من صوت دعاء في تسجيل قديم من أم سعيد.
في مكان آخر سعاد صحت قبل الفجر، رغم أن عينيها كانت ما زالت تنتفض من قلة النوم.
وضعت الطعام في طبق زوجها حسين، وأطعمته بيدها.
ثم أسرعت لتحضير شنطة جهاد، الذي كان جالسًا في ركن غرفته، يلف في نفسه بهدوء.
جهاد حبيبي، يلا نلبس، ماما هتوصلك المدرسة.
لم يرد فقط حرّك أصبعه في الهواء كأنه يرسم دوائر خفية.
سعاد اعتادت الصمت، واعتادت أيضًا البكاء المكتوم، لكنها لم تظهره له أبدًا.
لبّسته، وضعت له الشال، وحملته كأنه رضيع، ثم خرجت رغم المطر الخفيف.
بعد رحلة مواصلات مرهقة، وصلت إلى باب المدرسة، وهناك فوجئت بالإدارة تطلب منها دفع قسط متأخر.
يا أستاذة، المدرسة دي مش جمعية خيرية، ولازم نلتزم.
سعاد قالت بصوت مهزوز:بس أنا قدمت طلب للدعم، وقالوا هيردوا الأسبوع ده.
والولد ما يقدرش على التغيير، ده ينهار لو اتنقل!
لكن الكلام راح في الهوا، فتركته داخل المدرسة بصعوبة.ودمعتها نزلت في سِرّها، مش قدّام الناس.
ذهبت بعدها لعيادة الدكتور نادر حيث تنظف الأرضية والحمامات،ومع أنها مريضة صدر،إلا أنها ظلت تمسح وتغسل وتكح.والأرض كانت بتنشف أسرع من دمها اللي بيتسرّب من التعب.
ثم حملت أكلًا طلبه منها أحد الجيران، وركبت ميكروباص قديم لتوصله.
وهي تحس أن ظهرها بيتقسّم نصين.
رجعت البيت الساعة ٩ ليلًا.
حسين كان نائمًا، جهاد على الأرض يرسم بالطباشير على البلاط.
سعاد وضعت صينية صغيرة فيها فول وعيش،
وقالت:يلا يا بُني ناكل وبعدين نقرأ قصة النهاردة.
جهاد فجأة التفت لها وقال بهدوء:أنا بحبك يا ماما.
الصمت ملأ المكان ثم انفجرت سعاد في بكاء طويل،
مش لأنها تعبانة،
بل لأنها سمعت كلمة كانت نفسها تسمعها من سنين.
وداد، بعد أن بدأت تشتغل مع الجمعية الخيرية،
قرأت ملفًا عن امرأة تُدعى سعاد منصور أم لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، تعمل ليل نهار، وزوجها طريح فراش.
ما عرفتش وداد ليه وجع قلبها كده.
لكنها اتعلّمت من الحياة إن أجمل خير هو اللي ما يتقالش.
طلبت من الجمعية:ما تقولوش لمين المساعدة جاية خلّوها على إنها دعم من صندوق الحالات الحرجة.
توصّلوا لها شنطة أكل، مع إعفاء من مصروفات علاج حسين لمدة ستة شهور،
ودعم شهري بسيط لتعليم زياد.
سعاد لما شافت الدعم، سجدت شكرًا،
وقالت وهي بتبص للسقف:يا رب ما عرفش مين، بس اجعلها في ميزان حسناته ده رجّع لي النفس.
بدأ محمود يحس إنه خسر حاجات كتير لكن ما فاتش الأوان.
حاول يتقرب منها، لكن كانت صامته.
ما بتزعل، بس ما بتسامحش بسهولة.
وفي يوم، سمعت بكاء الطفل،
ولأول مرة شافت محمود واقف جنب السرير،
وحامل ابنه بهدوء غريب مش بتاعه.
كان بيبص له كأنه بيشوف حاجة لأول مرة في حياته،
وصوته مكسور، بيقول:وسام يا قلب أبوك.
أنا مش أبوك بس أنا اللي محتاجك تعلّمني أكون أب.
ربنا يبارك فيك يا روح أبوك.
ويجعل فيك صلاح ما عرفتش أوصل له.
الدمعة نزلت على خدّه، وفضل يحضن الطفل كأنه بيتطهّر من كل لحظة غلط فاتت.
دعاء وقفت من بعيد، وفي قلبها نار وهدنة.
مش سامحاه كله.
لكن المشهد ده خفف حجر كبير من على قلبها.
هدير كانت تنقل أوراقًا قديمة من غرفة المحفوظات للمكتب الرئيسي.
الهدوء يخيّم على المكان، لا أحد سواها.
لكن فجأة تشعر أن هناك من يراقبها.
تتلفت لا أحد.