رواية أصل وصورة الفصل الخامس 5 بقلم صافيناز يوسف
الفصل الخامسنزلا من السفينة امسكت يده وقد بدت كطفلة صغيرة تتنزه مع والدها .. ابتسم لها وهو يقول: انا لم افطر بعد .. وتبدين انت ايضا كذلك.. فهيا بنا نبحث عن مطعم ونتناول فطورنا قبل البدأ بتلك الجولة. .
هز رأسها موافقة.. تركت له ادارة النزهة وكان ذلك جديدا عليها .. فقد كانت دوما تتولى هي القيادة في اي نزهة مع اصدقاءها.. كانت تكره ان يقترح عليها احدهم امرا .. كانت تفعل ما يحلو لها.. ولكن اليوم سلمته القيادة عن طيب خاطر.. شعرت انه سيحميها .. وسيجعل نزهتها اروع.. لا تدري من اين اتت بهذا التأكيد .. ربما من قبلة امس .. فقد شعرت بمشاعر غريبة .. للمرة الاولى تشعر بها.. وفجأة قررت ان تستسلم لقلبها وتترك له العنان في التحكم بها..
جلسا معا على طاولة مطعم طاولاته منتشرة امامه.. انبعثت رائحة شهية منه .. فابتسمت باستحسان.. قال عاصم : هل اعجبك..
استنشقت الرائحة الشهية للفطائر وقالت: جدا .. واثار جوعي ايضا.. اكاد اجزم اني سأنهي كل الفطائر الموجودة ..
قهقه عاصم وهو يقول : تبدين شرهة..
ضيقت عيناها وهي تقول: لست مهووسة بالحمية وما شابه.. اكل ما اريد غالبا..
نظر لها بإعجاب وهو يقول: لا يبدو عليك ذلك..
تعلقت عينيها بعينيه وقالت : هذا لاني دائمة الحركة..
ثم نظرت حولها وهي تقول: اين النادل.. اكاد اموت جوعا..
ابتسم عاصم واشار للنادل ليأتي ويقف امامهم بأدب.. طلب لهما الافطار.. انحنى النادل بأدب ووضع امامهما فنجانين من القهوة كتحية ترحيب..
امسكت فنجان القهوة وتذوقتها بحذر.. لتهتف: اممممم رائعة ..
ابتسم وهو يرفع فنجانه.. وقال: هل تحبين القهوة لهذه الدرجة..
اغمضت عيناها وهي ترتشف القهوة بشغف وقالت: بل اعشقها.. تلك الحبوب البنية تسحرني..
تأملها وهي ترتشف قهوتها على مهل.. حتى اتى النادل ووضع امامهم الافطار المكون من تلك الفطائر ذات الرائحة الشهية وصحن من السلطة اليونانية مع بعض الاجبان والمربى والخبز اليوناني التقليدي.. كما وضع امامهما سلة من الفاكهة الشهية..
تناولا الطعام معا.. ابتسم وهو يراها تتناول طعامها بشهية كبيرة.. انتبهت لنظراته فتركت قطعة الفطيرة التي كانت تتناولها وقالت : ما هذا استظل تراقبني هكذا.. هذا يفسد شهيتي..
قهقه عاصم وهو يقول: يبدو لي ان لا شيء في هذا العالم يمكنه افساد شهيتك..
رفعت حاجبها بتحد وهي تقول: نعم فعلا.. لا شيء في هذا العالم يمنعني من فعل ما اريد او يجبرني على ما لا اريد..
قال وه يتأملها بهدوء: تبدين متمردة يا صغيرتي..
ضحكت بصخب وهي تقول: تبدو ذكيا للغاية..
ثم نفضت يدها ومسحت فمها برقة وقالت: لقد انتهيت من طعامي..
اقترب منها ومد اصابعه الي وجهها ففزعت.. ولكنه مسح باصبعه على جانب فمها وهو يقول: كان هناك بعضا من المربى ..
مدت اصابعها تمسح جانب فمها بتوتر فقال : لا تقلقي لقد ازلتها..
همست: شكرا..
قام ووقف امامها وهو يمد يده اليها ويقول: اذا هيا بنا انستي..
قضمت شفتها بتوتر.. ثم مدت يدها اليه بتردد.. امسك يدها ومضي بها وهو يتحدث .. لم تسمع كلماته فقد كانت شاردة فيما تشعر به.. كانت تشعر بالالفة والامان .. مشاعر قلما شعرت بها حتى بين عائلتها.. منذ ان غادرتهم امها وهي تخاف دوما ان تتعلق باحد.. تخاف ان تهجر او تخذل.. ولكن يالقلبها الاحمق الذي ترتفع دقاته كلما رأته.. مشاعر وتساؤلات تدق برأسها.. يالهذا الرهان الاحمق الذي وضعها في هذا الموقف..
