رواية أصل وصورة الفصل الرابع 4 بقلم صافيناز يوسف
الحلقة 4
.
.
.
وقفت تستند علي سياج السفينة وضربات قلبها تقرع كالطبول.. فبين ذراعيه شعرت بالامان .. شعرت ان هنا موطنها وسكنها.. صدمتها تلك المشاعر التي تشعر بها للمرة الاولى بحياتها.. فلم تهب قلبها لاحد ابدا.. على العكس كانت تؤمن ان الحب اكذوبة كبيرة.. وهم يقع فيه مراهقي الفكر.. وهي تنأى بقلبها عن الاكاذيب والاوهام.. حذرها قلبها “يجب ان ننسحب من هذه اللعبة.. فهي علي وشك ان تنقلب لحقيقة.. “
ولكن عنادها وخوفها من سخرية اصدقائها منها منعاها من الاستماع لصوت المنطق..
انتبهت على صوته وهو يقول: لم اكن اعرف ان رقصك رائع لهذه الدرجة..
اضطربت .. وارتعش كفاها الممسكين بالسياج.. فقال بصوت خافت: ولكن لم هربت..
ازدادت دقات قلبها .. وجف حلقها .. شعرت انها نسيت الكلام.. ليان التي لا تفعل شيء سوى الكلام .. صارت كمن اكلت القطة لسانها..
وقف خلفها وامسك السياج حولها فصار محاوطا لها بذراعيه.. وضع ذقنه على شعرها وهمس : فلترقصي معي هذه الرقصة.. فلا اريد لهذه الليلة ان تنتهي..
وحولهما انسابت موسيقي ناعمة.. فلفها لتصبح مواجهة له.. واحاطها بذراعيه.. وبدأ يقود خطواتها.. التي خطتها معه كالمسلوبة.. كانت عيناها تتعلق بعينيه كأنها طوق النجاة الوحيد في ظلمات هذا البحر الواسع البهيم.. اما هو فقد كان ينهل من نبع عينيها الصافيتين.. كان يشعر انه يغرق فيهما بلا اطواق نجاة ولا قدرة في التحكم.. صمتت الموسيقى .. فدفن يده في خصلات شعرها الذهبية .. واحنى رأسه ينهل من شفتيها المسكرتين..
اما هي فاستسلمت لبرهة كالمسحورة.. ولكنها انتبهت فدفعته بذعر وخجل وركضت الى حيث حجرتها.. وتركته واقفا حائرا في امر قلبه الذي شعر بدقاته اليوم بعد ان ظن انه مات منذ سنوات..
……………………………………..
جلست ليلى على فراشها وعينيها مبللتين بالدموع.. امسكت بملف ضخم.. وفتحته بهدوء.. كان به اوراق كثيرة مكتوبة بالإنجليزية .. سقطت دمعة من عيونها علي احد الورقات.. اغمضت عينيها .. اغلقت الملف بقوة.. وقامت لتخفيه في خزانة ثيابها.. وهي تقول لنفسها.. يجب الا يعرف احد.. فتحت الخزانة فواجهتها المرآة .. لاحظت بقعة حمراء كبيرة عند صدرها.. تحسستها بيدها بحزن،، هاهي بقعة اخرى عليها ان تخفيها.. تنهدت بحزن والتفتت للهاتف الذي يدق بالحاح.. زفرت بضيق.. ثم امسكته وضغطت على زر الرد.،
اتاها صوت مألوف : مرحبا.. كيف حالك ليلى..
تسارعت دقات قلبها.. انه سامر.. حبيبها والذي كان خطيبها. .
.، ابتلعت ريقها بتوتر وهي تجيب: انا بخير يا سامر.. كيف حالك انت..
قال سامر بحزن: لست بخير يا ليلى.. اشتاقك بشدة.. ارجوك اقبلي عذري لقد اعتقدت انها انت.. لقد ارتدت ملابسك وانتحلت شخصيتك ببراعة..
شعرت ليلى وكأن خنجرا غرس بقلبها بلا رحمة.. فقالت بألم: ارجوك يا سامر.. لقد انتهى ما بيننا.. دعنا نكن اصدقاء..
قال سامر بعنف: اصدقاء.. أصدقاء. . بعد كل هذا الحب بيننا وتقولين لي دعنا نكن اصدقاء.. اي صداقة تلك التي تجمع اثنين كانا يوما ما روحا واحدة.. اي صداقة تقصدين.. تريدين ان اتصل بك من وقت لاخر.. اسألك عن احوالك.. احضر حفل زفافك علي شخص اخر غيري وابدو سعيدا لاجلك.. لا يا اميرتي الجميلة .. اما الحب او لا شيء.. لا يمكن لحب عميق كالذي كان بيننا ان يتحول لصداقة باردة كالتي تريدينها.. انت كاذبة يا ليلى.. تكذبين علي وعلى نفسك..
تساقطت دمعاتها.. وخفق قلبها بألم مصداقا لكلماته المؤلمة.. قالت بصوت متهدج قد اعياه البكاء: ارجوك انساني يا سامر فلم اعد لك.. لم اعد احبك ..
شهق سامر وكأنما تلقى طعنة قاتلة.. ساد صمت لبرهة قطعه سامر وهو يقول بكبرياء: حسنا يا ليلى.. طالما هذا اختيارك فلن اراجعك فيه..