اعاد ما قاله على مسامعها عندما لم يتلق ردا: الى اين ذهبت..
انتبهت من شرودها وقالت: ما ماذا هناك..
قال وهو يبتسم: اسألك من اين تودين ان نبدأ نزهتنا..
قالت بحبور: فلنذهب الى الاكروبوليس..
نظر لها بدهشة وقال: هل انت متأكدة..المكان اثري وتاريخي.. اعتقد انك تريدين الذهاب الي المنتزهات وما شابه..
وقفت امامه وهي تضيق عينيها وتقول ساخرة: حكمت على من النظرة الاولى سيدي كآفة كل الرجال الشرقيين.. وجدتني امرح مع اصدقائي في رحلة المفترض انها للمرح فحكمت اني ولابد تلك الفتاة المستهترة.. التي لا تعرف في حياتها سوي اللهو..
حاول ان يتكلم ولكنها اشارت بيدها لتكمل: نهم اعترف اني عندما افعل شيء استغرق فيه.. فايام العطلات استغرق في اللهو وفي ايام الجد استغرق فيما افعل وبشدة.. ولعلمك انا ادرس في كلية الاثار والميثولوجيا اليونانية دوما تجتذب اهتمامي ..
نظر لها باعجاب وقال : حسنا .. لقد اثرت اهتمامي حقا.. هيا بنا اذن..
امسك يدها كطفلته المدللة واشار الى سيارة اجرة لتقلهما الى الاكروبوليس .. وهو يفكر الن تتوفف هذه الفتاة عن اثارة دهشته المرة تلو المرة..
…………………………………………….
وقفت سلوى في منتصف المنزل وهي توجه اوامرها للخدم بنقل بعض الاثاث وتغيير اماكنه.. فيما نزلت ليلى الدرج ونظرت حولها .. رأت الخدم يزيحون الارائك والطاولات ويعدلون وضع الاثاث..
قالت بحدة وبصوت عالي: ما هذا.. ما الذي يحدث هنا؟
جزت سلوى على اسنانها فلم تكن تريد ان تهبط ليلى الان ..
قال الخادم بتوتر: معذرة سيدتي ولكنها اوامر السيدة سلوى..
تجهم وجه ليلى واستعدت لاطلاق لسانها لتجعل تلك السلوى تعرف حدودها.. ولكن سلوى رسمت ابتسامة على وجهها والتفتت الى ليلى وبادرتها قبل ان تنبس ببنس شفة: ليلى حبيبتي .. حمدا لله على سلامتك. . كنت ادعو الله ان تأتي وتساعديني برأيك.. فأنا اريد تغير وضع الاثاث ليبدو المنزل اروع..
نظرت لها ليلى ساخرة وقالت: وهل طلب منك احد ذلك.. هذا بيتنا وليس بيتك.. حتى تعدلي وضع الاثاث وتأمري وتنهي بهذه الطريقة..
نظرت لها سلوى مصدومة من كلماتها الجارحة.. ولكنها استعادت رابطة جأشها بسرعة .. وقالت : لقد رأيتك مكتئبة ففكرت ان اقوم ببعض التغيرات علها تغير مزاجك للاحسن..
اقتربت منها ليلى وهي تقول : اعرف ما تسعين اليه.. فاذا سمحت افعلي ما يحلو لك بعيدا عني وعن بيتي.. اكره تغيير وضع الأشياء. . واكثر ما اكرهه هو التملق وفرض الذات..
ثم وجهت كلامها للخدم قائلة: فلتعيدوا كل شيء الى مكانه.. والاوامر تؤخد مني انا شخصيا..
ثم صعدت الدرج عائدة الى غرفتها بدون كلمة اخرى تاركة سلوى تستشيط غضبا من كلماتها الجارحة..
………………………
خرجت سلوى من منزل هاشم وهي تشعر ان دماؤها تغلي من الغضب.. شعرت انها خسرت تلك الجولة وهي التي تكره الخسارة.. ركبت سيارتها وانطلقت بها وهي تردد لنفسها انه لا داعي للحزن فقد خسرت معركة ولم تخسر الحرب .. توجهت نحو شركتها التي تتشاركها مع هاشم.. كانت انتهازية كأنثى العنكبوت.. فقد كانت في الخامسة والعشرين من عمرها عندما تخرجت من كلية التجارة بعد عناء.. كانت من اسرة فقيرة.. كان والدها رافضا اكمال تعليمها كان يريدها أن تعمل لتعيل نفسها .. فكل فرد في منزلهم المتواضع ما ان يشب ويستطيع النزول للعمل يجبره والدهم على العمل.. ولكنها تمسكت بفرصتها في التعليم ووعدت والدها ان لا تطلب منه اي قرش بل وتعطيه حصتها في مصروف البيت كاملة.. وافق بعد ان حذرها ان قصرت سيجعلها تترك دراستها فورا.. وبالفعل كانت تعمل صباحا ومساءا لتوفر مصاريف جامعتها وفي نفس الوقت لا تقصر تجاه والدها..
وبعد تخرجها قدمت في شركات عديدة للعمل في مجال المحاسبة او السكرتارية وبالفعل تم قبولها في شركة هاشم.. كسكرتيرة له.. حاولت في البداية الايقاع به.. ولكنه كان يبدو محصنا ضدها.. كان متزوجا ويحب زوجته الاجنبية.. فحولت الدفة لسعد الالفي شريكه الاخر صاحب الملايين والشركات العديدة.. والذي شارك هاشم في هذه الشركة لمساعدته ولاعجابه بذكاؤه .. كان سعد الالفي رجلا في العقد الخامس من عمره يبدو صارما ولكنها اوقعته في حبائلها بسهولة.. ولكنه لم يكن غبيا.. فقد جعلها زوجة سرية لمدة تسع سنوات نهل فيها من شبابها .. وقد كانت هي راضية لانه كان يغدق عليها الهدايا والنقود مما جعلها تنسى حياة الفقر وظلت تبعث لوالدها مبلغا شهريا مقابل ان ينساها .. كانت تريد ان تنسى حياتها السابقة بكل ما فيها من مشقة وتعب..
وبعد تسع سنوات مرض سعد مرضا شديدا وهو عندها جراء تناوله لبعض الادوية المنشطة بدون استشارة الطبيب.. فاتصلت بابنه لينقذ والده وانكشف السر الذي خبآه تسع سنوات كاملة..
ومات سعد الالفي لتتلقى اكبر صفعة في حياتها.. فقد علم سعد هدفها منذ البداية فكتب كل املاكه باسم ابنه الوحيد .. ماعدا نصيبه من تلك الشركة والمنزل الذي تعيش فيه.. مات وتركها تتصارع مع ابنه ليترك لها اي شيء تعويضا عن سنوات شبابها التي ضيعتها مع والده.. فتنازل لها عن الفيلا التي كانت تقطنها .. اما نصيب والده من شركة هاشم فقسم بينه وبينها بالقسمة الشرعية فاخذت هي الثمن واخذ هو الباقي.. مما جعلها تعود مجددا لتكون على شفا حفرة الفقر.. فقد اعتادت على مستوى عالي من الانفاق صعب ان تتنازل عنه.. ولذلك بدأت محاولاتها لاجتذاب هاشم.. فبالتأكيد بعد فرار زوجته منه اصبح هشا .. سهل الاختراق.. قبضت بشدة على مقود السيارة وهي تفكر.. لن اتركك يا هاشم فانت فرصتي الاخيرة..
وصلت الى حيث مقر الشركة.. صعدت الى حيث يقبع مكتب هاشم.. وهناك رسمت عل ملامحها نظرات الحزن ودخلت وهي تلبس قناع الحزن الممتزج بالخزي..
حياها هاشم بحبور.. فردت عليه بانكسار جعله ينتبه لملامح وجهها هتف: يا الهي تبدين علي وشك البكاء.. ماذا حدث يا سلوى؟
قالت وهي تهرب بعينيها من عينيه : لا شيء..
عقد حاجبيه وهو يقول: لا شيء .. كيف ذلك؟ وملامح وجهك تلك التي تنم عن حزن عميق..
تنهدت بحرقة وهي تقول: لا شيء.. فقط عرفت مقامي عندكم.. فقد عرفتني ليلى مقامي ووضعتني فيه..
اعتدل هاشم في مقعده وهو يقول بحيرة: ليلى.. ماذا فعلت؟
قالت سلوى بصوت باكي: كنت في منزلك احاول تغيير نظام البيت ربما ذلك التغيير يساعدها على تغيير مزاجها.. فقد كنت اعتقد انكم تعتبروني فردا من افراد العائلة .. ولكنها ثارت وعنفت الخدم وقالت لي انها هي صاحبة البيت وانا مجرد ضيفة..