انهي المكالمة دون ان ينتظر ردها.. رمت الهاتف بحدة على الفراش.. تشعر بألم يمزق نياط قلبها.. الم ربما اشد من اي الم عرفته في حياتها..
…………………………………؟
نقلت ماري التصميمات لحيز التنفيذ.. وبدأت ومعها مساعدتها في اختيار انواع الاقمشة والاكسسوارات التي يحتاجها كل تصميم.. كانت منهمكة بعملها عندما دخل مارك ورشة العمل.. تطلع حوله باعجاب.. ثم اقترب من ماري وقال: عمل رائع ماري .. لابد انك فخورة بهذا العمل..
رفعت ماري رأسها من على اوراقها واعطته ابتسامة لطيفة وهي تقول: شكرا لك سيد مارك.. ولكني سأكون فخورة عندما ينجح العرض.. سأكون عندها في قمة سعادتى..
نظر حوله على الاقمشة المعدة للحياكة وهو يقول: اتظنين انك ستنتهين من المجموعة كلها في الموعد المحدد..
قالت بحسم: بالطبع يا سيدي .. لا تقلق..
قال بلؤم: حسنا ولكن لا تنسي دعوة زوجك لمشاهدة العرض.. فانا اريد وبشدة التعرف عليه..
اهتز القلم بين اصابعها .. وانتفض قلبها بين ضلوعها.. فماذا تقول له.. اتقول انها هربت من زوجها منذ عشر سنوات.. حاولت ان تبدو طبيعيه وهي تقول: حسنا سأخبره بدعوتك ربما يستطيع ان ينسق عمله ويأتي في الموعد..
هز رأسه بتسلية وهو يقول: عندما تنتهي طباعة الدعوات سارسل له دعوة من فئة الاشخاص الاكثر اهمية.. لاجلك فقط يا ماري..
زفرت بحدة عندما غادر الورشة.. وهتفت بداخلها: الن ننتهي من تلك القصة ابدا. . لماذا لا يقبل مارك كلمة لا التي اعادتها على مسامعه مرارا وتكرارا. .
لماذا لا يكون مثل هاشم.. كبرياؤه جعله لا يتوسلها كثيرا لتعود.. زفرت بملل.. فافكارها تدور وتعود لهاشم مرة اخرى.. هاشم الذي كلما ازدادت سنوات البعد كلما اشتعلت جذوة الشوق له بداخلها.. حتى اصبحت تخاف منه ومن نفسها.. تهرب من ملاقته حتى لا يحدث ما تندم عليه لاحقا..
انتبهت من شرودها علي هزة من يد فرانكا مساعدتها وهي تناديها: سيدتي الى اين ذهبت..
فرفت جفنها لتعود لواقعها الخاوي بدونه وقالت بلهجة عملية وهي تنظر الى الاوراق بيدها: انا هنا فرانكا .. هيا فلنستأنف عملنا..
………………………………..
استيقظت ليان في اليوم التالي بعد ليلة سهرت فيها الى الفجر.. كانت مندهشة منه ومن نفسها.. كيف استسلمت له هكذا عندما قبلها.. تحسست شفتيها بشرود.. ترى هل تركت شفتيه اثرا على شفتيها..
قامت من على فراشها.. ونظرت في المرآة.. كان على عينيها اثر السهر الطويل .. ولكن اليوم سترسو السفينة في اثينا وتريد حقا ان تتنزه فيها.. فكم تحب اليونان والحضارة الاغريقية ..
اغتسلت بسرعة وبدلت ثيابها وارتدت بنطال جينز وبلوزة باكمام قصيرة.. وربطت شعرها بربطة على اعلى رأسها .. فبدت كطالبة في الصفوف الثانوية..
عبست في وجهها في المرآة.. وحملت حقيبتها وخرجت..
ذهبت الى حجرة فيفان ورضوى لتجدهما مازالتا تغطا في النوم.. وكذلك كريم وهاني.. فقد سهروا لوقت متأخر.. صعدت بحنق على سطح السفينة.. تتساءل ماذا ستفعل الان.. لو ايقظتهم الان لن يغادروا غرفهم قبل الظهيرة وبذلك يضيع عليها اليوم.. هتفت بحنق: يا لهم من كسالى..
لتسمع صوت عميق يقول: من هم يا ترى..
التفتت لتجد عاصم يستند على سياج السفينة وينظر لها بفضول.. فقالت بضيق: انهم اصدقائي.. كنا نخطط للذهاب للتنزة في اثينا ولكنهم نائمين.. وساضطر للذهاب بمفردي..
مطت شفتيها بضيق وهي تضع نظارتها الشمسية وتتأهب انتظارا لفتح باب النزول من السفينة.. قال لها: يمكننا ان نفعلها سويا.. فبكل حال انا ايضا كنت اريد التنزة في اثينا..
ترددت برهة فمازال مذاق شفتيه على شفتيها.. وفجأة خافت ان ينقلب السحر على الساحر وينقلب الامر من مجرد رهان الى جرح عميق في القلب.. ولكن عنادها منعها من التريث وقررت الاستمرار في اللعبة ..
فابتسمت بمرح وقالت: اذن هيا بنا..
راقبت الجسر يهبط بهدوء ليلتحم برصيف الميناء سامحا لهم بالنزول .. امسك يدها ونزلا معا من السفينة والقبطان يهتف في مكبر الصوت ان السفينة ستقلع فجر اليوم التالي ويهيب بالسادة المسافرين التواجد قبل الموعد..
…………….