نزلت دمعتين على وجنتيها وقالت: هي محقة فعلا ولكنني كنت اشعر انكم اهلى.. فقد هونتم علي الكثير بعد وفاة زوجي..
تنهد هاشم وقال معتذرا: عذرا يا سلوى .. لا ادري ما الذي حدث لليلى جعلها حادة هكذا.. هي بالعادة دوما لطيفة.. عموما لا تحزني سأكلمها ..
كففت سلوى دمعها وقالت : لا ارجوك لا تتشاجر معها بسببي..
رفع هاشم حاجبيه بدهشة وقال في نفسه.. ومن اتى على ذكر الشجار.. ولكنه ابتلع كلماته وقال باقتضاب: حسنا لا تقلقي..
صمت قليلا يقلب في اوراق امامه ثم قال: والان دعينا نتحدث في العمل.. اريد ان اقابل ابن سعد.. شريكنا الثالث.. فانا اريد توسيع نشاط السركة ولتبد من موافقة كل الشركاء. .
غمغمت سلوى: وهل هذا ضروري؟
قال هاشم: بالطبع لقد اجلت تلك الخطوة عاما كاملا بسبب وفاة سعد .. ولكن الان الامر مناسب ..وستكون مناسبة جيدة للتعرف على ابنه الذي لم اره ولو لمرة واحدة..
هزت سلوى رأسها بتفهم وقالت: هو الآن مسافر.. عندما يأتي سأبلغك لتدعوه لهذا الاجتماع..
ثم وقفت وقالت: حسنا سأذهب انا الان للتسوق لحفل ليلى.. الا تريد المجئ معي..
قال هاشم : ليلى.. اليس الوقت مبكرا على هذا..
قالت بحماس: على العكس نحن على الوقت تماما.. لا تقلق كل شيء سيكون على ما يرام.. حسنا هل ستأتي معي..
قال باعتذار: عذرا يا سلوى.. ولكن لابد ان انتهي من مراجعة تلك العقود .. يمكنك الذهاب وتسوقي كما تريدين واجعليهم يرسلون الفواتير هنا..
تصنعت الحزن وهي تقول: حسنا سأذهب وحدي ..
ابتسم لها هاشم: حسنا .. لا تحزني سأعوضها لك قريبا..
خرجت من مكتبه فتنفس الصعداء.. تساءل لم عليها ان تكون لحوحة لهذه الدرجة.. الم تفكر للحظة انه يفهم الاعيبها.. يشعر انها تهين ذكاؤه وتعامله كطفل صغير.. زفر في حنق.. اين هي من ماري .. الذكية الصريحة.. لا يدري لماذا يقارن كل امرأة يقابلها بماري.. ترك القلم من يده واغلق الملف فقد فقد تركيزه في العمل.. واخذ يفكر في ماري.. زوحته الهاربة..
………………..،،،،،،،.،،،.،،…..،،
هبطت فيفان من السفينة بعد ان استيقظت .. وجدت رضوى ما زلت نائمة.. فتركتها وخرجت.. سارت حتى وجدت كابينة هاتف.. فدخلتها وطلبت رقما.. انتظرت حتى سمعت صوتا يقول: مرحبا..
قالت فيفان : اهلا ليلى كيف حالك..
تنهدت ليلى بحرقة وقالت: لا تقلقي انا بخير.. اين انتم وكيف حال ليان؟
قالت فيفان: لقد وصلنا اليونان.. وهي بخير.. ولكنني اريد ان افهم.. لماذا تفعلين هذا؟ لاول مرة تبدين غامضة هكذا يا ليلى..
سادت لحظة صمت .. قطعتها ايلى بقولها: ستفهمين قريبا ولكن الان اريدك ان تفعلي مثلما اخبرتك..
قالت فيفان وهي تبدو غير مقتنعة: حسنا يا ليلى.. سأظل معك للنهاية فهذه ضريبة الصداقة..
قالت ليلى بلهفة: اهتمي بليان .. لا تدعيها تقوم بحماقات.. اعتمد عليكي يا فيفان..
قالت فيفان وفي حلقها غصة : حسنا لا تقلقي..
انهت المكالمة ووقفت وهي تلوم نفسها.. كيف قطعت هذا الوعد لليلى.. ولكن كيف ستقول لها ان ليان بدأت فعلا في ارتكاب اكب حماقاتها.. كيف ست قفها والعند يسيطر عليها..
انتبهت فيفان على صوت يناديها.. التفتت لتجد رضو قد هبطت هي الاخرى من السفينة.. اتت اليها وقالت: هيا بنا لنتنزه قليلا..
هزت فيفان رأسها وقالت : حسنا هيا بنا..
وفي رأسها تدور دوامات من التفكير في ليلى.. ما الذي حدث لها .. ولماذا تفعل كل هذا?
هز رأسها موافقة.. تركت له ادارة النزهة وكان ذلك جديدا عليها .. فقد كانت دوما تتولى هي القيادة في اي نزهة مع اصدقاءها.. كانت تكره ان يقترح عليها احدهم امرا .. كانت تفعل ما يحلو لها.. ولكن اليوم سلمته القيادة عن طيب خاطر.. شعرت انه سيحميها .. وسيجعل نزهتها اروع.. لا تدري من اين اتت بهذا التأكيد .. ربما من قبلة امس .. فقد شعرت بمشاعر غريبة .. للمرة الاولى تشعر بها.. وفجأة قررت ان تستسلم لقلبها وتترك له العنان في التحكم بها..
جلسا معا على طاولة مطعم طاولاته منتشرة امامه.. انبعثت رائحة شهية منه .. فابتسمت باستحسان.. قال عاصم : هل اعجبك..
استنشقت الرائحة الشهية للفطائر وقالت: جدا .. واثار جوعي ايضا.. اكاد اجزم اني سأنهي كل الفطائر الموجودة ..
قهقه عاصم وهو يقول : تبدين شرهة..
ضيقت عيناها وهي تقول: لست مهووسة بالحمية وما شابه.. اكل ما اريد غالبا..
نظر لها بإعجاب وهو يقول: لا يبدو عليك ذلك..
تعلقت عينيها بعينيه وقالت : هذا لاني دائمة الحركة..
ثم نظرت حولها وهي تقول: اين النادل.. اكاد اموت جوعا..
ابتسم عاصم واشار للنادل ليأتي ويقف امامهم بأدب.. طلب لهما الافطار.. انحنى النادل بأدب ووضع امامهما فنجانين من القهوة كتحية ترحيب..
امسكت فنجان القهوة وتذوقتها بحذر.. لتهتف: اممممم رائعة ..
ابتسم وهو يرفع فنجانه.. وقال: هل تحبين القهوة لهذه الدرجة..
اغمضت عيناها وهي ترتشف القهوة بشغف وقالت: بل اعشقها.. تلك الحبوب البنية تسحرني..
تأملها وهي ترتشف قهوتها على مهل.. حتى اتى النادل ووضع امامهم الافطار المكون من تلك الفطائر ذات الرائحة الشهية وصحن من السلطة اليونانية مع بعض الاجبان والمربى والخبز اليوناني التقليدي.. كما وضع امامهما سلة من الفاكهة الشهية..
تناولا الطعام معا.. ابتسم وهو يراها تتناول طعامها بشهية كبيرة.. انتبهت لنظراته فتركت قطعة الفطيرة التي كانت تتناولها وقالت : ما هذا استظل تراقبني هكذا.. هذا يفسد شهيتي..
قهقه عاصم وهو يقول: يبدو لي ان لا شيء في هذا العالم يمكنه افساد شهيتك..
رفعت حاجبها بتحد وهي تقول: نعم فعلا.. لا شيء في هذا العالم يمنعني من فعل ما اريد او يجبرني على ما لا اريد..
قال وه يتأملها بهدوء: تبدين متمردة يا صغيرتي..
ضحكت بصخب وهي تقول: تبدو ذكيا للغاية..
ثم نفضت يدها ومسحت فمها برقة وقالت: لقد انتهيت من طعامي..
اقترب منها ومد اصابعه الي وجهها ففزعت.. ولكنه مسح باصبعه على جانب فمها وهو يقول: كان هناك بعضا من المربى ..
مدت اصابعها تمسح جانب فمها بتوتر فقال : لا تقلقي لقد ازلتها..
همست: شكرا..
قام ووقف امامها وهو يمد يده اليها ويقول: اذا هيا بنا انستي..
قضمت شفتها بتوتر.. ثم مدت يدها اليه بتردد.. امسك يدها ومضي بها وهو يتحدث .. لم تسمع كلماته فقد كانت شاردة فيما تشعر به.. كانت تشعر بالالفة والامان .. مشاعر قلما شعرت بها حتى بين عائلتها.. منذ ان غادرتهم امها وهي تخاف دوما ان تتعلق باحد.. تخاف ان تهجر او تخذل.. ولكن يالقلبها الاحمق الذي ترتفع دقاته كلما رأته.. مشاعر وتساؤلات تدق برأسها.. يالهذا الرهان الاحمق الذي وضعها في هذا الموقف..
اعاد ما قاله على مسامعها عندما لم يتلق ردا: الى اين ذهبت..
انتبهت من شرودها وقالت: ما ماذا هناك..
قال وهو يبتسم: اسألك من اين تودين ان نبدأ نزهتنا..
قالت بحبور: فلنذهب الى الاكروبوليس..
نظر لها بدهشة وقال: هل انت متأكدة..المكان اثري وتاريخي.. اعتقد انك تريدين الذهاب الي المنتزهات وما شابه..
وقفت امامه وهي تضيق عينيها وتقول ساخرة: حكمت على من النظرة الاولى سيدي كآفة كل الرجال الشرقيين.. وجدتني امرح مع اصدقائي في رحلة المفترض انها للمرح فحكمت اني ولابد تلك الفتاة المستهترة.. التي لا تعرف في حياتها سوي اللهو..
حاول ان يتكلم ولكنها اشارت بيدها لتكمل: نهم اعترف اني عندما افعل شيء استغرق فيه.. فايام العطلات استغرق في اللهو وفي ايام الجد استغرق فيما افعل وبشدة.. ولعلمك انا ادرس في كلية الاثار والميثولوجيا اليونانية دوما تجتذب اهتمامي ..
نظر لها باعجاب وقال : حسنا .. لقد اثرت اهتمامي حقا.. هيا بنا اذن..
امسك يدها كطفلته المدللة واشار الى سيارة اجرة لتقلهما الى الاكروبوليس .. وهو يفكر الن تتوفف هذه الفتاة عن اثارة دهشته المرة تلو المرة..
…………………………………………….
وقفت سلوى في منتصف المنزل وهي توجه اوامرها للخدم بنقل بعض الاثاث وتغيير اماكنه.. فيما نزلت ليلى الدرج ونظرت حولها .. رأت الخدم يزيحون الارائك والطاولات ويعدلون وضع الاثاث..
قالت بحدة وبصوت عالي: ما هذا.. ما الذي يحدث هنا؟
جزت سلوى على اسنانها فلم تكن تريد ان تهبط ليلى الان ..
قال الخادم بتوتر: معذرة سيدتي ولكنها اوامر السيدة سلوى..
تجهم وجه ليلى واستعدت لاطلاق لسانها لتجعل تلك السلوى تعرف حدودها.. ولكن سلوى رسمت ابتسامة على وجهها والتفتت الى ليلى وبادرتها قبل ان تنبس ببنس شفة: ليلى حبيبتي .. حمدا لله على سلامتك. . كنت ادعو الله ان تأتي وتساعديني برأيك.. فأنا اريد تغير وضع الاثاث ليبدو المنزل اروع..
نظرت لها ليلى ساخرة وقالت: وهل طلب منك احد ذلك.. هذا بيتنا وليس بيتك.. حتى تعدلي وضع الاثاث وتأمري وتنهي بهذه الطريقة..
نظرت لها سلوى مصدومة من كلماتها الجارحة.. ولكنها استعادت رابطة جأشها بسرعة .. وقالت : لقد رأيتك مكتئبة ففكرت ان اقوم ببعض التغيرات علها تغير مزاجك للاحسن..
اقتربت منها ليلى وهي تقول : اعرف ما تسعين اليه.. فاذا سمحت افعلي ما يحلو لك بعيدا عني وعن بيتي.. اكره تغيير وضع الأشياء. . واكثر ما اكرهه هو التملق وفرض الذات..
ثم وجهت كلامها للخدم قائلة: فلتعيدوا كل شيء الى مكانه.. والاوامر تؤخد مني انا شخصيا..
ثم صعدت الدرج عائدة الى غرفتها بدون كلمة اخرى تاركة سلوى تستشيط غضبا من كلماتها الجارحة..
………………………
خرجت سلوى من منزل هاشم وهي تشعر ان دماؤها تغلي من الغضب.. شعرت انها خسرت تلك الجولة وهي التي تكره الخسارة.. ركبت سيارتها وانطلقت بها وهي تردد لنفسها انه لا داعي للحزن فقد خسرت معركة ولم تخسر الحرب .. توجهت نحو شركتها التي تتشاركها مع هاشم.. كانت انتهازية كأنثى العنكبوت.. فقد كانت في الخامسة والعشرين من عمرها عندما تخرجت من كلية التجارة بعد عناء.. كانت من اسرة فقيرة.. كان والدها رافضا اكمال تعليمها كان يريدها أن تعمل لتعيل نفسها .. فكل فرد في منزلهم المتواضع ما ان يشب ويستطيع النزول للعمل يجبره والدهم على العمل.. ولكنها تمسكت بفرصتها في التعليم ووعدت والدها ان لا تطلب منه اي قرش بل وتعطيه حصتها في مصروف البيت كاملة.. وافق بعد ان حذرها ان قصرت سيجعلها تترك دراستها فورا.. وبالفعل كانت تعمل صباحا ومساءا لتوفر مصاريف جامعتها وفي نفس الوقت لا تقصر تجاه والدها..
وبعد تخرجها قدمت في شركات عديدة للعمل في مجال المحاسبة او السكرتارية وبالفعل تم قبولها في شركة هاشم.. كسكرتيرة له.. حاولت في البداية الايقاع به.. ولكنه كان يبدو محصنا ضدها.. كان متزوجا ويحب زوجته الاجنبية.. فحولت الدفة لسعد الالفي شريكه الاخر صاحب الملايين والشركات العديدة.. والذي شارك هاشم في هذه الشركة لمساعدته ولاعجابه بذكاؤه .. كان سعد الالفي رجلا في العقد الخامس من عمره يبدو صارما ولكنها اوقعته في حبائلها بسهولة.. ولكنه لم يكن غبيا.. فقد جعلها زوجة سرية لمدة تسع سنوات نهل فيها من شبابها .. وقد كانت هي راضية لانه كان يغدق عليها الهدايا والنقود مما جعلها تنسى حياة الفقر وظلت تبعث لوالدها مبلغا شهريا مقابل ان ينساها .. كانت تريد ان تنسى حياتها السابقة بكل ما فيها من مشقة وتعب..
وبعد تسع سنوات مرض سعد مرضا شديدا وهو عندها جراء تناوله لبعض الادوية المنشطة بدون استشارة الطبيب.. فاتصلت بابنه لينقذ والده وانكشف السر الذي خبآه تسع سنوات كاملة..
ومات سعد الالفي لتتلقى اكبر صفعة في حياتها.. فقد علم سعد هدفها منذ البداية فكتب كل املاكه باسم ابنه الوحيد .. ماعدا نصيبه من تلك الشركة والمنزل الذي تعيش فيه.. مات وتركها تتصارع مع ابنه ليترك لها اي شيء تعويضا عن سنوات شبابها التي ضيعتها مع والده.. فتنازل لها عن الفيلا التي كانت تقطنها .. اما نصيب والده من شركة هاشم فقسم بينه وبينها بالقسمة الشرعية فاخذت هي الثمن واخذ هو الباقي.. مما جعلها تعود مجددا لتكون على شفا حفرة الفقر.. فقد اعتادت على مستوى عالي من الانفاق صعب ان تتنازل عنه.. ولذلك بدأت محاولاتها لاجتذاب هاشم.. فبالتأكيد بعد فرار زوجته منه اصبح هشا .. سهل الاختراق.. قبضت بشدة على مقود السيارة وهي تفكر.. لن اتركك يا هاشم فانت فرصتي الاخيرة..
وصلت الى حيث مقر الشركة.. صعدت الى حيث يقبع مكتب هاشم.. وهناك رسمت عل ملامحها نظرات الحزن ودخلت وهي تلبس قناع الحزن الممتزج بالخزي..
حياها هاشم بحبور.. فردت عليه بانكسار جعله ينتبه لملامح وجهها هتف: يا الهي تبدين علي وشك البكاء.. ماذا حدث يا سلوى؟
قالت وهي تهرب بعينيها من عينيه : لا شيء..
عقد حاجبيه وهو يقول: لا شيء .. كيف ذلك؟ وملامح وجهك تلك التي تنم عن حزن عميق..
تنهدت بحرقة وهي تقول: لا شيء.. فقط عرفت مقامي عندكم.. فقد عرفتني ليلى مقامي ووضعتني فيه..
اعتدل هاشم في مقعده وهو يقول بحيرة: ليلى.. ماذا فعلت؟
قالت سلوى بصوت باكي: كنت في منزلك احاول تغيير نظام البيت ربما ذلك التغيير يساعدها على تغيير مزاجها.. فقد كنت اعتقد انكم تعتبروني فردا من افراد العائلة .. ولكنها ثارت وعنفت الخدم وقالت لي انها هي صاحبة البيت وانا مجرد ضيفة..
نزلت دمعتين على وجنتيها وقالت: هي محقة فعلا ولكنني كنت اشعر انكم اهلى.. فقد هونتم علي الكثير بعد وفاة زوجي..
تنهد هاشم وقال معتذرا: عذرا يا سلوى .. لا ادري ما الذي حدث لليلى جعلها حادة هكذا.. هي بالعادة دوما لطيفة.. عموما لا تحزني سأكلمها ..
كففت سلوى دمعها وقالت : لا ارجوك لا تتشاجر معها بسببي..
رفع هاشم حاجبيه بدهشة وقال في نفسه.. ومن اتى على ذكر الشجار.. ولكنه ابتلع كلماته وقال باقتضاب: حسنا لا تقلقي..
صمت قليلا يقلب في اوراق امامه ثم قال: والان دعينا نتحدث في العمل.. اريد ان اقابل ابن سعد.. شريكنا الثالث.. فانا اريد توسيع نشاط السركة ولتبد من موافقة كل الشركاء. .
غمغمت سلوى: وهل هذا ضروري؟
قال هاشم: بالطبع لقد اجلت تلك الخطوة عاما كاملا بسبب وفاة سعد .. ولكن الان الامر مناسب ..وستكون مناسبة جيدة للتعرف على ابنه الذي لم اره ولو لمرة واحدة..
هزت سلوى رأسها بتفهم وقالت: هو الآن مسافر.. عندما يأتي سأبلغك لتدعوه لهذا الاجتماع..
ثم وقفت وقالت: حسنا سأذهب انا الان للتسوق لحفل ليلى.. الا تريد المجئ معي..
قال هاشم : ليلى.. اليس الوقت مبكرا على هذا..
قالت بحماس: على العكس نحن على الوقت تماما.. لا تقلق كل شيء سيكون على ما يرام.. حسنا هل ستأتي معي..
قال باعتذار: عذرا يا سلوى.. ولكن لابد ان انتهي من مراجعة تلك العقود .. يمكنك الذهاب وتسوقي كما تريدين واجعليهم يرسلون الفواتير هنا..
تصنعت الحزن وهي تقول: حسنا سأذهب وحدي ..
ابتسم لها هاشم: حسنا .. لا تحزني سأعوضها لك قريبا..
خرجت من مكتبه فتنفس الصعداء.. تساءل لم عليها ان تكون لحوحة لهذه الدرجة.. الم تفكر للحظة انه يفهم الاعيبها.. يشعر انها تهين ذكاؤه وتعامله كطفل صغير.. زفر في حنق.. اين هي من ماري .. الذكية الصريحة.. لا يدري لماذا يقارن كل امرأة يقابلها بماري.. ترك القلم من يده واغلق الملف فقد فقد تركيزه في العمل.. واخذ يفكر في ماري.. زوحته الهاربة..
………………..،،،،،،،.،،،.،،…..،،
هبطت فيفان من السفينة بعد ان استيقظت .. وجدت رضوى ما زلت نائمة.. فتركتها وخرجت.. سارت حتى وجدت كابينة هاتف.. فدخلتها وطلبت رقما.. انتظرت حتى سمعت صوتا يقول: مرحبا..
قالت فيفان : اهلا ليلى كيف حالك..
تنهدت ليلى بحرقة وقالت: لا تقلقي انا بخير.. اين انتم وكيف حال ليان؟
قالت فيفان: لقد وصلنا اليونان.. وهي بخير.. ولكنني اريد ان افهم.. لماذا تفعلين هذا؟ لاول مرة تبدين غامضة هكذا يا ليلى..
سادت لحظة صمت .. قطعتها ايلى بقولها: ستفهمين قريبا ولكن الان اريدك ان تفعلي مثلما اخبرتك..
قالت فيفان وهي تبدو غير مقتنعة: حسنا يا ليلى.. سأظل معك للنهاية فهذه ضريبة الصداقة..
قالت ليلى بلهفة: اهتمي بليان .. لا تدعيها تقوم بحماقات.. اعتمد عليكي يا فيفان..
قالت فيفان وفي حلقها غصة : حسنا لا تقلقي..
انهت المكالمة ووقفت وهي تلوم نفسها.. كيف قطعت هذا الوعد لليلى.. ولكن كيف ستقول لها ان ليان بدأت فعلا في ارتكاب اكب حماقاتها.. كيف ست قفها والعند يسيطر عليها..
انتبهت فيفان على صوت يناديها.. التفتت لتجد رضو قد هبطت هي الاخرى من السفينة.. اتت اليها وقالت: هيا بنا لنتنزه قليلا..
هزت فيفان رأسها وقالت : حسنا هيا بنا..
وفي رأسها تدور دوامات من التفكير في ليلى.. ما الذي حدث لها .. ولماذا تفعل كل هذا?
فصول الرواية: 1 2